الأربعون حديثا المبشرة (1)
باب: الأمر بالتبشير وأنه سنة نبوية
يعقوب زروق
توطئة
بسم الله الرحمن الرحيم وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد من بعثته داعيا إليك ومبشرا ونذيرا، وآله الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا، وصحبه الذين حازوا بصحبته فضلا كبيرا، وعلى إخوانه من بعده الذين اشتاق إليهم كثيرا.
وبعد:
فهذه هي الأربعين الثانية بعد الأربعين الأولى والتي جمعت فيها أحاديث الدعوة ما يحرض عليها ويحفز ويذكر فضلها ويبرز. وما يبين مبادئها وفنوتها وشروطها وطرائقها. فجاءت هذه الأربعين المبشرة قاصدة لها التمام، راجية لها حسن الختام. ذاك أن الداعية أحوج ما يكون لما يبشره وبأخذ بيده ويسدده، فإن النفوس سرعان ما تكل وتمل، وتتسرع قطف الثمرة. فإن استبطأتها تسرب اليأس إليها فخار منها العزم وعدم فيها الحزم فتقف في وسط الطريق. لذلك فإن هذه الأربعين المبشرة كفيلة بتذكير الداعية بما بشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النصر والتمكين وظهور الدين. والخير والأجر لعباد الله الصالحين.
جمعت فيها أحاديث مبشرة المؤمنين أفذاذا. مبشرة العاملين منهم منبهة لجملة من الأعمال الجليلة. وأحاديث تبشر الأمة بالرفعة والنصر والعزة والخيرية والحفظ وغيرها. وذيلت كل حديث بتعليق خفيف وأحيانا بأحاديث تعضده أو توضحه وختمت بآية تؤكده.
“يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ شَـٰهِدًۭا وَمُبَشِّرًۭا وَنَذِيرًۭا ٤٥ وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِۦ وَسِرَاجًۭا مُّنِيرًۭا” [الأحزاب: 45-46]
بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم وكلفه بمهام من بينها التبشير والإنذار. بالبشارة تتحفز النفوس للعمل الصالح وتتوق إلى الثواب. وبالنذارة تكف عن السوء والفحشاء خوفا من العقاب. فالمؤمن يحيا بين رجاء في الله وطمع في رضاه ورحمته وبين خوف من عقوبته وسخطه.
وبالبشارة تتنزل الملائكة على المؤمنين أولياء الله. تطمئنهم، فلا يخافون مما هو آت ولا يحزنون عما فات.
“إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ” [فصلت: 30]
التخويف والتحزين من عمل الشيطان. شياطين الجن والإنس لا يفتؤون يبثون الحزن في الناس، زرعا لليأس من رحمة الله، الذي هو من صفات الكافرين.
“إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ” [آل عمران: 175]
” إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ”[المجادلة: 10]
التحزين والتخويف سلاح الشيطان، إن تمكن في القلب أساء العبد الظن بربه واستدرجه الشيطان إلى مهاوي الكفر والعياذ بالله. فالمؤمن يحسن ظنه بالله. ولا تذهله الأحداث العظام لأنه يوقن أن المتصرف في الكون هو الله. وأنه لا حركة ولا سكون إلا بإذنه سبحانه. وأنه عزو جل”وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ “[الأنعام: 59].
وقد استغل الأعداء هذا السلاح أيما استغلال، فكان لا بد أن يواجه بما يبطل سحره ألا وهو التبشير وإفشاء الأمل في الناس. وتعليمهم حسن الظن في الله عز وجل. عملا بآي القرآن واقتداء بالبشير النذير عليه أزكى الصلاة والتسليم.
لهذا الغرض جمعت هذه الأربعين المبشرة. وهي مبشرة المسلمين أفرادا بما أعده الله لهم من جزاء لمن آمن منهم وعمل صالحا. ومبشرة الأمة بما وعدها ربها به من النصر والتمكين وإظهار الدين.
باب: الأمر بالتبشير وأنه سنة نبوية.
الحديث الأول: بشرا ولا تنفرا.
عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا وأبا موسى إلى اليمن، قال: ” يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا “[1].
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية »[2]. الإيمان يمان والحكمة كذلك منذ أن بعث نبي الله سليمان إلى أهلها:أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [النمل: 31] . فكان تصرف ملكتها يومها في غاية الحكمة. استشارت واختبرت وأقبلت وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين. والإيمان يمان والحكمة يمانية منذ أرسل باذان والي كسرى على اليمن من يأتيه برسول الله صلى الله عليه وسلم تنفيذا لأمر كسرى فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” اذهبوا إلى صاحبكم فقولوا: إن ربي قد قتل ربك الليلة”[3]. فما كان منه إلا أن يسلم مع قومه. أسلم باذان وأسلم كثير من أهل اليمن فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألوه أن يرسل لهم من يعلمهم الدين. فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما .
في هذا الحديث يوصي رسول الله صلى الله عليه وسلم رسوليه إلى اليمن بثلاث وصايا مهمة تعينهما في مهمتهما:
- “يسرا ولا تعسرا”: اليسر إرادة الله تعالى بعباده المؤمنين. شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ [البقرة: 185]. وجزاؤه لهم إذ صدقوا واتقوا. فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى [الليل: 5-7]. والعسر عقاب للأشقياء المكذبين. وأما من بخل واستغنى ( 8 ) وكذب بالحسنى ( 9 ) فسنيسره للعسرى [الليل: 8 – 10 ].
لذلك كان لا بد لمعلم الناس الخير أن يراعي هذا المبدأ العظيم مبدأ اليسر وتجنب العسر.
- ” بشرا ولا تنفرا “: التبشير إخبار بما يفرح، وتحبيب لأمر الدين للنفوس الشاردة عساها تعود، فتنجو. والتنفير زيادة لها في شرودها. التبشير حكمة يؤتيها الله من يشاء، ورحمة تأخذ بيد الضال لتدله على الطريق فيسلم. والتنفير غلظة في القلب وفظاظة في القول وهوى نفس.
- ” تطاوعا ولا تختلفا ” من فقه البخاري رحمه الله أنه أورد هذا الحديث في كتاب الجهاد، للدلالة على أن تعليم الناس الدين والدعوة إلى الله جهاد وأي جهاد. هذا الجهاد يقتضي من أهله أن يتطاوعوا ويلينوا في أيدي بعضهم وأن يتركوا الاختلاف والنزاع. فهو مفض إلى الفشل.
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال: 46]
الحديث الثاني: سددوا وقاربوا وأبشروا
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيءٍ من الدلجة “[4].
وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ[الحج: 78]
بالجهاد يرتفع عن الأمة الحرج والمشقة. والدعوة جهاد كما هو تعليم الناس الدين جهاد. فإن تكاليف الدين هي اليسر عينه، وخلافها الحرج والعنت. وإن الله أعلم بما يصلح عباده وأرحم بهم من أنفسهم. فإن هم أخذوا بما افترض عليهم وسددوا وقاربوا كانت لهم البشرى. وإن هم شددوا أو قصروا وقعوا في العسر.
السداد هو تحري الصواب في القول والفعل.وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا [النساء: 9]
قال ابن حجر: ” فسددوا أي الزموا السداد وهو الصواب من غير إفراطٍ ولا تفريطٍ قال أهل اللغة السداد التوسط في العمل”.[5]
هذا السداد وتلك المقاربة، تحتاج وسائل مساعدة. لخصها صلى الله عليه وسلم في قوله: ” واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيءٍ من الدلجة “.
الغدوة هي السير أول النهار، والروحة السير آخره، والدلجة السير ليلا. هذه استعارات للدلالة على أن عمل المؤمن هو سير وسفر. وإن مما يعين المسافر أن يغذو باكرا ويروح ويدبج فتلك أوقات يسهل فيها السير. كذلك المؤمن مما يعينه في عمله أن يغتنم ثلاثة أوقات مباركات في يومه وليلته: وقت في الليل للقيام والتضرع بين يدي ربه. ووقت بين الفجر والشروق للذكر والتسبيح والتلاوة. ووقت مثله قبل الغروب. تلك هي الغدوة والروحة والدلجة. “يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ﴿1﴾ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿2﴾ نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ﴿3﴾ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ﴿4﴾ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا” [المزمل: 1- 4]
وقال سبحانه:“يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42) هُو الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا” [الأحزاب: 41-42]
إن ذكر الله في هذه الأوقات مما يعين المؤمن على باقي أعمال يومه. بها يمدده ربه بالتأييد والتوفيق. فإن هو حرمها حرم التوفيق ووكل إلى قوته فخذل.
الحديث الثالث: إن هذا قد رد البشرى، فاقبلا أنتما!
عن أبي موسى قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة ومعه بلال، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل أعرابي فقال: ألا تنجز لي يا محمد ما وعدتني؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبشر! فقال له الأعرابي: أكثرت علي من أبشر! فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي موسى وبلال كهيئة الغضبان فقال: إن هذا قد رد البشرى، فاقبلا أنتما! فقالا: قبلنا يا رسول الله! ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه فيه ومج فيه، ثم قال: اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحوركما، وأبشرا! فأخذا القدح ففعلا ما أمرهما به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنادتهما أم سلمة من وراء الستر: أفضلا لأمكما مما في إنائكما! فأفضلا لها منه طائفة [6].
كان صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يقول أبشر. وكان الأعراب أهل غلظة وجفوة. وكان صلى الله عليه وسلم يتعهدهم بالتربية الحكيمة المتدرجة ويصبر عليهم. ويستثمر جفوتهم في تزكية أصحابه رضوان الله عليهم. كما في هذا الحديث: ” إن هذا قد رد البشرى، فاقبلا أنتما!” تقريعا للأعرابي وتقديما له القدوة الحسنة متمثلة في أبي موسى وبلال رضي الله عنهما في الحديث درس آخر بليغ لا تستسيغه القلوب المنكرة للغيب التي أشربت حب المادة وما ذاقت الحب النبوي. ألا وهو التبرك بآثاره صلى الله عليه وسلم. وقد كان هذا شائعا بين الصحابة رضي الله عنهم وبين سلف الأمة . والشواهد على هذا كثيرة صحيحة.
“يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ” [الحجرات: 1]
الهوامش:
[1] – صحيح البخاري – كتاب الجهاد والسير – باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب. 3038
[2] – صحيح ابن حبان ( 7299)
[3] – أخرجه أبو نعيم عن دحية بن خليفة الكلبي
[4] – صحيح البخاري – كتاب الإيمان – 39
[5] – فتح الباري لابن حجر – ابن حجر العسقلاني ) ت 852) – ج 1 – ص 94
[6] – رواه البخاري (4328)، ومسلم (2497).