حوار مع الشاعرة أمينة المريني
أجرت الحوار حسناء ادويشي
الحمد لله رب العالمين والصلاة على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه و التابعين.
السَّجِينَة2
“مازالَ الحِوارُ مُستَمِرًّا بَين الأَمَارَةِ
وطِينِهَا… يُجيبُهَا الطِّينُ قائلاً:
أقولُ لِفاتِنَتي
والهَوَى قابَ قَوسَيْنِ عندَ الغَلَسْ
عَناقيدَ آهٍ
وَدَمْعٍ شَفيفٍ
تَلاَلاَ بَهِيًّا عُقُودَ قَبَسْ:
” تَبَرَّيْتُ مِنكِ
تَبَرَّيْ”
شاعرة مغربية من مواليد مدينة عريقة تفوح بعبق التاريخ، وتزخر بألوان الجمال الحسي والمعنوي،هي مدينة فاس، ترعرعت وسط أسرة محافظة محبة لله ورسوله، فذاقت حلاوة الحب الإلهي والأنس به منذ نعومة أظفارها. من محرابها الشعري الذي تعتكف داخله تنسج أبهى حلل البيان، وتتحفنا بأسمى المعاني وأروعها، متنقلة في عالم الشعر الرحيب، فتجذب القارئ إلى عالم الحب الصوفي، والقيم الروحية، والأخلاق الرفيعة، ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي التي تربت في أسرة محبة لله ورسوله، مسلمة القياد لإحساسها الصادق المرهف ولغتها المنتقاة الفصيحة، تطوف بين القصائد في حرية وانطلاق، تسقينا من هذه المعاني التي تحلق بنا في صرح الشعر الهادف، مظهرة بذلك مكانة الشعر النسائي في عالم الأدب العربي، وهي ترى أن شعر الرجل والمرأة قرينان، وفرسا رهان، وقد صدر لشاعرتنا مجموعة من الدواوين الشعرية، فضلا عن مشاركتها في عدة مهرجانات وملتقيات أدبية، وحازت على جوائز عديدة، إنها الأديبة الشاعرة أمينة المريني.
شاعرتنا المبدعة أمينة المريني، أهلا وسهلا بحضرتك ضيفة عزيزة على موقع “منار الإسلام”، حيث يتشرف الموقع باستضافتك وفتح أبواب التواصل معك، وأترك لك الكلمة لتعرفي زوار الموقع بمسارك وإسهاماتك في الأدب العربي المعاصر.
-أنا بدأت ناثرة، وحين أحسست أن هناك خللا في ما أكتبه، توقفت، أحسست أنني لا أتساوق والإيقاعات الجسدية والكونية المنضبطة بالنظام، خصوصا وأن توقفي جاء بعد إدراكي لما يختزنه الشعر العربي من إيقاعات وموسيقى ثرية، وقد أدركت الموسيقى قبل دراستي للعروض، وكتبت النص العمودي ومرجعيتي الأذن لا الدراسة، والنص التفعيلي في تقديري لا يخرج إلا من عباءة النص العمودي، فهو وليده وابنه الشرعي، وحين أتنقل بينهما أحس كأني أتنقل في قصر بين أبهاء وردهات وحجرات إلى بساتين ورياض لا تحد الانطلاق،
أو قل كأنني أتنقل بين بحر ونهر، والعكس، وبين هذا وذاك أجد المتعة لا فرق، على أن الاحتكام إلى الوزن والقافية في النظر إلى الشعر نظر قاصر نوعا ما، وقديما رأى الجاحظ الشعر صياغة وضربا من التصوير، ولعل نظرية النظم عند الجرجاني كانت سابقة في الزمان، فالشعر لا يستمد شعريته وتأثيره من وزنه وقافيته ومعناه، بل من تعليق الكلمات بعضها ببعض، فبعض الشعر نثر وإن كان نظما، وبعض النثر شعر وإن كان متحررا من الوزن، إن العمدة في الشعر هو الخيال واللغة الشعرية، على أن الإيقاع إذا انضاف يزيد النص جمالية عالية. وهكذا كتبت “ورود من زناتة”وهو ديوان تطرق إلى قضايا مختلفة ثم “سآتيك فردا'” وكان ديوانا روحيا فطريا..تلته دواوين تخصصت في التجربة الصوفية، “مكابدات”، فـ”مكاشفات”، فـ”خرجت من هذه الأرخبيلات”، ثم “من أوراق الحلاج الآخر” إلى الديوان الذي مازلت أشتغل عليه وهو”ماكذب الفؤاد ما رأى”…وديوان آخر جديد للأطفال…
لا يسعنا إلا أن نثني على جهودك، وإسهامك الأدبي الغزير، ولا شك أن لكل شاعر مميزاته الخاصة في إنتاجه الشعري، فما هي الخصائص والمميزات التي تنفرد بها الشاعرة المغربية أمينة المريني؟
هذا السؤال سيدتي يوجه إلى الناقد الخبير بالجغرافية الشعرية، والذي يمكن أن يطلع على نصوصي، أما بالنسبة للشاعر فهو قد لا يفلح كثيرا في تمييز خصائص شعره، لأن الشاعر إذا استغل بذهنية الناقد أفسد شعره، خصوصا أنني أعتقد أن الشعر موهبة فإذا تدخلت فيه آلة المراقبة النقدية شذ عن الجمال الفطري الراقي.
الحديث عن المميزات والخصائص يدفعنا للتساؤل حول العوامل الذاتية والموضوعية التي شكلت تجربة الشاعرة المريني؟
للشعر عندي عمران: عمر بيولوجي وعمر كوني؛ فالأول مرتبط بمراتع الطفولة وتقلباتها ومحاضنها، وهو موسوم بأزمنتها المترابطة والمتتالية من عمر الطفلة التي كنتها. فمذ كنت وجدتني أحبُّ الشعر، أنشده بشكل راقٍ حبّب لمعلمي أن يصغوا إليه بصوتي في كل حصة من حصص الدروس. أما والدتي فقد كانت منشدة جيدة للشعر، تحفظ الكثير من أشعار علال الفاسي ومحمد الحلوي وتتذوّقها. ولذلك كانت تأخذني بالحفظ والوقوف عند المدود وتمثُّل المعاني. أذكر أنني في تلك المرحلة كنت أفهم بالسليقة الأشعار، وكنت أُفتن بالنصوص التي كان المربي “أحمد بوكماخ” قد أدرجها في سلسلة (إقرأ) منذ القسم التحضيري. هذه الفتنة المبهمة أخذت بتلابيبي، وأنا أتحسسها في إرواء النصوص وتناغم مقاطعها وتفعيلاتها.
هكذا أخذتني أيادٍ مخلصة لأسير إلى جنة الشعر وناره، ولَرُبّما لولا هذا الحب الفطري لما انقدت إلى الشعر بسهولة، كما هو حال كثير من الذين دجّنتهم التكنولوجيا، فما شعروا يوماً بالانبهار إلا لما هو ماديٌّ. وأعتقد أنه لو شاء لي الخالق أن أتأخر إلى الآن لما تفتّق في الروح هذا الحب الأزلي للشعر، بحكم أنّ الشاعر يولد شاعراً، ولكن عوامل البيئة تتضافر في تنشئته الشعرية: الأم، المربُّون، المحيط الصغير الذي ينعم فيه المرء بسلامة القلب وصفاء الروح وبراءة العواطف. سينمو هذا الحب ويترعرع في كنف الأسرة والمدرسة إلى أن أصل إلى الدراسة الثانوية. هناك سأقرأ صلاح عبد الصبور وبدر شاكر السياب ونازك الملائكة، وسأحفظ نصوصاً كثيرة لمحمد الحلوي والمتنبي، فأحسُّ في نفسي كل مرة بأنني سأقول كلاماً. وأحسُّ بأن الكلام يصطخب في حلقي ويجيش به صدري، ولكن لا أقدر عليه فتصيبني نوباتٌ من الحزن. وأجرب أن أكتبه مرة، وأسلم ما كتبته لأستاذي فيأخذه بالتوجيه، ويدعوني إلى أن أحاول مرّاتٍ. وأذكر أنه مرة قال لي جملة لم أنْسَها إلى الآن: «أنت ما زلت تبحثين عن نفسك». لم أفهم العبارة حينها، ولكنني اعتقدت أنّه نصحني بترك الشعر، فانتابني ألم عارم وعدت لأقرأ دواوين الشعراء، وأنا أُحدّث نفسي بأنني أردت أن أقول هذا، ولكنني عاجزة عنه. وكنت كلما لقيت الأستاذ حاذرتُ أن يراني. أنا الآن أتحدث عن سن الخامسة عشرة، لم أتوقف حينها عن تدوين خواطري التي كانت في الحقيقة نصوصاً نثريّةً تحفل بالألم والضياع. كنت أعلم أنني لا أكتب شعراً، غير أنّي احتفظت بهذه النصوص للذكرى، كونها شاهدةً على مرحلة من الحياة. فهمتُ في الأخير نصيحة الأستاذ. بعد الباكالوريا سيدرسني العروض عالم عروضي وهو المرحوم محمد الدناي، فانبهرت بطريقته في تقريبه منّا نحن الطلبة، فقد دعانا إلى تلمُّس الأوزان بالسماع والتقطيع الصوتي. وهكذا انصرفتُ في أوقات الفراغ إلى تجريب ما بدأناه مع الأستاذ، ليشمل مختلف البحور الشعرية. فإذا بي أحسُّ كأنني عثرت على كنز من الألحان والمقامات الصوتية، وأدركت ظواهر الزحاف والعلة، دون أن أعرف أسماءها، لأكتب أول نصٍّ عموديٍّ على الكامل في هذا الوقت. لم أعد أكتب نثراً، وإنما بدأت أكتب البيت والبيتين، وأنا أحتكم إلى الأذن فقط. وهكذا عبّدت الطريق أمامي لأجمع بعضاً من قصائدي الأولى في ديواني الأول «ورود من زناتة»، الذي أعتبره في تقديري تماريني الشعرية الأولى.
يبدو من خلال قصائدك أن للأدب الإسلامي أثرا في اتجاهك الأدبي، فهلاّ تحدث لنا عن هذا الأثر، ومدى أهميته في عالم الأدب.
دعيني أولا أقترح مصطلحا أوسع: مصطلح الأدب الفطري…لأنه مرادف للفطرة السليمة وللنقاء…فمصطلح الأدب الإسلامي يطرح إشكاليات عدة..فهل هو الأدب الذي كتب في بلاد الإسلام؟ أم أنه الأدب الذي كتبه غير المسلمين وإن كان يتضمن رؤى إسلامية؟ القضية أوسع من ذلك، لقد كتب شاعر الهند طاغور أدبا فطريا، وكذلك شاعر ألمانيا جوتة..فماذا سنسمي إذن ما يكتبه أديب مسلم في دار الإسلام…وإن كان لا ينطوي على نفحات إسلامية؟؟…
أعتقد أن الميل إلى السمو والترفع عن الطين ونشدان القيم النبيلة هو أدب الإنسان في أسمى معانيه..ومن التضييق والحيف أن نسمي هذا النوع من الكتابة أدبا إسلاميا لأن فيه من الصبغة الايديولوجية ما يدعو أعداء الدين لأن يطوقوه ويحاصروه ويخندقوا كتابه في خانات..تمنعهم من إيصال أصواتهم إلى المتلقي…وعليه فأنا لا أكتب شعرا إسلاميا، بل أكتب الشعر الذي ينبغي للإنسان أن يكتبه، ليبني لا ليهدم، ليضيء لا ليعتم، ليسمو لا ليسف، ليربي أذواق الناس وحواسهم لا ليلطخها ويتدنى بها إلى درك الغريزة والشهوانية….
لا شك أن للشعر رسالة منوطة به، يسعى الشاعر لإيصالها، وبذلك فإن رسالة الأدب تسعى إلى التحلي بقيم بعينها، نرجو من حضرتك توضيحها لمتابعيك.
لقد تدبرت بعض ما كتبه الناس فهداني العقل إلى أن مهمة الشاعر أن يرقى ويرتقي….إنها مسؤولية جسيمة…أن يبذر الأديب البذرة الطيبة…لعله يفتح ذلك الباب المضيء نحو المستقبل..ونحو ما ينفع الناس…فالزبد يذهب جفاء وقد صدق الشاعر القائل:
ومامن كاتب إلا سيفنى
ويبقي الدهر ما كتبت يداه
فلا تكتب بكفك غير شيء
يسرك في القيامة أن تراه
رغم أن شاعرتنا لا تؤمن بالفرق المفتعل بين أدب المرأة وأدب الرجل، إلا أن هناك خصوصية تنفرد بها المرأة، هي منحة ربانية، فهل تجدين ما يميز شعر المرأة عموما عن الرجل (من حيث اختلاف زوايا النظر، والأحاسيس، والدقة مثلا)؟ أو بعبارة أخرى ما هي ملامح الأنثى في شعر المريني؟
من وجهة نظر اشتغالي لا أجد فرقا بين ما أكتبه أنا شخصيا وبين ما يكتبه الرجل، وهذه خصوصيتي، فمثلا لولم أوقع النص باسمي لما عرف بأنه لامرأة، هكذا لأنني أكتب شعر الإنسان الذي يخاطب الإنسان بصرف النظر عن جنسه…فإذا قرأت نصوصي ستدركين عمق ما أقول…وأعتقد أن السبب يعود إلى نوازعي الشخصية واهتماماتي الخاصة…والمواضيع التي تشغلني…أنا يشغلني..الموضوع الصوفي، وهو موضوع لا يمكن أن يسم النص بجنس أو بلون أو بعقيدة…فقد كتب هذا الموضوع شعراء غير مسلمين كما أسلفت..وكتبه الرجال والنساء..ولذلك لا أجد فرقا بين أشعار رابعة العدوية وأشعار الحلاج…لا يمكن أن نقول هذا شعر امرأة وهذا شعر رجل..أبدا..على النقيض لو كنت أكتب عن المرأة وقضاياها وعلاقاتها بالآخر وعواطفها تجاهه…لكان لشعري ذلك الطابع الأنثوي الذي قد يميزه عن شعر الرجل…وهذا واضح في شعر سعاد الصباح مثلا ونازك الملائكة وعاتكة الخزرجي….
من ناحية أخرى يبدو لي أن الحركات النسوية التي ظهرت في أوروبا وما بشرت به من قضايا الحرية والمساواة وصلت في أقصى مسارها إلى افتعال صراع بين الرجل والمرأة، فانعكس على شعرها بالشكوى والأنين….ولأني مسلمة لا أومن بهذا الصراع، لأنني أعتقد بأن الإسلام وفّٓى المرأة حقوقها وأعلى مكانتها وكرمها..والذين انتقصوا حق المرأة هم الذين لم يفهموا الدين فهما صحيحا وبالتالي لم يطبقوه،..وعليه فحينما أكتب أخاطب الإنسان وأنطلق من ذات الإنسان لا من ذات امرأة..لا بد أن تشكو الحيف وتتظلم….أو تنظر إلى الرجل نظرة عاطفية فتفصح عن الافتتان والعذوبة والعواطف الجياشة…..فكل شاعر يعبر عما فيه…وأنا بداخلي إنسان.. كامل الإنسانية..لا يعاني نقصا..ولا مشكلا يجعله يعبر عنه، كما أرادتنا الحركات النسوانية التي هبت علينا ريحها من الغرب…
هل تجد المرأة الشاعرة في عالمنا العربي والإسلامي مكانتها المعتبرة دون تمييز؟ أم تحتاج إلى جهد واجتهاد أكبر؟
لاشيء في الوجود مهما كان نوعه من أعمال ومهن واختصاصات وممارسات يمكن أن يأتي دون جهد خصوصا في الإبداع؛ خاصة إذا كان المبدع امرأة…وستلاحظون أنه على مستوى الكم حين يذكر مثلا ستمائة شاعر يذكر مائة شاعرة…مع أن الشعر ألصق بالمشاعر، والمفروض أن المرأة التي تختلف اختلافا كليا في طبيعتها العاطفية عن الرجل..يجب أن يكون إنتاجها الشعري أغزر منه…فهل هذا يعني أن عدد النساء الشاعرات أقل من عدد الرجال..؟.لا أعتقد..هناك عوامل..تتعلق بنظرة المجتمع إلى المرأة ككاتبة وهي نظرة..دونية..إضافة إلى استحواذ الرجال على المواقع الثقافية أكثر من النساء ثم الإقصاء الذي تصادفه المرأة..إما من الرجل..أو حتى من نظيرتها المبدعة، وتدخل في ذلك عوامل الحقد المجاني…الذي يواجه به أي مبدع عصامي يرفض أن يتسلق وأن يستغل العلاقات والصداقات التي جنت على الإبداع وراحت تطبل لغير المبدعين..بينما وضعت المستحقين في الظل…
ربما هي إشارات تدلك على أنه لتكون مبدعا حقيقياعليك أن تؤسس ذاتك الإبداعية..بنفسك لا بيد الآخرين..وعليك أن تطور نفسك..وعليك أن تقاوم كل العراقيل وعوامل الإحباط المفتعلة التي يخلقها الآخرون في طريقك..حاول البعض أن يضعف عزيمتي.بما اصطنعوه..من اقصاءات متعمدة ولكن ذلك لم يفتّٓ في عضدي بل كان سببا في أن أكتب..وأواصل…وأطور..إمكاناتي التعبيرية…
أليس هناك تمييز؟هناك تمييز طبعا ليس بين المبدع والمبدعة، بل بين المبدعة والمبدعة نفسهما..هناك كاتبات تقدمت بفعل العلاقات..وهناك من سرن ببطء….ووجدن لخطواتهن طريقا. وشققنها بأنفسهن…ولربما كنت واحدة من الصنف الثاني.
ما هي القضايا الكبرى التي تناولتها شاعرتنا، وما هي القضايا التي مازالت تؤرقها، وترغب في مزيد إيضاح لها؟
في ديواني الأول كان كل همي أن ألتقط كل ما يجذبني، وأعبر عن كل ما يؤرقني، وبذلك جاء الديوان مزيجا من مواضيع متنوعة، منها ماهو إسلامي، قومي، اجتماعي، سياسي….ولردح من الزمن كتبت عن القضية الفلسطينية، وعن اضطهاد الشعوب، وعن مختلف القضايا العربية، وعلى غرار ذلك جاءت مشاركاتي في مهرجانات طلابية تلهب حماس الجماهير وقت كانت الهجمة الشرسة على العراق فوجدت صداها في شعري. وكتبت..(ملحمة الذل العربي)..وقرأت منها..على مدرجات بعض الجامعات الوطنية…لكن حوصرت وقُصد إسكاتي…وسوئلت…وأصبحت معرضة للاتهام بالخوض في السياسة….فلذت بالصمت عن هذه القضايا؛ خصوصا أنني ساءلت نفسي هل حرر الشعر فلسطين وحل مشكل العراق ؟منذ خمسين عاما ودرويش يصدح لكن فلسطين ظلت سجينة! ما الذي صنعه الشاعر العربي ليحل قضاياه؟ وجاء يوم رأيت فيه الهيئات التي كانت تدعوني لمهرجاناتها القومية الصاخبة تصدرت الأفق السياسي..فلم يعد أحد منهم يذكرني..قلت في نفسي؛ إلى هذا الحد كدت أودي بنفسي؟،الجميع قلب السترة كما يقال….هنالك قلت: كفى..وجاء ذلك الانكفاء على الذات لأقتصر على الكتابة الصوفية الإسلامية بدءا من “مكابدات” إلى الآن…
لا يجب أن يفهم من كلامي أن الشاعر يكتب لأهداف براغماتية..ولكن يؤلم أن يكون الشاعر في مجتمعه وسيلة..لترويج شعارات..وبوقا يترجم أفكار البعض وظهرا يُركب..وفي الأخير يُهمل ويُتنكر له، ولايُعطى مكانته اللائقة به..لهذا السبب استيقظت وابتلعت الحقيقة المُرة….وآليت على نفسي على أن أراجع مواقفي..
يظهر جليا للقارئ المتابع للشاعرة المريني، أن اللغة العربية تكتسب أهمية بالغة في نتاجك الشعري، فلغتك ذات رقة وعذوبة مع جزالة التعبير، فماذا تمثل اللغة بالنسبة لشاعرتنا؟
اللغة في كل عمل أدبي وليس في الشعر فقط هي قطب العمل ورحاه، هي المادة اللدنة التي يشكلها الأديب بحواسه وفكره وذوقه، هي بدء العمل ومنتهاه، هي المنطقة الموارة بالفتنة… والجذب ولا يقوم عمل أو يؤثر أو يجدي دونها…هي الأساس في مادة الاشتغال…تشبه إلى حد كبير ريشة الرسام وإزميل النحات…يرافقها إحساس الشاعر بها ومعرفته بمكان وضعها….وتوظيفها…جميع الأدباء يمتلكون اللغة..ولهم رصيدهم…ولكن..ليسوا جميعا على قدر واحد في المعرفة..بطرق استعمالها…وللجرجاني رأي جميل في النظم..يتعلق باختيار اللفظ ومواضع استعماله وقد سبقه الجاحظ إلى ذلك….وهي نظرية لها اعتبارها في الصياغة الشعرية وفي التصوير..الذي هو الشعر عند الجاحظ….اللغة إذا شئت أن أقول هي الشاعر نفسه…
الصدق والبحث في مكامن النفس، والغوص في أعماق الروح، وتجليات العشق الإلهي والحب النبوي، سمات بارزة في دواوينك الشعرية، مثل (سآتيك فردا) و(مكابدات) و(مكاشفات)، ففيها بوح بنبضات صوفية تحلق بعيدا لتفتح آفاقا روحية ومعرفية تلامس فطرة الإنسان، فهل تتسع القوافي الشعرية للتعبير عن الأشواق الروحية بكلمات تفي بجلال المعنى؟
دواويني التي شملت هذه التجربة أولها “سآتيك فردا” ثم “مكابدات” فـ”مكاشفات” فـ”خرجت من هذه الأرخبيلات” ثم ديوان “من أوراق الحلاج الآخر”..والديوان الذي أشتغل عليه حاليا(ماكذب الفؤاد ما رأى)سلسلة من الدواوين..كلها تحفر في هذا المجرى الصوفي العميق وتصب فيه…لكنها صوفية إسلامية لا تطرف فيها ولا مبالغة ولا خروج عن المألوف ولا اعوجاج، صوفية تسير في مسير المعتقد الاسلامي: أن الآخرة خير لك من الأولى..وأن هذه متاع الغرور… لذلك يأتي مصطلح الطين مرادفا للزوال والنقصان والإسفاف في مقابل التعلق بالسامي والقصي والجميل الخالد…وإذا كان الشاعر يشتغل بقناعاته وينطلق من تجربة حقيقية يمارسها في حياته الخاصة، فلا بد أن تتسع لها ليس القوافي فقط؛ وإنما جوارحه لأنه يكتب بها ويترجم عنها…التجربة الصوفية ياسيدتي صدى لتاريخ بعيد عشته ولطفولة روحية قضيتها بين حواري فاس ومساجدها…حيث كانت البساطة..والثقة والألفة تطبع حياة الناس. تربيت على يد سيدة..على قدر كبير من التقوى…وعلى يد أب كان يقطع مسافة بين حي رأس الجنان، حيث ولدت، نحو ضريح المولى إدريس ليصلي الفجر، على هذا الجو فتحت عيني، وتشربت صفاءه…ونقاءه…فكانت المحاضن الأولى..أساس التجربة…التي أخوضها الآن..وسيلاحظ القارئ أن النص الصوفي في دواويني لا يكرر نفسه…فلكل نص منبعه وظرفه…لأنه نابع من تجربة حقيقية..وديواني “خرجت من هذه الأرخبيلات” هو سيرة شعرية تترجم الحياة التي أشرت إليها…ولذلك أعتقد أن التجربة حين تكون صادقة لابد أن تكون أوسع من القوافي. وفرق بين من يوظف شعريا التصوف كتقليعة(موضة)فيكون متصاوفا. وبين من يعيشها ممارسة وشعرا.
أين تلتقي التجربة الشعرية بالتجربة الصوفية لديك؟ ومن هم أبرز الشعراء الذين تأثرت بهم الشاعرة المريني؟
بكل بساطة التجربة الشعرية عندي الآن هي الوعاء الذي احتوى تجربتي الصوفية وتناغم معها…لعله كان في النفس منذ الطفولة هذا الجيشان الروحي.. الذي ظل يدور في فراغ مطلق يبحث عن إنائه..فلو وجد ريشة لتحول إلى لوحة صوفية ولو وجد قيثارا لتحول إلى أنغام روحية لكنه حين وجد وعاءه وهو الشعر كانت…التجربة التي ترون. من جهة أخرى تسعون في المائة من أعمالي الشعرية تنزع هذا المنزع الصوفي والباقي…أعتبره الجزئي والبداية أما الحقيقة…فهي هذه النصوص التي تحاول أن تجد مبتغاها في الأسمى والأعلى والأخلد وتسير قابضة على القصي والشائك والعصي…في محاولة للتعالي على ماهو زائل.
أما من تأثرت بهم ففي هذا السياق..يمكن أن أقول بأنني لم أتأثر بشاعر معين..قرأت الشعر العربي بعصوره المختلفة وعلى تنوع موضوعاته..وأعجبت بشعراء بعينهم..كمحمد علي الرباوي.وحسن الأمراني…وجلال الدين الرومي….والحلاج.وجوته..ولكن كتبت الشعر الصوفي قبل قراءة هؤلاء..الذين وجدوا صدى في نفسي…ولربما تعمقت تجربتي بالاطلاع على أعمالهم وأعمال غيرهم….وأذكر أنني حفظت الكثير من الأشعار الشيء الذي كون ذائقتي الموسيقية قبل دراسة العروض….كما أذكر أنني سنة1979 فيما أعتقد حفظت ألف بيت من الشعر العربي في تحد ذاتي….للذاكرة..
هل تشكل ثقافة التفاهة والرداءة في الإعلام تأثيرا يهدد الإبداع الأدبي الهادف؟ وكيف تتعامل الشاعرة مع وسائل الإعلام عموما؟
بالتأكيد نحن في عصر صناعة الرداءة..بامتياز وهناك احتضان مقصود لكل رديء ليس في الأدب فحسب بل في كل الفنون وفي مختلف المجالات…ولربما ما ينفق على الرداءة لا ينفق على الجيد من الأعمال…حتى أصبح المبدع الحقيقي ينزوي في الظل متفرجا على ما يجري…ومن هذا المنبر أدعو الشعراء والمثقفين خصوصا إلى ألا يشجعوا الشعر الرديء فحين تتدخل المجاملة والمحاباة في الشعر يضيع..
أحيانا يحاصرك شخص لتقول رأيك في نص رديء، وللأسف أرى الكثير من المثقفين ينوهون به إكبارا وإعجابا…مع أنه لا يستحق. المثقف نفسه يشجع الرداءة ويروج لها..وهذا هو السبب في كثرة انتشار الأعمال الأدبية التافهة..لأنك إذا قلت كلمة حق فيها أصبح صاحبها خصمك وعدوك….كما أن بعض الدوائر الثقافية تشتغل بمنطق الشللية والزبونية… خذي نموذجا المعرض الجهوي للكتاب بفاس هذه السنة من دعي إليه؟ ظل كثيرون من مثقفي المدينة في الهامش، ودعي الصديق وصديق الصديق والأخ والأب…وهلم جرا؟ مع أن المثقف داخل المدينة غير مكلف!!
المعرض الدولي للكتاب الذي تنظمه وزارة الثقافة سنويا لسنوات طويلة تحضره نفس الأسماء أزواجا وزوجات!!!…وصديقات وأصدقاء!!!!..أذكر أنني مرة دعيت. ولكن في أي موضوع؟طُلب مني أن أتحدث في موضوع الجهوية الموسعة!!! يعرفون أنني شاعرة..ويمكن أن أُدعى للشعر الذي هو مجالي…فدعوني تعحيزا لغير اختصاصي حتى أعتذر..وكان لهم ما أرادوه…ثم بعد ذلك روجوا أنني أقاطع المعرض! مع أنني حضرت معارض ومهرجانات في غير وطني كشاعرة…ووجدت هنالك صدى حسنا بفضل الله…
بصراحة هم لا يدعون إلا خاصتهم…الانفراج الثقافي حصل أيام وزيري الثقافة حميش وعبيابة…ومع غيره ضُيق الخناق ومايزال خصوصا في ولاية الاتحادي الأشعري….
أما عن وسائل الإعلام فتعاملي معها محدود جدا
كيف ترى شاعرتنا الحركة الأدبية عموما والشعرية خاصة في المغرب، وهل يجد الأديب الاهتمام المطلوب؟
لعل جزءا كبيرا من هذا السؤال يرتبط بملابسات سابقه…لولا الخنادق الشعرية التي كرست المحسوبية والمحاباة..لكانت الحركة الشعرية بخير…لكن للأسف لكل خندق شعراؤه…إذا استثنينا بعض المؤسسات الثقافية التي تخلص للثقافة حقا..ولا تميز بين مبدع وآخر،ميزانها إبداعه قبل اسمه وانتمائه ولونه وجنسه..وأستحضر هنا تجربة “جمعية أصدقاء المعتمد” هذه المؤسسة الثقافية العتيدة التي أنصفتني يوم أقصاني الكثيرون، رحم الله رئيسها السابق السيد عبد الحميد يدير…وأطال عمر من بقي..من أعضائها….كما أستحضر مؤسسة “مقاربات” في شخص مديرها الأكاديمي الدكتور جمال بوطيب التي قدرت أعمالي الشعرية…وساندت الكثير من المبدعين وأصدرت أعمالهم الكاملة….وعلى الرغم أن مكانة الشاعر لدينا مازالت مهزوزة بفعل المحسوبية.. فإن بصيصا مايزال في آخر النفق…
بما أنك كنت تشتغلين بمهنة التدريس، ما تقييمك للدرس الأدبي في مناهجنا التعليمية؟ وما هي اقتراحاتك بشأن تطويره؟
الدرس الأدبي متعثر جدا سواء من حيث اختيار النص أومن حيث منهجية تدريسه…منذ كنا تلاميذ لم نكن ندرس إلا النص المشرقي..حافظ إبراهيم شوقي.. البارودي…وبعض النصوص القديمة لشعراء كأبي تمام والمتنبي.وامرئ القيس…ثم واصلنا العمل بنفس النصوص ونحن مدرسون…فغُيب الشعراء والأدباء المغاربة..إذا استثنينا محمدا الحلوي وعبد المالك البلغيثي…وعبد المجيد بنجلون..والتغييب في الشعر أكثر منه في النثر…وقد كان لنا في نهاية القرن الماضي حيز من الاختيار في تدريس ما سمي بالمحفوظات لذلك كنت أنتهز الفرصة وأدرس النص المغربي….وقد لاحظت أن الطالب المغربي لا يعرف شيئا عن شاعر كبير كالرباوي ومالكة العاصمي والطبال..وحسن الأمراني…إلى الآن حين أتحدث عن هؤلاء وغيرهم..أبدو كأنني أتحدث عن شخص من عالم آخر…..الآن في الألفية الثالثة حدث نوع من الانفراج الخجول فأدرجت في المقررات الجديدة حينها أسماء مغربية واستبشرنا خيرا..وقد أدرج أحد نصوصي في كتاب الرائد للأولى باكلوريا علمي….لكن منهجية تدريس النص ظلت لا تعطي النص ولا لصاحبه وزنهما، تعميم في تعميم دون سبر جمالياته…على مستوى الرؤية واللغة والصورة……عليك أن تتبع منهجية واضع الكتاب المدرسي والخطوات المقيِّدة للدرس.. لكن أنا أقول أن أي منهجية ليست حذاءً صينيا يغل الموهبة عن الانطلاق….فالنص حمال أوجه كما يقال وعلى المدرس أن يبحث عن مفاتيح النص الأدبي ليدخله وهي مفاتيح تختلف من نص لآخر…فقد تدخله من باب المعجم أومن الصورة.أو من محسناته البديعية…وهنا يكون مجال الإبداع فسيحا فيتحول المدرس إلى إنسان يبدع نصوصا من النص الأصلي..وللأسف..قديصطدم بعقبة المنهجية وبما يفرضه المراقب التربوي…
الإبداع في التدريس هو الذي يضرب كل الحواجز التقليدية التي تعوق تدريس أي نص….أعطيك نموذجا..نص المباءة لمحمد عز الدين التازي الذي كان مقررا في دراسة المؤلفات في الجذع المشترك الأدبي هو من النصوص المستغلقة…التي يجدها المدرسة عقبة كأداء…والمنهجية الحالية لا يمكن بأي حال أن تعبد الطريق إلى هذا النص..لكن مساءلة العناوين والأمكنة..هي التي يمكن أن توصل المتعلم إلى جوهر النص…أذكر أنني أمضيت في إحدى السنوات دورة مع المباءة..وكنا مدرِّسة ً وتلاميذٓ نتوغل فيها بصعوبة حتى وجدنا أنفسنا نليِّن ما شذ منها وخرجنا بدراسة مطولة لفصولها كانت نقدا تلمذيا خالصا….وعملا إبداعيا جميلا….
في ختام هذا الحوار الماتع نتقدم لك بالشكر الجزيل، ونرجو أن نحظى معك بلقاءات أخرى وتواصل أكبر على موقعنا، ونترك لحضرتك حرية اختيار قصيدة من روائعك لعرضها على القراء في موقع منار الإسلام.
وأخيرا أختتم هذا الحوار الذي شرفتموني به بخالص الشكر والدعاء لكم بالتوفيق والتيسير الرباني…
ودمتم في وديعة الله سبحانه وتعالى.
نص: مناجاة
بِليْلِ السّرِّ أضناكٓ الشجِيُّ
وخاتلٓ طرفٓك الطيفُ البهيُّ
تٓرى منه الوضاءةٓ في حجابٍ
ويٓقطع كفّٓك الحُسنُ الوضيُّ
وتُغرقُ ليلٓك العاصي بدمعٍ
لعل الوصلٓ يُسبغه العصِيُّ
لعل الكأسٓ أشربُها دِهاقاً
إذا جادت غيوثُك يا غنيُّ
إذا رُفعتْ ستورُك يا حبيبي
وأسفرٓ وجهُكٓ، الشمسُ، السّٓرِيُّ
سنيٍّ في خفاء أو شهود
خفيٌّ في لطائفكُمْ جٓليُّ
شقيٌّ عبدُكٓ الفاني المُعٓنّٓى
وليس له شبيه أو سٓمِيُّ
وفيٌّ في هواكٓ على ضٓلالٍ
عمِيٌّ في هُداهُ أو غٓوِيُّ
له قلبُ الذُّبالة في رياحِ
إذا ما شاقه الاِسمُ العٓليُّ
وتسري في دمائيٓ بحرٓ وٓجدٍ
أموت على هواكٓ وأنتٓ حيُّ
وٓليِّي، صاحبي، في كل دربٍ
إذا بانٓ الحفيُّ أو الصفيُّ.