رَب ارْجِعُونِ لعلي أَعمل صَالِحًا

بسم الله الرحمن الرحيم

يقول الحق سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: (حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ).[1]

عند الموت يكون العبد لا في الدنيا ولا في الآخرة.

عند الموت يُكشف غطاء المُحْتَضَر فينكمش الكافر على نفسه ويقول: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾، أما المؤمن الحق فيفرح بلقاء الله عز وجل وبما وُعِد من نعيم. قال رسول صلى الله عليه وسلم: “الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني[2].

يقول سيد قطب رحمه الله في وصف بديع لهذه الآية: “إنه مشهد الاحتضار، وإعلان التوبة عند مواجهة الموت، وطلب الرجعة إلى الحياة لتدارك ما فات، والإصلاح فيما ترك من أهل ومال… فإذا الرد على هذا الرجاء المتأخر لا يوجه إلى صاحب الرجاء، إنما يعلن على رؤوس الأشهاد: “كلا إنها كلمة هو قائلها…”، كلمة لا معنى لها، ولا مدلول وراءها ولا تنبغي العناية بها أو بقائلها، إنها كلمة الموقف الرهيب، لا كلمة الإخلاص المنيب، كلمة تقال في لحظة الضيق، ليس لها في القلب رصيد”[3].

 فالكافر إذا حضرته الموت وتيقن أنه كان على ضَلال وعاين الملائكة وهي تقبض روحه، تمنى الرجعة للحياة الدنيا ليعمل صالحا يدخله الجنة، ويتدارك ما سلف من كفر وتفريط. لكن وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ. فاتك الركب وتأخرت في التوبة …!

قال القرطبي في تفسيره: “فأما قوله “ارجعون” وهو مخاطب ربه عز وجل ولم يقل “أرجعني”، جاء على تعظيم ذكر المخاطب. وقيل: استغاثوا بالله عز وجل أولا، فقال قائلهم رب، ثم رجع إلى مخاطبة الملائكة، فقال ارجعون إلى الدنيا. ثم قال: ليس سؤال الرجعة مختصا بالكافر فقد يسألها المؤمن كما جاء في سورة المنافقون قوله تعالى مخاطبا المؤمنين: “وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ[4]، ودلت الآية على أن أحدا لا يموت حتى يعرف اضطرارا أهو من أولياء الله أم من أعداء الله، ولولا ذلك لما سأل الرجعة قبل نزول الموت وذواقه… (كلا) هذه كلمة رد، أي ليس الأمر على ما يظنه من أنه يجاب إلى الرجوع إلى الدنيا، بل هو كلام يطيح في أدراج الريح، وقيل لو أجيب إلى ما يطلب لما وَفَّى بما يقول، كما قال تعالى: “وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ[5][6].

فعجل اللهم توبتنا ووفقنا لما تحب من الأعمال وترضى من الأقوال وتَقْبَلُ من النيات وارزقنا حسن الخاتمة، حتى نقول يوم نرى منزلتنا من الجنة وقد مُدِّدْنا في قبورنا: “رب أقم الساعة رب أقم الساعة[7]، لا أن نتمنى العود إلى دار الدنيا وهي سجن المؤمن، كما قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم[8]. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


[1]. سورة المومنون، الآية100

. رواه الترمذي. [2]

سيد قطب في ظلال القرآن، ج4، ص  2480 3 .

. سورة المنافقون الآية 10.[4]

[5] . سورة الأنعام، الآية 28.

[6]. القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج12،ص 149.

7.  من حديث طويل أورده الأمام أحمد عن البراء بن عازب. انظر مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح حديث 1630.

[8] . عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر” رواه مسلم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: