منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

باب: بشارات خاصة بأهل الطاعات (2) الأربعون حديثا المبشرة

يعقوب زروق

0

باب: بشارات خاصة بأهل الطاعات (2) الأربعون حديثا المبشرة

يعقوب زروق

 باب: الأمر بالتبشير وأنه سنة نبوية (1) الأربعون حديثا المبشرة

 

الحديث الرابع: بشارة لأهل لا إله إلا الله

 عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: بينما أنا أسير مع رسول الله ﷺ إذ هبطت به راحلته من ثنية، ورسول الله ﷺ يسير وحده، فلما أسهلت به الطريق، ضحك وكبر، فكبرنا لتكبيره، ثم سار رتوة، ثم ضحك وكبر، فكبرنا لتكبيره، ثم أدركناه فقال القوم: يا رسول الله، كبرنا لتكبيرك، ولا ندري مم ضحكت! فقال ﷺ: «قاد الناقة لي جبريل، فلما أسهلت التفت إلي فقال: أبشر وبشر أمتك أنه من قال: لا اله إلا الله وحده لا شريك له دخل الجنة، فضحكت وكبرت ربي، ثم سار رتوة، ثم التفت إلي فقال: أبشر وبشر أمتك أنه من قال لا اله إلا الله وحده لا شريك له دخل الجنة، وقد حرم الله عليه النار، فضحكت وكبرت ربي، ففرحت بذلك لأمتي».[1]  

و عن عثمان بن عفان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة ».[2]

فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ [محمد: 19]

في الحديث الأول قول لا إله إلا الله. هو إقرار باللسان لما في القلب من العلم بها كما في الحديث الثاني والآية. فهو قول وعلم يثمر عملا. بالقول يدخل الناس الجنة وبالعمل يتفاوتون في درجاتها. وكل ذلك برحمة الله سبحانه.

نأخذ من الآية والحديث فعل: ” يعلم – اعلم ” لنفقه أن لا إله إلا الله علم من أشرف العلوم. هو العلم بالله عز وجل. والإقرار له بالألوهية وإفراده بالعبودية. بهذا العلم الشريف تنضبط أفعال المؤمن فلا يفعل إلا خيرا. يراقب الله الواحد الأحد في حركاته وسكناته وفي خطرات نفسه. فلا جرم أن يبشر بالجنة إن هو مات على هذا العهد.

وحيث أن العلم يتعلم، والناس متفاوتون فيه، فإن كلمة التوحيد هي أيضا تتعلم. يتعلمها المسلم تكرارا باللسان، ولو مع غفلة القلب عنها وجهل العقل بمعناها. ولكن المداومة على التعلم شيئا فشيئا تكسب المرء إتقانا لما يتعلم. ولذلك ورد الحث على الإكثار من قولها باللسان تدريبا وتعليما. عن أبي هريرة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” جددوا إيمانكم “. قيل: يا رسول الله، وكيف نجدد إيماننا؟ قال: ” أكثروا من قول: لا إله إلا الله “[3].

شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ  [آل عمران: 18]

الحديث الخامس: من رضي بالله ربا

عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا أبا سعيدٍ، من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمدٍ نبيا، وجبت له الجنة». فعجب لها أبو سعيدٍ، فقال: أعدها علي يا رسول الله. ففعل ثم قال: ” وأخرى يرفع بها العبد مائة درجةٍ في الجنة؛ ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض “. قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: ” الجهاد في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله “[4].

بشارة عظيمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن رضي بالله ربا وبالإسلام دينا و بمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا .

يرضى المؤمن بالله ربا أي سيدا. فإن الرب هو السيد القائم على شؤون الخلق برعايتها وإصلاحها. المؤمن يعلم أن ربه لا يفعل به إلا الخير. فيطمئن قلبه ويرضى بقضائه. ويدخل في سلك السابقين المؤمنين. وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ  [التوبة: 100]

ويرضى المؤمن بالإسلام دينا، ارتضاه الرب سبحانه لنا.

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [المائدة: 3].

فأحكامه وتكاليفه ليست إلا خيرا في الدنيا والآخرة.

 ويرضى بمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا. اصطفاه الله سبحانه على خلقه ورضي عنه وأرضاه.

وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ [الضحى: 5]

يرضى به المؤمن لرضى الله. ويسارع لإرضائه. إذ أعمالنا معروضة عليه. فيقبل به قدوة ويعض على سنته، فيقدمها على اختياره، وعلى هوى نفسه. حتى يكون صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه والناس أجمعين .

من تحقق بهذا الرضى دخل الجنة. وبشارة أخرى أعظم لمن جاهد في سبيل الله. والجهاد كل جهد يبذله المؤمن لإعلاء كلمة الله. يبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم برفع الدرجات في الجنة. “وأخرى يرفع بها العبد مائة درجةٍ في الجنة؛ ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض”

“إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ ٧ جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۖ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُۥ” [البينة: 7-8]

 الحديث السادس: أنت مع من أحببت

 عن أنسٍ رضي الله عنه، أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة، فقال: متى الساعة؟ قال: ” وماذا أعددت لها؟ ” قال: لا شيء، إلا أني أحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. فقال: ” أنت مع من أحببت “. قال أنس: فما فرحنا بشيءٍ فرحنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” أنت مع من أحببت “. قال أنس: فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم، وأبا بكرٍ، وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل بمثل أعمالهم[5].

                                   

المعلم والمربي العظيم صلى الله عليه وسلم يغير الموضوع من سؤال عن الساعة التي لا يعلمها إلا الله، إلى التذكير بالعمل والإعداد لها. فإن علما لا يثمر عملا لا معنى ولا قيمة له. فلذلك واجهه بالسؤال “وماذا أعددت لها؟” فيأتي الجواب من السائل في غاية التواضع والوضوح “لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله” فيبشره صلى الله عليه وسلم بالبشارة العظمى ” أنت مع من أحببت”

حب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم هو العمل النافع _عمل قلبي_ وإن القلب هو محل نظر الله عز وجل. فمن كان مستعدا للساعة وللآخرة فليستعد بحب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم وحب المؤمنين .

قال أنس: فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم، وأبا بكرٍ، وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل بمثل أعمالهم.

وإن للحب وسائل بها يتحقق وثمرات يثمرها في العبادة والسلوك والعمل.

“قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ”[آل عمران: 31]

الحديث السابع: فبعث النبي ﷺ فبشره.

عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل من الأنصار إلى النبي ﷺ وهو محزون، فقال له النبي ﷺ: “يا فلان، ما لي أراك محزونا؟ ” قال: يا نبي الله شيء فكرت فيه؟ قال: “ما هو؟ ” قال: نحن نغدو عليك ونروح، ننظر إلى وجهك ونجالسك، وغدا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك. فلم يرد النبي ﷺ عليه شيئا، فأتاه جبريل بهذه الآية: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين [والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا]﴾ فبعث النبي ﷺ فبشره[6]

ورواه الطبراني عن عائشة مرفوعا بلفظ فقال: يا رسول الله إنك لأحب إلي من نفسي وأهلي ومالي وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فانظر إليك وإذا ذكرت موتك عرفت أنك ترفع مع النبيين وإني إن دخلت الجنة خشيت أني لا أراك، فلم يرد عليه النبي -ﷺ- حتى نزل عليه جبريل عليه السلام بهذه الآية.[7]

     حب رسول الله صلى الله عليه وسلم من حب الله ولا يتحقق الإيمان إلا بحبه صلى الله عليه وسلم.

 قال صلى الله عليه وسلم: “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين[8]

هذا الحب لا يبقى عملا قلبيا فقط وإنما يترجم طاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولذلك نزلت الآية تؤكد هذا المعنى. فالصحابي أفصح عن حبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم والآية نزلت تبشره وتذكر أن أطاع الله والرسول سيرفع يوم القيامة مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين.

إن الحب الصادق لرسول الله صلى الله عليه وسلم يثمر طاعة له واتباعا لسنته الكاملة في صغار أمورها وكبارها. هذا حري به أن يبشر بالدرجات العليا يوم القيامة.

وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا [النساء: 69]

الحديث الثامن: من صلى عليك صليت عليه

 عن عبد الرحمن بن عوفٍ رضي الله عنه قال: خرج رسول الله ﷺ، فاتبعته حتى دخل نخلا فسجد، فأطال السجود حتى خفت أو خشيت أن يكون الله قد توفاه أو قبضه قال: فجئت أنظر فرفع رأسه، فقال: «ما لك يا عبد الرحمن؟» قال: فذكرت ذلك له، قال: فقال: «إن جبريل عليه السلام قال لي: ألا أبشرك إن الله عز وجل يقول لك: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه». زاد في روايةٍ: فسجدت لله شكرا»[9].

بشارة لمن صلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

جبريل عليه السلام يبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببشارة الله “من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه

فيسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم شكرا لله ويطيل السجود حتى يظن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن الله قد توفاه. رسول الله صلى الله عليه وسلم مستبشر بما من الله به على أمته فإنه كان صلى الله عليه وسلم لحبه لأمته ورحمته بها يفرح بما خصها الله به من أعمال تقربها من الله. صلاة منا عليه تكسبنا صلاة من الله علينا وسلام منا عليه يعطينا سلاما من الله علينا وأين صلاتنا وسلامنا من صلاة الله وسلامه. إنه فضل عظيم من الله لهذه الأمة. إن دل على شيء فإنما يدل على مكانة هذا النبي عند الله وعلى محبة الله له.

 إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا  [الأحزاب: 56]

اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه صلاة وتسليما دائمين بدوام ملكك.

 الحديث التاسع: أبشر بما لم يؤته من كان قبلك

عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: بينما جبريل قاعد عند النبي ﷺ، سمع نقيضا من فوقه، فرفع رأسه، فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم، وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرفٍ منهما إلا أعطيته.[10]

 خص نبينا صلى الله عليه وسلم وخصت معه أمته بالقرآن الكريم .

وفي القرآن سور وآيات فاضلة خصت بمزيد كرامة وفضل. منها فاتحة الكتاب وخواتيم البقرة كما في الحديث. وثمة سور أخرى وردت في فضائلها أحاديث كثيرة.

منها هذا الحديث:

عن أبي أمامة الباهلي  قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” اقرءوا القرآن ؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، اقرءوا الزهراوين : البقرة وسورة آل عمران ؛ فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما  غيايتان ، أو كأنهما  فرقان  من طيرٍ  صواف ، تحاجان عن أصحابهما. اقرءوا سورة البقرة ؛ فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة “.  السحرة[11]

يبعث الله العباد يوم القيامة للحساب والجزاء ويبعث معهم أعمالهم صورا حية ناطقة. فتأتي أعمال العبد الصالحة في هيآت حسنة منها ما يشفع له ومنها ما يظله ومنها ما يدفع عنه العذاب وقد ورد في هذا أحاديث كثيرة منها هذا الحديث حيث يأتي القرآن شفيعا لأصحابه وتأتي البقرة وآل عمران كالغمامتان تحاجان عن أصحابهما.

نقف مع كلمة الصحبة المتكررة في الحديث لنفهم أن للمؤمن صحبة مع القرآن. والصحبة تقتضي الملازمة وتقتضي أن تكرم المصحوب وتبث له شكواك وتستشيره وتستنصحه وكذلك صحبة القرآن تكون. من كانت له صحبة مع القرآن يبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم بهاته البشارة العظيمة وهي أن يشفع له القرآن ويرقيه في الدرجات العليا كما ورد في أحاديث أخرى.

وبشارة أخرى لأصحاب البقرة وآل عمران تأتيان تحاجان عن أصحابهما .

وبشارة ثالثة لأصحابة البقرة بالبركة في الرزق والصحة وكل شيء وبالحفظ من الشر والسحر.

 وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ[الحجر: 87]

الحديث العاشر: أبشروا …فإن هذا القرآن سبب

عن أبي شريح العدوي خويلد بن عمرو قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أبشروا وأبشروا أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قالوا: نعم، قال: ( فإن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدا)[12]

السبب هو الحبل كما في قوله مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ ﴾ [الحج: 15]

القرآن حبل الله.

تكرر تشبيه القرآن في القرآن والسنة بالحبل المتين وتكرر الحث على التمسك به.

وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( [آل عمران: 103]

فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الزخرف: 43]

عن علي مرفوعا في صفة القرآن: “هو حبل الله المتين، وصراطه المستقيم”.

تمثيل القرآن الكريم بأنه حبل الله والدعوة إلى التمسك به فيه دلالة قوية على أن الإنسان لا نجاة له إلا بالتمسك به. فهو معرض للسقوط من أعلى إلى أسفل سافلين ما لم يستمسك بالحبل المتين.

هو ساقط لا محالة في دركات الهوى ومهاوي الانحراف. ساقط من أعلى مقامات التكريم الإلهي إذ نفخ فيه ربه من روحه وأسجد له ملائكته، إلى دركات الدوابية البهيمية. لن ينتشله من ذلك إلا أن يستمسك بحبل الله كتاب الله. فتكون له البشرى .

وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ  [الشورى: 52]

الحديث الحادي عشر: ألا أبشروا، لمن ينتظر الصلاة بعد الصلاة.

عن عبد الله بن عمرٍو  : صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة المغرب، أو غيرها، قال : فجلس قوم – أنا فيهم – ينتظرون الصلاة الأخرى، قال : فأقبل إلينا يسرع المشي، كأني أنظر إلى رفعه إزاره، ليكون أحث له في المشي، فانتهى إلينا، فقال : ألا أبشروا، هاذاك ربكم أمر بباب السماء الوسطى – أو قال : بباب السماء – ففتح، ففاخر بكم الملائكة، قال : انظروا إلى عبادي أدوا حقا من حقي، ثم هم ينتظرون أداء حقٍ آخر يؤدونه[13] 

تأمل هاته الصورة الرائعة، رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من أرسله ربه مبشرا، يأتي جماعة ممن صلوا المغرب معه وينتظرون العشاء، يأتيهم مسرعا رفع إزاره ليحث السير، متعجلا كي يبشرهم ببشارة الله: “ألا أبشروا، هاذاك ربكم” تأمل كلمة “ربكم” فالرب هو القائم على شؤون الخلق بالرعاية والإصلاح. وإضافة كلمة الرب لهم تشريف لهم. الرب سبحانه في عليائه يفاخر بهم الملائكة، يباهي بهم ملائكته. إنه تكريم عظيم من الرب الكريم. يستحق هاته البشارة العظيمة كل من أدى حق الله وعينه على حق آخر، ينتظر أن يؤديه. هذا الحق قد يكون الصلاة كما في الحديث وقد يكون حقا آخر. يستحقها كل من كانت حياته لله. ما من عمل يؤديه ولا عمل ينتظر أداءه إلا ونيته أن يؤديه عبادة لله. امتثالا لأمر الله. ﭧ ﭨ

قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ  [الأنعام: 162]

الحديث الثاني عشر: بشر المشائين في الظلم.

 عن بريدة الأسلمي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة “.  هذا حديث غريب.[14] 

يأتي المؤمنون يوم القيامة في النور تبشرهم الملائكة ويأتي المنافقون لا نور لهم. “يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿12﴾ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ” [الحديد: 12-13]

النور يوم القيامة بحسب ما عمل العبد في الدنيا من أعمال. ولذلك أتى الجواب للمنافقين:

 ” ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا “ ارجعوا إلى الدنيا فإنما النور يلتمس هناك بالعمل الصالح. ومن أفضل العمل المحافظة على الصلاة، سيما صلاة العشاء وصلاة الفجر. المحافظة عليها في المسجد جماعة. فلذلك كانت لهم البشرى: “بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام” هاتان الصلاتان يتكاسل عنهما المنافقون.

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أثقل صلاةٍ على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة، فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجالٍ معهم حزم من حطبٍ إلى قومٍ لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار.[15]

فلا جرم أن يبعثوا يوم القيامة في الظلمات. لا نور لهم.

أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء: 78]

الحديث الثالث عشر: أبشروا، لمن يعبد الله وقت الغفلة.

عن  أبي موسى  قال : كنت أنا وأصحابي الذين قدموا معي في السفينة نزولا في بقيع بطحان والنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فكان يتناوب النبي صلى الله عليه وسلم عند صلاة العشاء كل ليلةٍ نفر منهم، فوافقنا النبي عليه السلام أنا وأصحابي، وله بعض الشغل في بعض أمره، فأعتم بالصلاة حتى  ابهار  الليل، ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بهم، فلما قضى صلاته قال لمن حضره : ” على رسلكم، أبشروا، إن من نعمة الله عليكم أنه ليس أحد من الناس يصلي هذه الساعة غيركم “. قال أبو موسى: فرجعنا ففرحنا بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. صحيح البخاري[16].

بشارة لمن ذكر الله وعبده وقت غفلة الناس.

منطوق الحديث أنه بشارة للجماعة الذين صلوا العشاء معه صلى الله عليه وسلم في وقت متأخر. ومفهومه انه بشارة لكل من عمل عملا صالحا وقت غفلة الناس ولهو الناس ولعب الناس.

فإن العمل ترتفع قيمته في وقت الغفلة لأن الحافز عليه ضعيف والدافع إلى تركه أقوى وهو أن الناس كلهم لا يفعله. فتحدث النفس صاحبها أن لا حرج عليه هو أيضا أن يتركه.

 فالعمل الصالح وسط الغافلين أشق على النفس منه وسط العاملين. فالمؤمنون يعين بعضهم بعضا على الطاعة.

ولذلك لما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كثرة صيامه في شعبان قال

 قال :” شعبان بين رجب وشهر رمضان؛ تغفل الناس عنه”[17]

وفي حديث أبي ذر المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم: ” ثلاثة يحبهم الله عز وجل: رجل أتى قوما، فسألهم بالله ولم يسألهم بقرابةٍ بينه وبينهم فمنعوه فتخلفهم رجل بأعقابهم فأعطاه سرا لا يعلم بعطيته إلا الله عز وجل والذي أعطاه وقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به نزلوا فوضعوا رؤوسهم فقام يتملقني ويتلو آياتي ورجل كان في سريةٍ فلقوا العدو فانهزموا فأقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح له”[18]

أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر: 9]

 الحديث الرابع عشر: بشارة لأهل العلم

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال ﷺ أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد أما أهل العلم فدلوا الناس على ما جاءت به الرسل وأما أهل الجهاد فجاهدوا بأسيافهم.[19]

رفع الله قدر العلم وأهله وأثنى عليهم في كتابه لأنهم هم من يدلون الناس على الله ويعبدونهم له ويحببونه لهم

شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ  [آل عمران: 18]

هم أهل خشية لله وذكر له وقنوت بين يديه

فهم ورثة الأنبياء وأمناء الرسل

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” العلماء أمناء الرسل على العباد، ما لم يخالطوا السلطان”[20]

فلا جرم أن تكون منزلتهم أقرب لدرجة النبوة. ومعهم في المنزلة أهل الجهاد. وجمع الخير كله من كان عالما مجاهدا. وفي أمتنا نماذج عالية لهؤلاء رحمهم الله ورضي عنهم.

 وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر: 28]

 الحديث الخامس عشر: أبشروا، لمن أدى الفرائض واجتنب الكبائر.

 عن عبد الله بن عمرٍو، صعد رسول الله ﷺ المنبر فقال لا أقسم لا أقسم ثم نزل فقال أبشروا أبشروا من صلى الصلوات الخمس واجتنب الكبائر دخل من أي أبواب الجنة شاء قال المطلب سمعت رجلا يسأل عبد الله بن عمرٍو أسمعت رسول الله ﷺ يذكرهن قال نعم عقوق الوالدين والشرك بالله وقتل النفس وقذف المحصنات وأكل مال اليتيم والفرار من الزحف وأكل الربا.[21]

 أمر الله بأوامر ونهى عن نواه، ومن حكمته ورحمته أنه لم يجعلها على درجة واحدة من الإلزام فعلا أو تركا. وأولوا العزم من المؤمنين يؤدون الفرائض ويحرصون على النوافل. ويجتنبون الكبائر ويتورعون عن الصغائر. أداء الفرائض وأولها الصلاة كما في الحديث واجتناب الكبائر يبشر صاحبها بدخول الجنة من أي أبوابها شاء. بيد أن الترقي في درجاتها يحتاج مسابقة في الخير أداء للفرائض ومداومة على النوافل وتجنبا للمعاصي كبيرها وصغيرها. وحيث يكاد يستحيل ترك الصغائر فإن التوبة كفيلة بمحوها.

 الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ۚ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ[النجم: 32]

والكبائر معلومة مبينة في أحاديث كثيرة منها ما يتعلق بحق الله ومنها ما يتعلق بحقوق العباد. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات”.[22]

الكبائر تمحوها التوبة بما هي ندم وإقلاع ورد للمظالم واستغفار.

 وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  [النور: 31]

الحديث السادس عشر: وإذا أحسنوا استبشروا

 عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خير أمتي الذين إذا أساؤوا استغفروا وإذا أحسنوا استبشروا وإذا سافروا قصروا وأفطروا.[23]

ثلاثة أعمال في هذا الحديث: الاستغفار من الإساءة والاستبشار بالحسنة والأخذ بالرخصة أعمال ثلاثة تجعل العبد ينال فضيلة الخيرية.

الاستغفار إقرار بالذنب وندم عليه وإقرار بأن الله يغفره وفرار إليه فلذلك أحب الله التوابين. وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: 222]

الاستبشار بالحسنة فرح بفضل الله أن وفقك لها ودلك عليها. وليس فرح عجب واستكبار وغرور.يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [النور: 21]

والأخذ بالرخص اقتداء بالسنة النبوية وقبول لصدقة الله على عباده. عن يعلى بن أمية، قال: قلت لعمر بن الخطاب:وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا [النساء: 101] فقد أمن الناس! فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته.[24]

“إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ”  [الذاريات: 15-18]

 الحديث السابع عشر: بشرى للمؤمن عند الموت

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة، كنت في الجسد الطيب، أبشري بروحٍ وريحانٍ، وربٍ غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح، فيقال: من؟ فيقال: فلان، فيقال: مرحبا بالنفس الطيبة، فلا يزال يقال لها ذلك، حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله تعالى.[25]

المؤمن يبشر عند الموت بمقامه عند الله. إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت: 30]

قال أهل التفسير إن المؤمن يبشر عند الموت وقالوا إنه يبشر في القير وعند البعث. ورأينا أنه يبشر في حياته كذالك ما استقام على طاعة الله .

وثمة حديث طويل عظيم في هذا الباب أكثر تفصيلا لحالة الناس عند الموت وبعدها:

إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاعٍ من الدنيا، وإقبالٍ من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرةٍ من الله ورضوانٍ، فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها، لم يدعوها في يده طرفة عينٍ، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، فيخرج منها كأطيب نفخة مسكٍ، وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملكٍ من الملائكة، إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلانٍ بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا – حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح له، فيشيعه من كل سماءٍ مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي إلى السماء السابعة، فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوا عبدي إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى. فتعاد روحه، فيأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان له وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادي منادٍ من السماء أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة، وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاعٍ من الدنيا، وإقبالٍ من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: يا أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخطٍ من الله وغضبٍ، فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عينٍ حتى يجعلوها في تلك المسوح، يخرج منها كأنتن ريح جيفةٍ، وجدت على ظهر الأرض فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملكٍ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلانٍ بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهي بها إلى سماء الدنيا فيستفتح له، فلا يفتح له، ثم قرأ لا تفتح لهم أبواب السماء قال: فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سجينٍ في الأرض السفلى، قال: فتطرح روحه طرحا، قال: فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاها لا أدري، فيقولان له: وما دينك؟، فيقول: هاها لا أدري فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادي منادٍ من السماء: أن كذب عبدي، فأفرشوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، قال: فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره، حتى تختلف عليه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، وقبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوءك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث فيقول: رب لا تقم الساعة.[26]

 الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ  [النحل: 32]

 الحديث الثامن عشر: بشرى لمن أحب لقاء الله.

عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه. قالت عائشة أو بعض أزواجه: إنا لنكره الموت، قال: ليس ذاك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه؛ فأحب لقاء الله، وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه؛ كره لقاء الله، وكره الله لقاءه[27].

هذا الحديث كالحديث السابق يخبر ببشارة الله للمؤمن عند الاحتضار برضوان الله وكرامته. مما يفرحه ويجعله يحب ما أمامه من لقاء الله. وحيث أن الحسنة بمثلها وخير منها فإن الله يحب لقاءه. ومعلوم أن الله عند حسن ظن عبده به سيما في هذه اللحظة حيث تنقطع الأسباب فلا يبقى إلا حسن الظن بالله خالصا. به يتقرب المؤمن إلى ربه حيث عجزت جوارحه. تقرب قلبي وأنعم بها من زلفى. إذ القلوب هي محل نظر الله عز وجل. عن النبي ﷺ يرويه عن ربه، قال: إذا تقرب العبد إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإذا تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا، وإذا أتاني مشيا أتيته هرولة.[28]

“إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿١٣﴾ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ”[الأحقاف: 13-14]


الهوامش:

[1]  – الهيثمي في المجمع – كتاب الإيمان، باب فيمن شهد أن لا اله إلا الله – (ج1/ص32)

[2]  – صحيح مسلم – كتاب الإيمان – باب من مات على التوحيد دخل الجنة – الحديث: 26

[3]  –  مسند أحمد  -مُسْنَدُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. الحديث: 8710

[4]  –  صحيح مسلم – كتاب: الإمارة – باب: بيان ما أعده الله تعالى للمجاهد1884

[5]  – صحيح البخاري – كتاب: فضائل أصحاب النبي. 3688

[6]  – رواه ابن جرير الطبري من حديث سعيد بن جبير مرسلا.

[7]  – القسطلاني – إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري 7/‏87

[8]  – صحيح مسلم (44)

[9]  – أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب الدعاء، والتكبير، والتهليل، والتسبيح والذكر، رقم: 2019

[10]  – صحيح مسلم (806)

[11]  – صحيح مسلم (804)

[12]  – أخرجه ابن أبي شيبة في (المصنف) (10/481)، وابن حبان (1/329)

[13]  – تخريج المسند لأحمد شاكر، (11/82) وأخرجه الدارمي في (الرد على الجهمية) (38) بلفظه، وابن ماجه (801) بنحوه.

[14]  – سنن الترمذي – سنن أبي داود: (561)

[15]  – صحيح البخاري (657) – صحيح مسلم (651)

[16]  – صحيح البخاري (567)

[17]  – أخرجه النسائي (2357)

[18]  – أخرجه الترمذي (2568)، والنسائي (1615) واللفظ له

[19]  – السخاوي، المقاصد الحسنة (340)

[20]  – أخرجه السمرقندي في تنبيه الغافلين (675 )، والديلمي في الفردوس (4210 )

[21]  – أخرجه المنذري، في الترغيب والترهيب (2/267) والطبراني في المعجم الكبير (13/‏8)

[22]  – صحيح البخاري (2766)

[23]  – أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (6/334)

[24]  – صحيح مسلم (686)

[25]  –  أخرجه ابن ماجه (4262)، وأحمد (8769)

[26]  – أخرجه أحمد (18534)، وابن أبي شيبة (12185)

[27]  –  صحيح البخاري (6507)

[28]  – صحيح البخاري (7536)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.