لا يعرف ولا يعترف..قصة قصيرة

كان مراهقا متوثب الجسد مشدود العضلات، لشقاوة الطفولة، وشقاء الأشغال الفلاحية التي يشارك فيها أباه رغبا ورهبا، متمرّسا في رعي الماعز وصيد الأرانب والحجل، والوصول إلى الأعشاش مهما علا مقامها في الأعالي المخيفة، والأجراف المدوِّخة، وكان مع ذلك يحب مطاردة الكلاب وتعذيب الحيوانات حتى الموت، فيحس بانتشاء خفيّ، وتعجبه شراسته ونموه المطّرد، حتى صار العديد من أقرانه يهابونه، ويتجنبون مزاحمته في ما يراه أو يدّعيه..

وبالرغم من حرص الخميس أن يعرف أصدقاؤه وخصومه وسائرُ جُلاسِه، عنه كل بطولاته ومغامراته، ومفاخره وخصاله، وبالرغم من ولعه بإطراء الناس عليه وعلى قوته وشجاعته وخطورته، فإنه مع ذلك كان يخفي بعض الأمور عنهم، ولو لم تكن أقرب إلى السوء أو خوارم “الرجولة” وخوادش “الفروسية”، ولا تزري به أو تنقص من قيمته وقدره عندهم، لكنه كان حريصا ألا يتسرّب عنها شيء إليهم، رغم بساطتها وتفاهة أمرها، فالأمر كله لا يتعدى ولعه الشديد بشرب “الموناضا”، وخاصة تلك القنينة الصغرى التي يستقل بها عن القوم، وينتشي بالعبِّ منها كأنه يصفّي حسابه مع عطش قديم، ففي دخيلة نفسه، كان يعرف أنه لا يستطيع التهجئة السليمة لأنواعها، ولذلك كان يكتفي بالإشارة إلى الألوان عندما يقصد صاحب الدكان، فيقول بصوت مبحوح يخفي ارتباكه وخجله: اعطيني الموناضا الكحلة.. أو الحمراء.. حسب اتجاه رياح الذوق والمزاج.

ورُبَّ متسائل يتساءل من أين يمكن للخميس أن يحصل على تلك الدراهم كي يشتري ما يريد، وهو لا زال فرخا يافعا، لم يُريّش  بعد، ولا أحد يمكن أن يستخدمه مقابل أجر مالي، والجواب بسيط للغاية، فقد كان الخميس من السابقين الأوّلين في جمع كل ما يمكن أن يُباع، من بقايا الزيتون بعد جنيه من طرف مُلاكه، من بعض أنواع الزهور التي يتم بيعها لتجار يعلنون الأمر كمسابقة مثيرة للتنافس والفوز، وفي بعض الأحايين، كان يمضي أوقات الظهيرة يهش على دجاج الجيران، ويبحث كالثعلب في خشاش أسيجة الحقول، وتبن البيادر، وأدغال النباتات العالية القريبة من الدور، فيصيب من ذلك بضعة بيضاتِ دجاج، يضعها في طاقية بين قبضات من التبن حتى لا تنكسر، ويطير بها إلى المتخصصين في شراء مثل هذه “البضائع”، ويعود حينها حاملا ما به يحس بالفخر والتميّز والامتلاك والامتلاء..

اسمه الخامس، لكنهم ينادونه الخميس، فوالديه سميّاه تيمّنا بملك البلاد العائد من المنفى، نكاية في الخونة، وتزلُّفا إلى شيخ القبيلة ورجال المخزن في القيادة، ولكن بعد مضي سنوات اليفاعة الأولى، وقد بدا للناس ألاّ شيء تغير باستثناء الوزراء وأشكال الملابس، ارتأى والديه أن يرسلاه إلى الناضور، لتعلم الخياطة، وجلب الفلوس والملابس للوالدين وإعانتهما على “دوائر الزمان”..

لكن الولد “الملعوق” الذي سافر إلى الناضور في أوائل يناير من سنة 1984، صادف وهو لا زال مذهولا في أسبوعه الثاني، بشكل المدينة وشوارعها، ولباس أهلها وعاداتهم، ومرتبكا من هذا التحول الوجودي الذي طرأ على حياته، ضربة حظ أسود، وجائحة أتت على زرعه ومائه، فقد خرج بإلحاح من بعض أقاربه ليبتاع لهم حليبا من البقال المجاور لمكان العمل، وبينما هو يقف مع الزبناء في انتظار تلبية طلبه، سمع هديرا وصراخا وصفيرا، كأنها قيامة قامت حواليه، وطوفانا غاضبا حلّت ساعته، ورأى التلاميذ يركضون وهم يصرخون ويرددون عبارات لم يعقل منها إلا بضع كلمات لم يدرك معناها، وحَسِبَ أنَّ الأمرَ شجارا بين “دوّارين”، عفوا بين حيّين، لكن أعداد الناس الراكضين وصراخهم، كذّبا ظنّه، وأدخلاه في متاهة دهشة عظيمة، ثم خوف أعظم، ودون أن يدرك ماذا يحدث، أو لماذا يحدث ما يحدث، وجد نفسه يركض مع الحشود ركض المهدد بالموت المحتوم، خاصة عندما رأى سيارات عسكرية، ورجال بهراوات يطاردون الناس، وآخرين يصوبون “المكحلة” في اتجاه المطلين من أسطح البيوت ونوافذها..

هو لا يدري لماذا وقع له ما وقع، ولا يدري، لماذا أمسكوا به، وزجوا به مع الآخرين في شاحنة العسكر، ولا يدري لماذا ضربوه هناك في ذلك القبو المعتم، بكل تلك العدوانية، ولا يعرف لماذا كانوا يصرخون فيه أن يعترف، وهو لا يعرف ولا يعترف، وإنما يبكي ويصرخ مناديا أمه الصافية التي حرّضته على هذا السفر المشؤوم، ووعدته بتزويجه من أجمل بنت في الدّوّار حين يعود..

قالوا له ستجلس على هذه “القرعة”.. وهو لا يعرف إن كانوا جادين في طلبهم، مع أنهم لا يعرفونه ولا هو سبق أن رآهم في الدوار، لا يعرف ولا يعترف..

ولقد قال ذات لحظة بأنهم محشّشين، أو تُراهم شياطين احتوشوه لتعذيبه بسبب البيض الذي كان يسرقه لأصحابه، أو تلك الأكياس من الزيتون التي ملأها خلسة من زيتونات بعض الجيران، أو ربما سعيه وراء صبية جميلة حلّت في عطلة الصيف ببيت الجيران، وتمكنه من إغرائها..

لا بد أنها القيامة وأنه الحساب، وإلا لماذا كل هذا الضرب والبكاء والألم وقلة الرحمة وغياب السماح والعفو، وهو لا يعرف ولا يعترف، مع أنّ اسمه “الخميس”، “على ملك البلاد” كما تقول أمه الصافية، فإنهم يعلّقونه كالخروف وينهشون لحمه، ويعبثون بجسده، ولا يهمهم أن يموت أو يُغمى عليه، فهو يبكي بحرقة لأنه أمه بعيدة عنه، ولأنه في سكرات الموت، ولا يعرف كيف يمكنه أن يعجزهم بشيء كي يكفوا عن تمزيق لحمه، كأن يروا وجهه في المصباح المتوهج فوق جثته المسلوخة أو في الجدران المرشوشة ببقع الدماء، لكن بدون جدوى، فهو لا يعرف ولا يعترف..

لحد الساعة يشعر بذلك التمزّق الأليم والاختراق الدامي، ويتذكر بكاءه المفجوع بلا أمل، ولا وعي بما يجري، وهو نادم على سرقة البيض والزيتون والطفلة الجميلة التي كان يكبرها بسنتين لا أكثر.. يصرون على إجلاسه والضحك من بكائه وصراخه ومناداته على أمه الصّافية دون أن تجيبه أو يأتي أباه حاملا معوله ومطيحا برؤوسهم الشيطانية الساخرة المتلذذة بعذابه وسعار ألمه، وهو لا يعرف شيئا ولا يعترف..

الآن، وبعد أن أمضى خمس سنوات في السجن مع المعذبين في الأرض، وعاد إلى الدّوّار، شابا ناضجا، قد شحذته المجزرة الرهيبة، وكواه السجن والتعذيب، صار يعرف أكثر من ذي قبل، أن لا شيء أحد قويّا  في هذا العالم بما يكفي أن يصمد وسط الأنواء، أو يفلت من قبضة الأحداث الكبرى، إن ساقته لها رجلاه، وأن أشجع الشجعان سيتحطّم إن صادف إعصارا كالذي ارتطم به، أو سلّطت عليه الأقدار سياط الابتلاء والمحنة والعذاب كالذي عرفه وذاق مرارته وتجرّع علقمه..

يجلس القرفصاء ويشعل سبسيا، ويدخن باكيا، وهو يستعيد لحظات جهنم بتفاصيلها المخزية، ويغوص بعيدا في معنى وجوده، ولماذا وقع له ما وقع، ولماذا عذّبوه وضربوه ولم يرحموه، مع أنه لا يعرف ولا يعترف..

يمد له صاحبه القديم قنينة ّالموناضا” وما أن يلتفت ليمسكها منه يضربها أرضا، وينتابه نفس الفزع والارتعاب المفجوع، فيبدأ بالصراخ والاستعطاف ومناداة أمه الصافية كي تنقذه من الشياطين، وهو يقسم بالله ورزقه ومسجده وكتابه، ألا يسرق البيض ولا الزيتون وألا ينظر إلى الطفلة الجميلة مرة أخرى، وألا يشرب الموناضا اللعينة أبدا..

اظهر المزيد

عبد القادر الدحمني

عبد القادر الدحمني/ سوق أربعاء الغرب روائي مغربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: