منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)

0
اشترك في النشرة البريدية

بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى: (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)[1].

وأسروا قولكم أو اجهروا به
وأسروا قولكم أو اجهروا به

هذه الآية 13من سورة الملك، وسميت كذلك المانعة والمنجية. وسورة الملك هي سورة مكية تهتم بأمر العقيدة، وقد ورد في فضلها وفضل قراءتها أحاديث كثيرة نذكر منها قوله صلى الله عليه وسلم: “هي المانعة، هي المنجية، تنجي من عذاب القبر[2].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي سورة تبارك الذي بيده الملك”[3].

المزيد من المشاركات
1 من 30

وروي عن جابر رضي الله عنه قال: ” كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ الم تنزيل، وتبارك الذي بيده الملك”[4].

أما الآية التي نحن بصددها فقد ورد في سبب نزولها ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: “كان المشركون ينالون من النبي صلى الله عليه وسلم فيوحى إليه بما قالوا، فقال بعضهم لبعض: أسروا قولكم كي لا يسمع رب محمد فنزلت الآية”[5].

وأسروا قولكم أو اجهروا به“: “فيه دلالة على أن السر والجهر عند الله وفي علم الله على حد سواء لأنه عليم بذات الصدور”[6]. ومنه قوله تعالى: “وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى[7]، وكذلك قوله عز وجل: “أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ[8].

فالله تعالى يعلم ما نخفيه في صدورنا وما هو مضمر في نفوسنا من أسرار خفية وكل ما يحدث به المرء نفسه، وحتى ما سيحدث به نفسه ولم يحدث بعد فالله يعلمه ، فكيف لا يعلم السر والجهر من أوجد بحكمته وواسع علمه وعظيم قدرته جميع الأشياء، فهو سبحانه يعلم ما هو أخفى من السر والجهر، “إنه عليم بذات الصدور“:[9]

وأورد العلامة أبو البركات عبد الله بن محمود النسفي في تفسير هذه الآية:[10] ” ظاهره الأمر بأحد الأمرين الإسرار والإجهار، ومعناه لِيَسْتَوِ عندكم إسراركم وإجهاركم في علم الله بهما (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)”.

ويقول سيد قطب في ظلاله: “والقرآن يعنى بتقرير هذه الحقيقة في الضمير. لأن استقرارها فيه ينشئ له إدراكا صحيحا للأمور، فوق ما يودعه هناك من يقظة وحساسية وتقوى، تناط بها الأمانة التي يحملها المؤمن في هذه الأرض، أمانة العقيدة وأمانة العدالة، وأمانة التجرد لله في العمل والنية. وهو لا يتحقق إلا حين يستيقن القلب أنه هو وما يكمن فيه، من خلق الله الذي يعلمه الله…، عندئذ يتقي المؤمن النية المكنونة، والهاجس الدفين، كما يتقي الحركة المنظورة، والصوت الجهير، وهو يتعامل مع الله الذي يعلم السر والجهر.”[11]

يقول أبو حامد الغزالي رحمه الله: “فالقلب إذن موضع نظر رب العالمين، فيا عجبا ممن ينظر إلى وجهه الذي هو موضع نظر الخلق فيغسله وينظفه من الأقذار والأدناس ويزينه بما أمكنه لئلا يطلع مخلوق فيه على عيب، ولا يهتم بقلبه الذي هو موضع نظر رب العالمين فيطهره ويزينه كي لا يطلع الرب جل جلاله على دَنَسٍ وشَيْنٍ وآفة وعيب، بل يهمله بفضائحَ وأقذارٍ وقبائحَ، لو اطلع الخلق على واحد منها لهجروه وتبرأوا منه وطردوه! والله المستعان”[12].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 5

“ثم تأتي الآية الموالية استدلالا على سعة علمه سبحانه بدليل عقلي “أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ“، فمن خلق الخلق وأتقنه وأحسنه، كيف لا يعلمه؟ وهو اللطيف الخبير الذي لطف علمه وخبره، حتى أدرك السرائر والضمائر، والخبايا، ومن معاني اللطيف، أنه الذي يلطف بعبده ووليه، فيسوق إليه البر والإحسان من حيث لا يشعر، ويعصمه من الشر، من حيث لا يحتسب، ويرقيه إلى أعلى المراتب، بأسباب لا تكون من ‏العبد‏ على بال، حتى إنه يذيقه المكاره، ليتوصل بها إلى المحاب الجليلة والمقامات النبيلة”.[13]


  1. سورة الملك، الآية 13.
  2. رواه الترمذي في سننه، حديث رقم 2890
  3. رواه الترمذي في سننه، حديث رقم2891
  4. رواه الترمذي في سننه، حديث رقم2892.
  5. ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، ج29، ص30
  6. تتمة أضواء البيان، ج1، ص402.
  7. سورة طه، الآية 7
  8. سورة هود، الآية 5.
  9. ينظر تفسير المراغي، ج29، ص14..

[10]. مدارك التنزيل وحقائق التاويل المطبوع على هامش تفسير الخازن ج.4 ص.291

  1. سيد قطب، في ظلال القرآن، ج6، ص3637
  2. الإمام الغزالي في “منهاج العابدين إلى جنة رب العالمين”
  3. السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص1859.
اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.