منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

عزيزتي هيئة الأمم المتحدة (3)

عزيزتي هيئة الأمم المتحدة (3)/ يوسف العلوي السليماني

0

عزيزتي هيئة الأمم المتحدة (3)

بقلم: يوسف العلوي السليماني

 

عزيزتي هيئة الأمم المتحدة (2)

عزيزتي هيئة الأمم المتحدة؛ السنة الدولية للتعاونيات وخطة التنمية المستدامة

ما حصيلة الاِحتفاء بالسنة الدولية للتعاونيات؟

عزيزتي هيئة الأمم المتحدة، أجمل الأمين العام للأمم المتحدة الكلام لمّا قال: “وَيمكن للتعاونيات، باسترشادها بهذه القيم والمبادئ – بأكملها- أن تسهم في كل أبعاد التنمية المستدامة”[1] . اسْتَوَى الأمين العام وَمَن مَعَه على فلك الحكمة ولكن أرى أن القيم والمبادئ التعاونية لا يكفيان لإصابة أهداف التنمية المستدامة 2030 ولا يكفيان للأخذ بناصية الأمر.

طالما أن الحروب محتدمة فلا حول للتعاونيات في دفع شرها ولا قوة لها في تحصيل التنمية المستدامة “لبناء عالم أفضل”، خاصة وأن لكِ عزيزتي هيئة الأمم المتحدة رأي آخر إذ أعلنتِ 2025 السنة الدولية للتعاونيات في سياق حربي أوكرانيا وغزة، لكن كيف البناء تحت طائرات قاصفة تقذف القنابلَ على أهداف التنمية المستدامة 2030، حقيقة ومجازا؟ كيف أثق بإعلان جمعيتك العامة والتنمية المستدامة 2030 والعالم الأفضل أسيران تحت التعذيب، لا ندري هل سيعيشان نهاية الحرب، إن كانت للحرب نهاية؟ كيف أثق في مجلس الأمن وهو عاجز عن صون السلم وَالأمن الدوليين؟ كيف أثق في مجلس الأمن خاصة وأن بين أعضائه الخمسة الدائمين من يشن الحرب أو يساند حليفا يشن الحرب ويمون جيش الحليف بالسلاح، ويشهر حق النقض نصرةً لحليف سياق؟ كيف أثق في ميثاقكِ؟ أين مصداق هذا الشعار الذي يملأ الآفاق؟ من الحكمة أن تبقى التعاونيات في منأىً عن كل تحريف، أليس بيان الهوية التعاونية متأصل يصون التعاونيات؟ تثور أسئلة عديدة عما يُفعل بالتعاونيات.

في هذا الموضوع أقارب القيم الأَخْلَاقِية وعلاقتها بِالأَزَمَاتِ التِي قد تعِيشُهَا التعاونيات، وغيرها، وَلَعَلَّهَا أَخْطَرُها: أَزْمَةٌ سِيَاسِيَّة، وَاِقْتِصَادِيَّة، وَأَخْلَاقِيَّة، وَعِنْدَ إِمْعَانِ النَّظَرِ فِي المَسْأَلَة، نَجِدُ أَنَّ الأَزَمَاتَ كُلّهَا ترجع إِلَى القيم الأَخْلَاقِيَّة، فكل المَصَالِح الاِستئثارية التي تَقُودُ السِّيَاسَة والاِقتصاد، أَصْلُهَا أَزْمَةٌ أَخْلَاقِيَّة، التي تسعى إلى صنع المَشَاكِل وَالحُرُوب وَالأَزَمَات وَتُفَرِّقُ الأُمَّةَ، وَبِدُونِ أَخْلَاق لَا يُمْكِنُ أَنْ تَسْتَقِرَّ الُمُجْتَمَعَات، بما فيها التعاونيات، ولَا يُمْكِنُ أَنْ نَتَطَلَّعَ إِلَى التنمية الاِقتصادية والاِجتماعية، وَأقطعُ برهان ما يجري في أوكرانيا منذ 24 فبراير 2022، وفي غزة وَفلسطين منذ عقود وليس منذ السابع من أكتوبر 2023 فقط.

لقد تلفَّعت الحربُ بالشرّ، فانتفضت الشعوب تَشْنيعا بسبب سحق الأطفال من الولادة إلى البلوغ، والنساء والأمهات، والرجال والآباء، والشيوخ والأجداد، والمراسلون الصحافيون والمراسلات، والمسعفون والمسعفات، والأطباء والطبيبات، الأبرياء العزل، حيث تَابَعَ الناس المجازر تترا، على قناة الجزيرة، والضيوف يحللون بارعين، على مدار الساعة، رجع معظم حكام المسلمين القهقرى متهامسين وهم ينظرون إليهم بأبشع المواقف وعلى ألسنتهم عبارة تتردد في مختلف السياقات: “أهل غزة أدرى بأنفاقها”، وا إسلاماه، وا محمداه، إنا لله وإنا إليه راجعون، يا لها من وصمة عار على جبين القوم، عجبًا لمن يشهد أن لا إلاه إلا الله وأن محمدًا رسول الله وَيخذل من يشهد أن لا إلاه إلا الله وأن محمدًا رسول الله، غزة جُرح نازف، جُرح لا يُرتق، أهل فلسطين أشد الناس بلاءً إذ انقطعت النبوة[2] ؛ فشتان بين من يَسأل الشهادة ومن يُحافظ على حياته مذيعا: “نريد الرجوع إلى منازلنا”.

عَزيزتي هيئة الأمم المتحدة تُقْصَفُ التنمية المستدامة بإدمان رغم قراراتكِ وَجهودكِ وَميثاقكِ وَفروعك، وَوكالاتك، لِتُعَلَّقَ الأهداف السبعة عشر خارج إرادتك، لميقات لا تعلمينه، لا يحدده إلا الله، إن شاء أن يحدده، وما تشاء الأمم المتحدة إلا أن يشاء الله رب العالمين، حيث قال عز وجل: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾[3]  إن الإيمان بالقدر، خيره وشره، ركن من أركان الإيمان الستّة، والإيمان لا يعني الركون إلى الكسل والاِنتظار البليد، بل يلزم المؤمن بالله الأخذ بالأسباب وَبذل الجهد كل الجهد لنصرة أخيه في الإنسانية وفي الدين، لبناء عالم أفضل بلغة الأمم المتحدة وَلعمارة الأرض عمرانًا أخويّا بلغة أخرى.

أَثبتت الدِرَاسَات عبر مختلف الفترات التاريخية قُدْرَةَ التَّعَاوُنِيَّاتِ عَلَى التَصَدِّي للأَزَمَات، مِنْهَا تِلْكَ التِي قَامَ بِهَا الحِلْفُ التَّعَاوُنِّي الدّوْلِيّ، وَمُنَظَّمَةُ العَمَلِ الدَّوْلِيَّة، فِي سِيَاقِ أَزْمَةِ 2008 الاِقْتِصَادِيَّةِ وَالمَالِيَّةِ العَالَمِيَّة، لَمَّا تَخَلَّت شَرِكَةٌ بَنْكِيَّةٌ مَرْمُوقَةٌ سْوِيسْرِيَةٌ[4] عَن عَشَرَةِ آلَافِ مُوَظَّفِي وَكَالَاتِهَا الفَرْعِيَّةِ عَبْرَ العَالَم، بَقِيَت تَعَاوُنِيَّةٌ بَنْكِيَّةٌ سْوِيسْرِيَةٌ تُشَغِّلُ ضِدّ التيَّار وَتَرْفَعُ سَقْفَ فَائِضِهَا السَّنَوِيّ، تَجَنَّبَتِ الفَسَادَ فَنَمَت، لِأَنَّها لَا تُضَارِبُ فِي أَسْهُمِهَا، وَلَا تَدْخُلُ البُورْصَة، تَنْبُذُ المُخَاطَرَةَ التِي قَدْ تُؤَدِّي إِلَى خَيْبَةِ مَالِكِيهَا وَهُمُ المُسْتَفِيدُونَ مِن خَدَمَاتِهَا، لَا تَضَعُ أَعْضَاءهَا فِي مَأْزَقٍ وَهُم رَكِيزَتُهَا، لَا تَنْسَلِخُ مِن هُوِيَّتِهَا، وَهِيَ دِرْعُهُمْ ودِرْعُهَا “ولَمْ يَكُنِ الاِنْهِيَارُ الاِقْتِصَادِيُّ العَالَمِيُّ وَحُدُوثُ الأَزْمَةِ المَالِيَّةِ العَالَمِيّةِ بِسَبَبِ ضُعْفٍ فِي مَعَايِيرِ المُحَاسَبَةِ وَالتَّدْقِيقِ أَو القَوَانِينِ الخَاصَّةِ المُرتَبِطَةِ بِهَا، وَلَكِن حَدَثَت بِسَبَبِ ضُعْفِ أَخْلَاقِيَات، وَتَمَادِي مُدَرَاءَ الشَّرِكَاتِ التَنْفِيذِيِّينَ فِي اِسْتِغْلَالِ تِلْكَ المَعَايِير فِي تَحْقِيقِ مَصَالِح شَخْصِيّة مُرْتَبِطَة بِشَرِكَاتِهِم.”[5]  وَلَقَدْ أَدَّى هَذَا السُلُوكُ إِلَى أَزْمَةٍ مَالِيَّةٍ وَاِقْتِصَادِيَّة، وَأُخْرَى سِيَاسِيَّة، عَمَّت دُوَلَ العَالَم. فكيف تمت معالجة ملف انتشر وباؤه؟ طُوِيَ بعد مفاوضات كان من شأنها الوصول إلى اتفاقية وطنية مع شركات القروض الرهنية الأميركية الخمسة الكبرى المتهمة باستعمال وسائل غير قانونية للحجز العقاري، المفاوضات قادتها المدعية العامة بولاية كاليفورنيا آنذاك كمالا هاريس، التي خسرت الاِنتخابات الرئاسية الأمريكية 2024. في هذا السياق برز الاِهتمام الواضح بالتمويل الإسلامي في العديد من دول الغرب، “وانتقل قطاع التمويل الإسلامي في أوروبا من النطاق الضيق الى النطاق الواسع فيما تأخذ المؤسسات والمصارف الغربية الأدوات الإسلامية بصورة متزايدة كخيارات تمويلية مهمة. وأصبحت بريطانيا وسويسرا على سبيل المثال مراكز عالمية لتطوير التمويل الإسلامي في سوق دولية متهافتة باِطراد على هذه الصناعة الجديدة في الأسواق المالية المضطربة.”[6]

التعاونية المالية الغربية قريبة من التمويل الإسلامي والمحاذاة فكرة تستحق البلورة قصد تعميمها ونقلها إلى مجال الاِقتصاد الاِجتماعي والتضامني، والتعاونية قاطرته، هذا بالذات ما يجب إثباته.

كلما شبت أزمة في الولايات المتحدة الأميركية إلّا وهي أزمة أخلاق، وكلما شبت أزمة في الولايات المتحدة الأميركية إلّا وَقاسى الشعب الأمريكي والعالم تَبِعَاتِها، أزمات منبعها جشع الشركات المالية، وعبادة الأرباح، خلل من اختلالات الاِقتصاد الرأسمالي المعتل الأخلاق، يشهد تاريخ الولايات المتحدة الأميركية استدامة الأزمات المالية تورطت فيها عبر بنوكها فأدت إلى أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية. إنها أزمات وَلود، من فجر القرن الماضي اِقتصارًا إلى اليوم، تفاقم نسلها مُنْذُ عام 1971، وحروب تلد حروب لِتَشُنَّهَا على قبائل وشعوب ما لها لِمَنْع الحمل حبوب.


[1]  تقرير الأمين العام، عدد A/78/187 الصادر بتاريخ 17 يوليو 2023، تحت عنوان دور التعاونيات في التنمية الاِجتماعية.

[2]  سُئِلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أيُّ الناسِ أشدُّ بلاءً قال الأنبياءُ ثم الأمثلُ فالأمثلُ يُبتَلى الناسُ على قدرِ دِينِهم فمن ثَخنَ دِينُه اشتدَّ بلاؤه ومن ضعُف دِينُه ضعُفَ بلاؤه وإنَّ الرجلَ لَيصيبُه البلاءُ حتى يمشيَ في الناسِ ما عليه خطيئةٌ.

[3]  سورة التكوير 29

[4]  رايفايزينRaiffeisen أول مجموعة بنكية تعاونية سويسرية.

[5]  الأزمة المالية العالمية (2008) هل هي أزمة معايير محاسبية وتدقيقية أم أخلاقية؟ د. أسامة عبد المنعم السيد علي، جامعة الزرقاء، الأردن؛ د. عمر إقبال المشهداني، جامعة جرش، الأردن، مجلة الجامعة الخليجية، المجلد 3/ قسم العلوم الإدارية والمالية/ العدد 4/2011

[6]  الدكتور محمد النوري. التجربة المصرفية الإسلامية بأوروبا “المسارات، التحديات والآفاق”، إسطنبول. بحث مقدم للدورة التاسعة عشرة للمجلس الأوربي للإفتاء والبحوث، إسطنبول، رجب 1430 هـ / يوليو 2009 م، موقع المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث:

e-cfr.org

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.