منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا

0
اشترك في النشرة البريدية

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير قوله تعالى: “ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا

—-

قوله تعالى” وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا” جاء في سورتين، فقد ورد في سورة إبراهيم: ” وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ“(الآية 36)، كما ورد في سورة النحل: ” وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ“(الآية18).

المزيد من المشاركات
1 من 29

وفي كل من الآيتين، ذكرت بعد ذكر نعم الله على الإنسان، تلك النعم التي لا يقدر الإنسان حتى على عدها، لأنها لا متناهية، منها ما هو معلوم ومنها ما هو غير معلوم فكيف يتأتى له الإحاطة بها أو ذكرها عند إرادة تعدادها.

قال القشيري رحمه الله: “كيف يكون شكركم كفاء نعمه؛ وشكركم نزر يسير وإنعامه وافر غزير؟ وكيف تكون قطرة الشكر بجوار بحار الإنعام؟

إن نعمه، علومكم عن تفصيلها قاصرة وفهومكم عن تحصيلها متأخرة. وإذا كان ما يدفع عن العبد من وجوه المحن وفنون البلايا من مقدوراته لا نهاية له، فكيف يأتي الحصر والإحصاء على ما لا يتناهى؟

“ويقال إن التوفيق للشكر من جملة ما ينعم به الحق سبحانه على العبد، فإذا أراد أن يشكره لم يمكنه إلا بتوفيق آخر فلا يبقى من النعم إلا ما يشكر عليه.”[1]

وأثر عن الشافعي أنه قال: “الحمد لله الذي لا يؤدي شكر نعمه من نعمه إلا بنعمة حادثة توجب على مؤديها شكره بها”[2].

وقال ابن عاشور في تفسيره:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 5

“فمعنى “إن تعدوا”، إن تحاولوا العد وتأخذوا فيه. وذلك مثل النعم المعتاد بها التي ينسى الناس أنها من النعم، كنعمة التنفس، ونعمة الحواس، ونعمة هضم الطعام والشراب، ونعمة الدورة الدموية، ونعمة الصحة. والإحصاء: ضبط العدد، وهو مشتق من الحصا اسما للعدد، وهو منقول من الحصى، وهو صغار الحجارة لأنهم كانوا يعدون الأعداد الكثيرة بالحصى تجنبا للخطأ”.[3]

في سورة النحل يقول عز من قائل: “وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها” عطف على جملة “أفمن يخلق كمن لا يخلق…” وهي كالتكملة لها لأنها نتيجة لما تضمنته تلك الأذلة من الامتنان كما تقدم…. وهذا كلام جامع للتنبيه على وفرة نعم الله تعالى على الناس بحيث لا يستطيع عدها العادون، وإذا كانت كذلك فقد حصل التنبيه إلى كثرتها بمعرفة أصولها وما يحويها من العوالم، وفي هذا إيماء إلى الاستكثار من الشكر على مجمل النعم، وتعريض بفظاعة كفر من كفروا بهذا المنعم، وتغليظ التهديد لهم.”[4]

ويعلق على اختلاف ختام الآيتين بقوله: “وقد خولف بين ختام هذه الآية وختام آية سورة إبراهيم، إذ وقع هناك ” وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ“،لأن تلك جاءت في سياق وعيد وتهديد عقب قوله تعالى: “ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا[5]،

فكان المناسب لها تسجيل ظلمهم وكفرهم بنعمة الله. وأما في سورة النحل جاءت خطابا للفريقين كما كانت النعم منتفِعا بها كلاهما. ثم كان من اللطائف أن قوبل الوصفان اللذان في آية سورة إبراهيم “لظلوم كفار” بوصفين هنا، “لغفور رحيم”، إشارة إلى أن تلك النعم كانت سببا لظلم الإنسان وكفره وهي سبب لغفران الله ورحمته. والأمر في ذلك منوط بعمل الإنسان.”[6]، فالله سبحانه غفور فيستر عليكم تقصيركم في القيام بشكرها، رحيم بكم فيفيض عليكم حيث يتجاوز عنكم إذا عجزتم عن شكره ويرضى بمعرفتكم له عن شكره”[7].

هذه نعم الله على الإنسان الذي يعجز عن إحصائها وعَدِّها، فكيف السبيل إلى شكره سبحانه وتعالى وهو الذي يحثنا على الشكر ويعدنا بزيادة النعم إن نحن شكرناه بقوله عز من قائل: “ولئن شكرتم لأزيدنكم[8].

ويقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم لما أشفقت عليه السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها حين تورمت قدماه بطول قيام الليل: “أفلا أكون عبدا شكورا[9].

ويقول الله تعالى: “وقليل من عبادي الشكور[10]فالشكر من أعظم منازل العبادة ولا يوفق إليه إلا المؤمن الحق “الذي آمن بالله ورسله وعمل في رحلة الدنيا الوجيزة صالحا طمعا في النعمة العظمى التي وعده الله الكريم المنان إياها، نعمة الخلود في دار المقامة في رضى الله والنظر إلى وجهه الكريم.”[11]

“تلك النعمة التي يتبارى لاكتسابها واستحقاقها أولياء الله المؤمنون المحسنون فيبذل ذات اليد شكرا لله، وتلك المرتبة العليا، أول تجارة مع الله الذي يجزي الحسنة عشر أمثالها، وهذا يقبله الله حلما وكرما ومنا. ويضاعف سبحانه لمن يشاء. أيُّ كرم أجل من كرمه تبارك اسمه، النعم منه إليه، خلقك وأعطاك ورزقك ثم استقرضك واشترى منك! ماذا عندك من كِفاءٍ لفضله إلا أن تصرف العمر شكرا! ومتى تقضي شكر نعمة الخلق ونعمة الهداية، ونعمة الإسلام، ونعمة الإيمان، ونعمة الإحسان، وسائر النعم التفصيلية.”[12]

نسأل الله الكريم أن يوفقنا لطاعته والاجتهاد في عبادته حتى نقضي ولو القليل من شكر نعمه ما علمنا منها وما جهلنا وما نذكر منها وما نسينا جل وعلا فهو الرحيم الرحمان المنعم المنان.


 القشيري، لطائف الإشارات، ج2،ص126[1]

 تفسير المراغي، ج13،ص157.[2]

ابنعاشور،تفسيرالتحريروالتنوير،ج13،ص236-237.  [3]

 ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، ج13،[4]

 سورة إبراهيم الآية28.[5]

 ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير،ج14،ص123-124.[6]

 القشيري، لطائف الإشارات، ج2،ص152[7]

سورة إبراهيم الآية 9.[8]

 رواه البخاري، كتاب التهجد، حديث رقم 1130[9]

 سبأ، الآية 13[10]

 عبد السلام ياسين، الإحسان 1،ص458[11]

المصدر نفسه، ص458، بتصرف بسيط.[12]

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.