خروف الحاج عمر

بعد فراغه من الوضوء ، نظر الحاج عمر في المرآة، وأخذ المشط لعله يصفف ما تبقى من شعيرات عن يمين وشمال صلعته التي تتوسط جمجمته المثقلة بالهموم.
تنهد وهو يرى الشيب يغزو في صمت لحيته التي كانت سوداء إلى عهد قريب. كل ذلك لم يكن ليهمه لولا أنه لم يعد يحتمل خيبة أمل بنته التي لم تتخط ربيعها الخامس، والتي كلما سمعت بعبعة ظنت أن والدها قد جلب معه هذه المرة خروف العيد.
أما الزوجة التي ظلت بجنبه لأيام زادت عن الربع قرن، فلم تعد تملك للحاج عمر إلا الزفرات والعبرات حسرة عن تقصيرها غير المتعمد في واجباتها الزوجية. دون الحديث عن أخته التي كانت تحنو عليه في أيام الشدة، والتي اضطرها عمل زوجها للسفر معه خارج البلد. فلم يعد يصله منها إلا سلام افتراضي عبر الشاشات الزرقاء الباردة.
ذكّرته نظرته في المرآة أن اليوم هو أول أيام العشر، فأحجم عن قص شاربه وأظافره ناويا أن يصيب النسك إن أسعفته الأقدار وحصَّل المبلغ الذي يشتري به أضحيته، كما كان يفعل في كل عام.
وجاء يوم التروية ولم يأت معه الثمن المنتظر. فنظر إلى شعيراته المتناثرة في كل اتجاه وأظافره التي زاد عمرها عن التسعة أيام. وكان المقص ثاويا غير بعيد عنه،فاغرا فاه كأنه يحاوره، بل يتحداه!
ـ “ألا تخلصني من العطالة التي أصابتني في العشر ؟ “
ـ” لا يا صاحبي، فقد نويت أن أضحي، غير أنه لا ينقصني سوىثمنها”
ـ” أنا في انتظارك،فليس لك بد مني ضحيت أم لم تضح. بيننا الأيام!”
وكلما مر عليه جار أو صديق بباب حانوته إلا وأوغل جرح نفسيته وهو يسمع هذا يحكي جذِلا عن الخروف الذي اشتراه بالأمس، ويصف هذا الضيعة التي قصدها ليتفق مع صاحبها على ثمن الخروف. لكنه سرعان ما يوَري ويعرِّض إذا سأله أحدهم هل اشترى خروفه أم ليس بعد. ولا يزجره عن البوح إلا تذكٌُره آية ربه {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف. لا يسألون الناس إلحافا}.
ارتدى الحاج عمر صبيحة العيد جلبابه الجديد وطاقيته المكية وبلغته الصفراء الفاقع لونها، وتعطر قاصدا المصلى حيث أدى مع جموع المصلين صلاة العيد. فتمنى على غير عادته ألا يلتقي بأحد حتى لا يوغر صدره بالأسئلة المحرجة ” هل إذا بئس كما قد عسى لا إنما من إلى في ربما ” . لكنه لم ينج من ” هل ؟” فورَّى وعرَّض حتى أن صاحبه لم يشك أنه لازال في انتظار صفقة تنقذ ماء وجهه أمام طفلتة التي لا تحسن حسابات الكبار، أو ليرفع على الأقل التحدي أمام المقص الذي ينتظر في إصرار شعيراته الفضية وأنامله “المظفرة”.
مر يوم العيد، ومرت أيام التشريق، ولم يبق للأمل في الكبش من بريق. فهوى الحاج عمر على مقصه، وكاد ينزع أصابعه مع أظفاره أسفا على قوم لم ” يرحموا عزيز قوم ذل “.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: