ما هو إلاّ ما رأيتَ..قصة قصيرة

لم يتبقّ في جيبي غير بضعة دراهم لا تكفي لأداء ثمن وجبة العشاء، رميت حقائبي في بهو الإدارة متحديا السيد المدير الذي لم أعرف أنه مدير إلا يوم غد، أراد أن ينهرني أو يصرخ في وجهي فتلقفته بنظرة شزراء وقلت بصوت عبّأتُهُ من بركان يوشك أن يفتح فاه بلا رحمة:
– ليس لدي مكان أذهب إليه، ولا أعرف هذه المدينة.
لم أنتظر ردّه، واستدرت لأخرج وليفعل ما شاء بالحقائب أو بقبولي في مركزه، تحسست الدراهم في جيبي، فرتّبت أولوياتي حسب تقديري لوضعيتي، جسمي مهدود من التعب، وبطني تصفّر بلحن واهن من مسغبة طويلة، وسخط عارم يعتريني وأنا أفكّر في هذا الوطن البائس الذي يرسل إليك رسالة النجاح في المباراة قبيل انتهاء أجل دفع الملف بيوم أو يومين، كأنه يريد أن يعذبك تعذيبا إضافيا على تمكنك من النجاح من بين آلاف المجتازين، ويذكرك بأنك لن تغادر منطق الشطط ودروب العنت والتعب، وهكذا يرسلك “سهوا” إلى مدينة أخرى، لتكتشف بعد يومين من السفر أنها المدينة الخطأ، وأن عليك أن تسافر إلى الإدارة المركزية في المدينة الثانية ليحلّوا لك إشكاليتك، وليخبروك بأن المطلوب منك أن تسافر إلى مدينة ثالثة، فالأجل قد انتهى، وعليك أن تشرح لهم ليقبلوا ملفك، ثم تستسلم للدرب الملتوي مجبرا كي لا تفوّت الفرصة وتعود إلى العطالة مرة أخرى..

قررت أن أشتري ما أسد به جوعي أولا، وبعدها يفتح الله، تناولت ما قد يتناوله شحاذ على باب محلبة صغيرة، وقصدت مسجدا أستفتح المولى في مبيت به، إن سمح بذلك الفقيه، (كان هذا قبل أن يصبح المبيتُ في المسجد محرّما في شريعة وزارة الأوقاف وهواجسها المستوحاة من كوريا الشمالية في أغلب الظن)، وخارج المسجد، كنت أوطّن نفسي أن أطلب من أحد رواد المسجد المبيتَ عنده، تفرّست في وجوه عدّة، وانعقد لساني وأنا أقصد أحدَهم وأسلّمَ عليه، لأوّل مرة أضطر إلى هذا الفعل بعدما كنت أراه من بعيد وأستغربه، ابتسم الرجل في وجهي منتظرا ماذا أقول له، وكان في نيّتي أن أشرح ظروفي وأقدم نفسي ثم أطلب المبيت عنده، فأنا غريب عن المدينة ولا مال عندي، لكن لساني انعقد وبقيت برهة أحدق فيه صامتا، وظلّت ابتسامتُه تزداد طيبة كأنها تشجعني، حتى نطقتُ، نعم، نطقت بعبارة لم أستسغها في استعدادي القبلي، ولا خطرتْ ببالي وأنا أرتّب قولي، عبارة بسيطة سهلة، فيها من الانكسار بقدر ما فيها من العزة: “أنا ضيف الله”، لم يدعْني أكْمِل العبارة، حتى كان جوابه راضيا مرحبا، كأنه كان يعرف ما سأقول: “مرحبا بضيف الله”، لمس كتفي، وجرّني قليلا لأتبعه، وتبعته في صمت دون أن أنبس ببنت شفة..
لم يسألني عن اسمي وعن عملي وأصلي، تبعته صامتا، فأركبني معه حافلة نزلت بنا على أطراف حي شعبي، وتبعته في دروب ضيّقة ما شاء الله حتى صرت أنا المتوجّس، كان الرجل ذا بنية نحيفة ولحية خفيفة رغم بعض الطول، واستطال المشيُ في دروب ملتوية وأزقة تعجُّ بالأطفال وسحنات شباب مدمن على عتبات مسارات ومهاوٍ مخيفة، ولكن العينين الأليفتين والابتسامة الراضية للرجل كانت تبث فيّ بعض الاطمئنان وتشع في نفسي ثقةً وأمانا، صعدنا درجا شبه عمودي لنصل إلى غرفتين في سطح دار، أحدهما بيت نومه، والآخر بيت عياله، بينما كان المطبخ عبارة عن غرفة صغيرة من القصدير، يحوز الأثاث البسيط، ويبدو خلف الستارة، عبر الإضاءة، طيف امرأة منشغلة بالطهو، ناداها بصوت عال:
– معنا ضيف الله يا زهرة، أعدي لنا شايا قبل العشاء.
ثم قدّمني إلى طفلين وجدناهما يلعبان في الغرفة الثانية، طفل وطفلة، سارة وأحمد:
– هذا عمُّكما، يريد أن يتعرّف عليكما، هيا سلّما عليه ورحبا به.
قبّلني الصغيران، وأنا غائر في حيائي من اقتحامي بيتَ الرجل، ولو بحق “ضيف الله”، فالبيوت حرمات وأسرار، وأحزنني، بقدر ما قلب مفاهيمي، ذلك الترحاب الصادق والفرح الأصيل بضيافة تُنْسَبُ لله، “ربحَ البيع من هذا ذأبه وابتذاره”، قلت خاشعا..

شربنا الشاي والطفلان حولنا ينجزان تمارينهما، ويسألان مرة تلو الأخرى عن بعض ما يَشْكُلُ عليهما فيها، وحُزت إطراءً من الرجل على بعض الشروحات المستفيضة التي قدمتها لابنته سارة، وتوجّه إلّي: “معذرة، نحن لا نملك تلفازا، ولكن حسبنا هذه الجلسة بحضرتك يا رجل، ففي سابق الأزل كان مقدّرا لنا أن نلتقي ونتعارف لنتحاب”، أومأت بالإيجاب وأنا منشرح الصدر لصنيع الرجل وبساطته وعمق ما يعيشه، قام وأحضرَ مسجّلة، وقال لي إن شئت أنصتَّ لبعض هذه الأشرطة، أغلبها دروس ومواعظ، وأنا يعجبني الكشك خاصة، زكّيتُ ملاحظته:
– نعم سبق أن استمعت للعديد من خطبه، وهو خطيب مفوّه، وواعظ صادق لا يخاف في الله لومة لائم.

ضغط زر التشغيل فانطلق صوت الكشك صادعا بالدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وأنصتّ معه بعناية لما يقول الخطيب الضرير الذي كانت أشرطته حينها لا زالت ممنوعة من التداول، كان يروي قصة سيدنا عبد الله ابن عمرو ابن العاص مع أحد المبشرين بالجنة، وطلب “ضيافة الله” عنده ليرى ما الذي أهَّلَه من أفعاله للفوز بالجنة، إذ أمضى معه ثلاثة أيام دون أن يرى تميزّا معيّنا عن عامة الصحابة في التعبّد، لكنه عندما كشف للصحابي الجليل عن سر طلبه الضيافة في بيته، وعن السر الذي لم يستطع أن يتوصل إليه رغم مضي الأيام الثلاثة، أجابه بأنه لا يقوم بشيء ذي بال غير أنه إذا أوى إلى فراشه، يتصدّق بعرضه، ويعفو عمّن اغتابه أو سبّه أو آذاه، وينام على صفاء الطوية وسلامة النية وما بذّمته من مظلمة لأحد: “مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ”.

فعرف سيدنا عبد الله ابن عمرو آنذاك السرّ وطوى عليه كي ينشره في الأمة، قائلا: “هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ”، وهكذا إلى أن وصلتني القصة أنا الذي طلبت “ضيف الله” من هذا الرجل البسيط الطّيب، أفلا أكون عبدليّ* المطمع، وأنقّب عن السّر وراء هذا الفرح بالله، وبضيوفه، وبسخاء النفس والكرم، والعفوية والتيسير، والرضى واليقين، أليس هذا ما قد يبحث عنه من يظلون طوال حياتهم يركضون خلف الإنجازات والأموال والمتع والتنافس والتزاحم؟!

وإذ ذاك فهمت السّر، والسّر لم يكن بعيدا جدا، فالرجل أوّل ما التقيت به، وقصدته، كان أنيقا ذا عناية حسنة بمظهره وسائر سمته، لُطْفًا في الحديث واتِّزاناً في النظرة والعبارة، واقتصادًا في الكلام، وانسجامًا في الهندام، دون تكلّفٍ ظاهر، ولا ابتذالٍ مُسِفّ، كان كأنه ظلّ يمشي أو نسمة تعبر بلا ضجيج، وقد ظننتُ لبرهة أنه ربما يكون رجل تربية وتعليم، أو موظفا، أو تاجرا رقيق العبارة من أهل الحصافة والذكاء، نظرا لسعة اطلاعه وحسن تأدّبه، لكنني وجدت أنه بائع متجوّل للحلوى، يحمل سطلا مغطّى بعناية، حفاظا على سخونة “البريوات” المحشوة باللوز ومكونات أخرى، مع علبة مناشف، حرصا على النظافة، ويعرض سلعته بلباقة وابتسامة رضى، كأنه يعرض مائدة محبة ووداد لا مجرّد حلوى، قال لي بأنه لا يخرج إلا بضع ساعات عند المساء يبيع ما تيسّر ويعود ليراجع مع الأطفال، ويجالس زوجته..
يظهر من إطرائه على زوجته حب متين لها، وتقدير بالغ لصبرها ودورها في حياته، فهي ماهرة في صنع البريوات، وهو ماهر في تسويق سلعته، بحسن ابتسامته وأدبه، وثقافته وتلقائيته، ثم يعود فرحا بالرزق الحلال مستغرقا في شكر الله على النعم التي يتفضّل بها عليه رغم تفريطه وقلّة شكره.

آنئذ، استفقت، أو كدت من غفوة البهرجة التي كنت أستقبلها وأنا أهم بولوج المركز، والاعتداد بالتحصيل والشواهد وكثرة الكلام، سأبدأ بدرس صغير أولا: العبرة أن تنطق عن حالِكَ أفعالُك: “ما هو إلاّ ما رأيتَ”..
—————–
* نسبة إلى عبد الله.

اظهر المزيد

عبد القادر الدحمني

عبد القادر الدحمني/ سوق أربعاء الغرب روائي مغربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: