النظرية الاسلامية في الاقتصاد “مدخل عام”

     لقد راكمت النظرية الإسلامية في الاقتصاد تجارب مهمة فكرا وممارسة وتقويما، وأصبحت معطى رئيسا في حسابات الساسة والخبراء، ورقما مؤثرا في ساحات المال والأعمال، واسترعت الانتباه وشدت إليها الأنظار المستبشرة والمتربصة على السواء، فعقدت لها الندوات والملتقيات، وأجريت حولها البحوث والدراسات، وصدرت بشأنها التوصيات والقرارات، كل ذلك لما تميزت وتتميز به النظرية الإسلامية في الاقتصاد عن غيرها من أسس متينة، ومقومات فريدة وإمكانات ضخمة، ومقاصد جليلة…

وتقصد هذه الورقة تقديم مدخل عام ونظرة موجزة عن النظرية الإسلامية في الاقتصاد.

مفهوم النظرية:

لفظ النظرية في اللغة العربية مشتق من النظر، الذي يحمل في دلالاته معنى التأمل العقلي.

قال ابن منظور: النظرية هي ترتيب أمور معلومة على وجه يؤدي إلى استعلام ما ليس بمعلوم، وقيل النظر: طلب علم عن علم.

وكلمة Théoria اليونانية تحمل معاني التأمل والملاحظة العقلية. وفي الفرنسية فإن كلمة Théorie تفيد أن النظرية هي بناء (أو نسق) متدرج من الأفكار، يتم فيه الانتقال من المقدمات إلى النتائج.

وتكاد الدلالات اللغوية تقترب إلى حد كبير من المدلول الفلسفي للمصطلح، فالنظرية عند لالاند Lalande هي: إنشاء تأملي للفكر يربط نتائج بمبادئ.

يستخلص من التعريفات المختلفة للنظرية ما يلي:

   * تمايز النظرية عن الممارسة والتطبيق.

   * تعارضها مع المعرفة العامية لأن هذه الأخيرة معرفة نابعة من التجربة اليومية.

   * تعارضها أيضا مع المعرفة اليقينية، لأن النظرية بناء فرضي استنتاجي.

   * وتعارضها أخيرا مع المعرفة الجزئية، لأن النظرية بناء شمولي.

فالنظرية إذن هي:

بناء معرفي محكم، يضم مجموعة من المفاهيم والقوانين والافتراضات التي تعطينا نظرة منظمة لظاهرة ما، عن طريق تحديد العلاقات المختلفة بين المتغيرات الخاصة بتلك الظاهرة، بهدف وصف أو تفسير تلك الظاهرة.

اعتراض وتوضيح:

ينكر بعض الباحثين استعمال مصطلح النظرية في حقول المعرفة الشرعية، لكون مصطلح النظرية ينطبق على التصورات العقلية التي ترتبط فيها النتائج بمقدماتها ارتباطا لا تضمن حتميته واطراده، وأن الشريعة الإسلامية منزهة عن ذلك لأنها من رب العالمين، وما كان كذلك فهو حقائق مطردة.

ونجيب على هذا الاعتراض بأمرين اثنين:

أولهما: أن التنظير في الشريعة الإسلامية هو جهد بشري يروم الفهم والتنزيل ولا يمس قدسية نصوص الوحي.

وثانيهما: أن المراد بالتنظير في الغالب الأعم يقصد به ما يقابل التطبيق والممارسة.

مفهوم علم الاقتصاد:

الاقتصاد علم يهتم بدراسة السلوك الإنساني كعلاقة بين الغايات والموارد النادرة ذات الاستعمالات. (ليونيل روبنز في مقالة نشرها عام 1932)

أو هو العلم الذي يبحث في كيفية إدارة واستغلال الموارد الاقتصادية النادرة، لإنتاج أمثل ما يمكن إنتاجه من السلع والخدمات، لإشباع الحاجات الإنسانية من متطلباتها المادية التي تتسم بالوفرة والتنوع، في ظل إطار معين من القيم والتقاليد والتطلعات الحضارية للمجتمع. كما يبحث في الطريقة التي يوزع بها هذا الناتج الاقتصادي بين المشتركين في العملية الإنتاجية بصورة مباشرة ( وغير المشتركين بصورة غير مباشرة ) في ظل الإطار الحضاري نفسه.

المشكلة الاقتصادية:

تتمثل المشكلة الاقتصادية في المذهب الاقتصادي الرأسمالي في قلة الموارد الطبيعية (الندرة) وتزايد الحاجات الإنسانية وتشعبها.

وفي المذهب الاقتصادي الماركسي تتمثل في مشكلة التناقض بين شكل الإنتاج وعلاقات التوزيع.

وفي المذهب الاقتصادي الإسلامي هي مشكلة الإنسان نفسه، الظلم والطغيان. ” إن الإنسان لظلوم كفار“.

الاقتصاد الإسلامي:

الاقتصاد لغة هو: التوسط والاعتدال واستقامة الطريق، وهذه المعاني نصت عليها الآيات القرآنية في العديد من المواضع. قال الله تعالى: ”واقصد في مشيك“[لقمان،19] وقال عز وجل ”منهم أمة مقتصدة“ [المائدة، 66] وقال سبحانه ”والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما“ [الفرقان، 67] وقوله تعالى ”وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين“ [الأعراف، 31].

فمصطلح الاقتصاد الوارد في القرآن الكريم وفي الحديث النبوي يعني التوسط المحمود بين طرفي الإفراط والتفريط، كالتوسط في قوله تعالى: ”ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط“ [الإسراء،29]

واصطلاحا: يطلق “الاقتصاد الإسلامي” على الطريقة الإسلامية في تنظيم الحياة الاقتصادية، والتي تتشكل من خلال تفاعل معايير كمية مادية، وأخرى قانونية شرعية، وثالثة نفسية تربوية.

الهيكل العام للاقتصاد في النظرية الإسلامية: (الملكية / الإنتاج / التوزيع)

يقوم الاقتصاد في النظرية الإسلامية ويتأسس على مبادئ ثلاثة، وهي كالتالي:

أولا: مبدأ الملكية المزدوجة.

ثانيا: مبدأ الحرية الاقتصادية في نطاق محدود.

ثالثا: مبدأ العدالة الاجتماعية.

أصول هادية:

تحكم علاقة المسلم بالمال ومتاع الدنيا أصول ثلاثة:

   1) أن يملك الدنيا ولا تملكه.(الاقتصاد وسيلة لغاية عظمى ” تحقيق العبودية لله”)

   2) أن يتسبب لكسب معاشه ومعاش أهله حيث أقامه الله، ويجد لينفع بنشاطه الاقتصادي أمته. (العمل عبادة، والسعي الاقتصادي من جملة العمل)

   3) أن يكسب من حل وينفق في حل، لا يحتكر ولا يبذر ولا يكنز.(الالتزام بضوابط الشريعة في المال، كسبا وإنفاقا…)

هم مزدوج:

قضايا الملكية، والإنتاج، والتوزيع تطرح في الإسلام بهم مزدوج :

أ- هم بلوغ الفرد إلى كماله الإنساني الروحي في نهاية رحلته في هذه الدار. ولا بد له في هذه الرحلة من زاد مادي، وسعي لكسبه، وتصرف حكيم في إنفاقه، لكيلا يصبح هم الزاد عائقا عن التقدم في الطريق إلى الله.

ب- هم قيام الأمة، واستقلالها الاقتصادي، وأمنها وقوتها.

المبدأ الأول: الملكية / حيازة المال

لا يتفق الإسلام مع المقترح الرأسمالي في الملكية الخاصة الجشعة، كما لا يرى العلاج في نقل الملكية من الأفراد للدولة، ما دام الظلم والعدوان نابعين من أعماق النفس البشرية التي لا يكفي تغيير البنيات السياسية الاقتصادية لتطهيرها وضبطها.

ملكية مزدوجة: ملكية ذات أشكال متنوعة بدلا عن مبدأ الشكل الواحد للملكية.

فالإسلام يؤمن بالملكية الخاصة، والملكية العامة، وملكية الدولة، ويخصص لكل واحد من هذه الأشكال الثلاثة للملكية حقلا خاصا تعمل فيه، ولا يعتبر شيئا منها شذوذا واستثناء، أو علاجا مؤقتا اقتضته الظروف.

مبدأ الاستخلاف الخاص(الاستخلاف في المال):

يتأسس مبدأ الاستخلاف الخاص على حقيقتين اثنتين، وهما:

  • المال مال الله: قال سبحانه: “وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ” [النور، 33 ].
  • الإنسان مستخلف في المال: قال سبحانه:” آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ” [الحديد،7].

وبالتالي يرسي مفاهيم أساسية:

  • يعطي مفهوما متميزا للملكية و الحيازة (التملك): فالإنسان وكيل و مستخلف، و المال الذي في حوزته في حكم الوديعة و العارية.
  • يؤكد مفهوم التصرف المقيد: ما دام الإنسان وكيلا في مال الله، ليس له مطلق الحرية لما في حوزته، و مدعو للخضوع لشرع الله في كل تصرفاته المالية، حيازة وكسبا و إنفاقا…

المبدأ الثاني: الإنتاج

يمتاز منهاج الإنتاج والكسب الإسلامي عن المنهاج الغربي بشقيه الماركسي والرأسمالي بجمعه بين الباعث الحيوي الديناميكي وبين الرادع القانوني، فيقر حرية النشاط الاقتصادي في إطار القيم والأحكام الشرعية.

مبدأ الحرية الاقتصادية في نطاق محدود:

تؤطر النظرية الإسلامية الحرية الاقتصادية وتوجهها من خلال ما يلي:

أ ‑ التحديد الذاتي الذي ينبع من أعماق النفس ويستمد قوته ورصيده من المحتوى الروحي والفكري للشخصية الإسلامية.

ب ‑ التحديد الموضوعي الذي يعبر عن قوة خارجية تحدد السلوك الاجتماعي وتضبطه، وهنا نتحدث عن سلطة وقوة الشرع. وقد تم تنفيذ هذا المبدأ بأمرين، وهما:

    * التنصيص على منع مجموعة من النشاطات الاقتصادية والاجتماعية…

    * مبدأ الإشراف العام للدولة على النشاط وتدخلها لحماية المصالح العامة وحراستها.

مصادر الإنتاج:

  • الأرض.
  • المواد الأولية.
  • المياه الطبيعية.
  • بقية الثروات الطبيعية. (وهي وفيرة ولله الحمد في بلاد المسلمين)

ضرورات ملحة في الإنتاج:

  • احترام الملكية الخاصة التي لا تضر بالمصلحة العامة.
  • تحرير القوة العاملة من قبضة رأس المال، واعتبار العمل القيمة الأسبق في الاقتصاد، وإيجاد فرص التشغيل للقادرين.
  • تشجيع المبادرة الفردية والتعاون والاستثمار في القطاعات المنتجة.(الصناعة والتجارة)
  • تأميم المصارف ووسائل الإنتاج الأساسية المتصلة بالمصالح العامة.
  • تدخل مسؤول وراشد للدولة في الإنتاج وتكوين وتدريب الخبرات اللازمة.
  • إصلاح زراعي (إحياء الموات، وتنظيم الأراضي، وتشجيع العاملين).
  • تنشيط السوق الداخلي وتوسيع السوق الخارجي للمنتجات الإسلامية.

المبدأ الثالث: التوزيع

هدفان أساسيان ترمي إلى تحقيقهما الدولة الإسلامية:

  • العدل الاجتماعي في الداخل.
  • القوة على دفع العدوان الخارجي.

العدالة الاجتماعية:

 للإسلام نظامه في توزيع الثروة في المجتمع الإسلامي وفق مبادئ التكافل العام والتوازن الاجتماعي.

ملاحظات ثلاث:

  • ليكون التوزيع العادل ممكنا لا بد من جهاد اقتصادي. ( لا توزيع بدون إنتاج)
  • المسلمون في السوق العالمية مع المستضعفين طبعا وشرعا.
  • العدل الإسلامي توازن في القسمة، واتزان في عمارة الأرض.

الخطوط العامة للإجراء الشرعي في توزيع الثروة:

  • احترام الملكية الفردية التي لا تتعارض مع المصلحة العامة (محاربة السفه، والاحتكار، والاكتناز، ونزع الملكية الظالمة وإعادة تنظيمها).
  • احترام الإرث وفرائضه كما حددها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم واجتهاد الأئمة. والإرث من أهم وسائل توزيع الملكية ومنع تركزها.
  • تنظيم جمع الزكوات وتوزيعها، وتلحق بالزكوات الصدقات التطوعية. (العدل الإلزامي والإحسان التطوعي).
  • التقلل ومحاربة التبذير.
  • مراعاة مراتب الحاجة (الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات).

عود على بدء:

 إن النظرية الإسلامية في الاقتصاد تشكل جزءا من كل، وفرعا من دوحة باسقة، لذلك وجب توفير التربة الصالحة والرعاية اللازمة لنبتة “الاقتصاد” كي تحيا، وتنمو، وتينع، وتؤتي أكلها في كل حين ومصر بإذن ربها، ولن يتأتى ذلك إلا ب”أسلمة” شاملة لجميع شعب الحياة ومجالاتها.

* باحث في المالية الإسلامية / خريج دار الحديث الحسنية وحاصل على الدكتوراه في فقه الأموال.

اظهر المزيد

د. محمد الجعواني

حاصل على الدكتوراه في فقه الأموال، خريج دار الحديث الحسنية، وباحث في المالية الاسلامية، وأستاذ التربية الاسلامية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: