منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

باب في الرؤيا وأنها من المبشرات (3) الأربعون حديثا المبشرة

يعقوب زروق

0

باب في الرؤيا وأنها من المبشرات (3) الأربعون حديثا المبشرة

يعقوب زروق

باب: بشارات خاصة بأهل الطاعات (2) الأربعون حديثا المبشرة

 

الحديث التاسع عشر: لا يبقى بعدي من النبوة شيء إلا المبشرات

عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” لا يبقى بعدي من النبوة شيء إلا المبشرات “. قالوا: يا رسول الله، وما المبشرات؟ قال: ” الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له[1].  

العقل المادي لا يقبل بالرؤيا ويدخل كل ما يراه النائم في حديث النفس ويعطيه تفسيرا نفسيا. أما عقل المؤمن فمسلم بالغيب، لا يجد حرجا فيما أخبر الله به من غيبه وما أخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم.

تحدث الله في كتابه عن الرؤيا فقص علينا في سورة يوسف رؤيا يوسف عليه السلام ورؤى الفتيان والملك، وبين لنا أن الرؤيا تحمل من الغيب ما شاء الله. وأنه يفهمها ويفسرها المحسنون. وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ۖ وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف: 36]

وفي السنة خصص المحدثون أبوابا في كتبهم للرؤيا والتعبير ما يدل على اهتمام السنة بالرؤيا. فهي جزء من النبوة وفي رواية جزء من ست وأربعين جزءا من النبوة.

الرؤيا من المبشرات، ذاك أنها تحمل رسائل غيب من الله للمؤمن تبشيرا له بخير أو تحفيزا له على خير.

 قواعد مهمة:

  • الغيب أساس الدين ولا يكون مؤمنا من لا يؤمن بالغيب.
  • العقل ليس من اختصاصه إدراك الغيب، ليس له إلا التسليم، فمجاله عالم الشهادة.
  • الغيب طريق معرفته الوحي قرآنا أو سنة.
  • من الغيب أن أعمال العباد تأتي في الآخرة صورا مجسمة ناطقة حية. والحديث التالي يفصل ذلك.

فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات: 102]

الحديث العشرون: رؤيا نبوية عظيمة

عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يوما وكنا في صفة بالمدينة. فقام علينا فقال:

 «إني رأيت البارحة عجبا! رأيت رجلا من أمتي أتاه ملك الموت ليقبض روحه فجاءه بره بوالديه فرد ملك الموت عنه. ورأيت رجلا من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر فجاء وضوءه فاستنقذه من ذلك. ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته الشياطين فجاء ذكر الله عز وجل فطرد الشياطين عنه. ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب، فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم. ورأيت رجلا من أمتي يلتهب -وفي رواية يلهث- عطشا، كلما دنا من حوض منع وطرد، فجاءه صيام شهر رمضان فأسقاه وأرواه. ورأيت رجلا من أمتي ورأيت النبيئين جلوسا حلقا حلقا، كلما دنا إلى حلقة طرد، فجاءه غسله من الجنابة فأخذ بيده فأقعده إلى جنبي. ورأيت رجلا من أمتي بين يديه ظلمة ومن تحته ظلمة وعن يمينه ظلمة وعن يساره ظلمة ومن فوقه ظلمة ومن تحته ظلمة وهو متحير فيها، فجاءه حجه وعمرته فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه في النور. ورأيت رجلا من أمتي يتقي بيده وهج النار وشررها، فجاءته صدقته فصارت سترة بينه وبين النار وظللت على رأسه. ورأيت رجلا من أمتي يكلم المؤمنين ولا يكلمونه، فجاءته صلته لرحمه فقالت: يا معشر المسلمين! إنه كان وصولا لرحمه فكلموه! فكلمه المؤمنون وصافحوه وصافحهم. ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته الزبانية، فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذه من أيديهم وأدخله في ملائكة الرحمة. ورأيت رجلا من أمتي جاثيا على ركبتيه وبينه وبين الله حجاب، فجاءه حسن خلقه فأخذ بيده وأدخله على الله عز وجل. ورأيت رجلا من أمتي قد ذهبت صحيفته من قبل شماله، فجاءه خوفه من الله عز وجل فأخذ صحيفته فوضعها في يمينه. ورأيت رجلا من أمتي خف ميزانه، فجاءه أفراطه (من مات من أطفاله) فثقلوا ميزانه. ورأيت رجلا من أمتي قائما على شفير جهنم، فجاءه رجاؤه في الله عز وجل فاستنقذه من ذلك ومضى. ورأيت رجلا من أمتي قد أهوى في النار فجاءته دمعته التي بكى من خشية الله عز وجل فاستنقذته من ذلك. ورأيت رجلا من أمتي قائما على الصراط يرعد كما ترعد السعفة (جريدة النخل) في ريح عاصف، فجاءه حسن ظنه بالله عز وجل فسكن رعدته ومضى. ورأيت رجلا من أمتي يزحف على الصراط، ويحبو أحيانا، ويتعلق أحيانا، فجاءته صلاته علي فأقامته على قدميه وأنقذته. ورأيت رجلا من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فغلقت الأبواب دونه، فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة».[2]

الرؤيا من الله وهي المبشرات لما تحمله من رسائل الغيب، فإن كانت رؤيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهي من أعظم المبشرات.

يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ[آل عمران: 30]

الحديث الواحد والعشرون: رؤيا نبوية أخرى.

 عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره»، قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله، قال: «الدين»[3]

 هذا الحديث يبشر أهل الدين بالستر كل حسب دينه وتقواه. يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [الأعراف: 26]

من نعم الله على الناس اللباس يسترون به عوراتهم ويتزينون به، هذا اللباس المادي، غير أن لباسا خيرا من هذا هو لباس التقوى “ولباس التقوى ذلك خير” وهذا ما أشار إليه الحديث. فإن الدين كاللباس يستر عيوب الإنسان ويزينه بالأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة، وعلى قدر تقوى المرء يستر .

 إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى ………..تقلب عريانا و إن كان كاسيا

وخـيـر لـبـاس الـمـرء طـاعة ربـه ………..و لا خـير فيمن كـان لله عاصـيا

فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ [الأعراف: 22]


الهوامش:

[1]  – أخرجه أحمد (24977) واللفظ له، والبيهقي في (شعب الإيمان) (4750)

[2]  – الوابل الصيب لابن القيم وقال رواه الحافظ أبو موسى المديني في كتاب الترغيب في الخصال المنجية والترهيب من الخلال المردية وبنى كتابه عليه وجعله شرحا له، وقال: هذا حديث حسن جدا

[3]  – صحيح البخاري (23) _ صحيح مسلم (2390)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.