القرآن والتاريخية عند محمد أركون

1- مفهوم التاريخية

تنتسب التاريخية (historicité) إلى التاريخ (histoire) مما يحيل إلى الماضي، وإلى قطيعة مع الحاضر أو المستقبل. فتاريخية شيء ما يعني تجاوزه الحاضر ولم يعد سوى ذكرى أو تاريخ. فما هو مفهوم التاريخية عند محمد أركون وما تجلياتها ؟

وقبل ذلك سنعرض لمفهوم “تاريخية القرآن” كما يحدده الدكتور محمد عابد الجابري.

تاريخية القرآن تعني عند الجابري[2]:

1- “أنه وجد وجودا حقيقيا في زمان ومكان. وهو نفسه يؤكد ارتباطه بالزمان والمكان، يقول تعالى: ((وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا)) (الإسراء: 106)، هذا فضلا عن إشارته إلى أحداث تاريخية وقعت في عصره مثل:((الم، غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين))(الروم:1-3)…”

2- “بمعنى أنه ينتمي إلى الماضي، ولكنه في المقابل تاريخي بمعنى أنه كان حدثا تاريخيا أسس المستقبل فجعل تاريخ العرب، ثم تاريخ العالم، ينقسم إلى ما قبل ظهور الإسلام وما بعد قيامه وفتوحاته”.

3- أنه مرتبط بظروفه التاريخية، وهو يشهد على ذلك من خلال جداله مع خصومه، والملأ من قريش ومجادليه من أهل الكتاب، ومن خلال ما يعرف بالناسخ والمنسوخ وبأسباب النزول الخ، كل ذلك يشهد ويؤكد أنه مرتبط بظروف تاريخية معينة”.

4- والإشكال الذي يطرحه القول بتاريخية النص القرآني هو “تلك المشكلة المعقدة المعروفة في تاريخ الفلسفة بمشكلة “علاقة الفكر بالواقع”، وفي علم الاجتماع بمشكلة “علاقة المعرفة بالمجتمع وأطره”. ووراء هاتين المشكلتين تثوي مشكلة فلسفية أكثر تعقيدا –على الأقل في زمانها- هي مشكلة الأبدي والزمني، مشكلة المطلق والنسبي…”

إن وصف القرآن الكريم بالتاريخية إنما هو وصف قدحي نجد معناه في النقطة الأخيرة من نقط الجابري الأربع. وإذا كان هذا الأخير يرى أن وراء مشكلة علاقة الفكر بالواقع مشكلة كبرى تتمثل في الأبدي والزمني، أو النسبي والمطلق، فإني أرى أن هذه المشكلة هي السبب الرئيس في القول بتاريخية النص القرآني من أجل تجاوزه وطرحه. ولعل التاريخية هي وجه من وجوه التفكيك (déconstruction) وهو عمود منهج أركون النقدي.

مفهوم التاريخية عند أركون:

في نظر أركون تعني التاريخية أن “حدثا ما قد حصل بالفعل وليس مجرد تصور ذهني كما هي الحال في الأساطير، أو القصص الخيالية، أو التركيبات الإيديولوجية”[3]. فهل يمكننا اعتقاد البراءة في هذا التعريف ؟

لا يمكن للقارئ أن يفهم المراد من هذا التعريف إلا إذا استقصى معاني التاريخية عبر المتن الأركوني وتمثلاته لها، حيث يدله على التاريخية بصفتها:

  • “نقطة الانطلاق الإجبارية من أجل الافتتاح المنهجي للعقلية العلمية”[4].
  • “اللامفكر فيه الأعظم بالنسبة لتاريخ الفكر الإسلامي”[5].

وهذا لا يتم في نظر أركون إلا بتوضيح المفاهيم الآتية التي يعتبرها مفاهيم مفتاحية:

1- مفهوم الدوغمائية وكيفية اشتغال روحها، ويحيلنا هنا إلى أعمال ج.ب ديكونشي[6] الذي يقول: “إن الدوغمائية تنظيم معرفي مغلق قليلا أو كثيرا من الاعتقادات واللااعتقادات المتعلقة بالواقع، إنها متمركزة حول لعبة مركزية للاعتقادات، ذات مفعول مطلق، وهي تولد سلسلة من النماذج للتسامح واللاتسامح فيما يخص الآخر”[7].

2- مسألة المرور من مرحلة الفكر الأسطوري (mythique) إلى مرحلة الفكر التاريخي الإيجابي ( الواقعي ) الذي لم ينجز بالصفة المطلوبة في أية حضارة من الحضارات. ويكتفي أركون هنا بالقول بأن “إعادة الاعتبار للفكر الأسطوري، في الغرب، تمثل رد فعل على مرحلة الانتصار المتطرف للعقل التكنيكي، المركزي-المنطقي، والوضعي…”[8]

3- فلسفة اللغة، وهي تختلف باختلاف الفكر المستخدم. أما لغة القرآن، في نظر أركون، فهي “تأخذ قيمة تنظيم نحوي وفضاء معنوي ( سيمانتي ) نموذجي ومتعال: ذلك أنه لن يمكن للفكر … إنشاء سيمانتيك متناسب مع معطيات التاريخية. على العكس من ذلك، فإنه ينبغي عليه ( على الفكر ) أن يتخذ له كهدف نهائي، فهم المعنى الأصلي ( الأولي ) المودع في الكلام الموحى وذلك من أجل إخضاع التاريخية إلى معايير ثابتة…”[9] لكن، لا نقطة من هذه النقط درسها أركون.

2- القرآن والأسطورة

 صرح أركون غير ما مرة أن القرآن “خطاب ذو بنية أسطورية”، ومن أجل أن يصحح ما ذهب إليه الناس في فهمهم لهذا القول قال: “إن مفهومات “خطاب” و”أسطورة” و”بنية” لم يفكر فيها بعد كما ينبغي في الفكر العربي المعاصر. ولن تؤدي المناقشة إلى أية نتيجة صالحة إذا ما تمسك هذا الطرف المذكور بأحكام فقه اللغة التقليدي والتاريخ الروائي-الخطي واستخدام القرآن لمفهوم الأسطورة”[10].

ويذهب إلى أن القرآن الكريم يعتمد الأسطورة من أجل تعليم الحقيقة. ولبيان هذا الأمر يورد الآية الكريمة الآتية: (( وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين ))( هود: 120). ومنها يوضح:

أولا: القصص التي تخص الأنبياء

يقول أركون: “إن تأثير هذه القصص على وعي سامعي القرآن مختلف بحسب طريقة التلقي؛ أي إنها إما تتلقى عن طريق الوعي الأسطوري الدوغمائي، وإما عن طريق الوعي التاريخي ( استدعاء التاريخية ). مهما يكن من أمر، فإن مهمة التحليل التاريخي لا تتركز في الكشف عن المؤثرات التي أتت من مصدر موثوق وصحيح هو التوراة، وبالتالي، إدانة الأخطاء والتشويهات والإلغاءات والإضافات التي يمكن أن توجد في النسخة القرآنية بالقياس إلى النسخة التوراتية. هنا يكمن، كما هو معروف، الهم الأساسي للنقد الفيلولوجي. إنه لينبغي، على العكس، أن نبين فيما إذا كان الإخراج الأدبي ( الصياغة الأدبية ) للقصص القرآني… قد تمكنت من توصيل حقيقة كينونية مؤسسة للوجود، وشكلت نظرة الإنسان، أم أنها اكتفت فقط بالمحاجة الجدالية لرفض المعارضين (الجاحدون العرب، اليهود، المسيحيون)”[11].

ثانيا: تثبيت الفؤاد

هذا التعبير في نظر أركون هو من أجل تقوية الموقف العاطفي من أجل تلقي الصور المثالية والتقديمات والتحديدات والأوامر والنواهي الموجهة من قبل الله تعالى. وباستخدام اللغة البسيكولوجية-الألسنية يقول أركون: “هذا التثبيت للقلب هو ما يدعى بنظام لذات أي شبكة الإدراك الحسي وحل رموز الواقع  وتركيبها. هذه الشبكة هي نفسها شبكة الخطاب “القرآني” وقد استبطنه قلب المؤمن شكلا ومضمونا…”[12]

 ثالثا: الحق

سمى أركون الحق أو الحقيقة بالمفهوم المفتاحي للقرآن، ويرى أن “التاريخ المروي من قبل الله، كمحل لتظاهرات النماذج الكينونية (Paradigmes existentiaux) المحركة من للتاريخ والوجود أو بمثابة نماذج عليا ينبغي أن يقتدي بها الوجود البشري. إنه يساهم في أسطرة  التاريخ العادي للبشر (التحريك الروحي بواسظة الأسطورة)”[13].

رابعا: موعظة وذكرى

يقول أركون: “يفترض هذان المفهومان وجود زمن مثالي منسجم وثابت هو زمن القيمة الخالدة؛ ذلك أن القصة أو ( الحكاية ) توجه اندفاعة القلب وحماسته نحو معان ماضية، ولكن هذه المعاني تبقى مسايرة لحاضر الإنسان ولمستقبله… نجد، من خلال القصص القرآني، أن وعيا تاريخيا بدئيا يميل إلى الظهور والانبثاق ضمن دائرة الوعي الأسطوري السائد. ولكن الكتابات التفسيرية قد بينت أن هذا الانبثاق كان دائما محدودا”[14].

 خامسا: المؤمنون

يرى أركون أن لهذا المفهوم قيمتين تبينان مدى تداخل التاريخ والأسطورة في القرآن، ويقول: “إن هذا المفهوم يحيلنا إلى مفهوم الأمة، أي الأمة الروحية للمخلوقات البشرية التي كانت قد لمست من قبل الحقيقة ( الحق ). إن الأمر عندئذ ليس فقط بأمة فوق تاريخية وإنما بأمة ما وراء التاريخ وذلك لأن المؤمنين سوف يبعثون يوما من قبورهم من أجل الحياة الأبدية”[15]. ثم يستدرك أن المؤمنين ليسوا سوى مجموعة بشرية تلقوا “الإسلام الميتافيزيقي” وهاجروا بعد ذلك من مكة إلى المدينة فشكلوا مجتمعا تاريخيا مزودا بدولة… وهكذا تلتحم الأسطورة بالتاريخ !

3- أسباب النزول

عندما تذكر التاريخية يذكر معها مفهوم أسباب النزول، وكأنهما يشكلان وجهين لعملة واحدة. وهذا ناتج عن أحد أمرين:

الأول: أن يكون هناك سوء فهم لمفهوم أسباب النزول، وما ألف حوله من الكتب الخاصة بالموضوع، أو ما ورد في كتب التفسير.

الثاني: أن يكون هناك تعامل مغرض مع الوحي من أجل إضفاء صفة التاريخية عليه في أفق تجاوزه.

وقد كان لمحمد أركون رأي خاص في الموضوع سأشير إليه بعد أن أشير إلى أن لمعرفة أسباب النزول فوائد ذكرها السيوطي والشاطبي وهما علمان من أعلام المسلمين.

 أسباب النزول عند العلماء :

* فوائد أسباب النزول عند السيوطي:

– “معرفة وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم”.

– “تخصيص الحكم به عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب”.

– “الوقوف على المعنى وإزالة الإشكال”[16].

ولقيمة أسباب النزول، فقد خصها جماعة من العلماء بالتأليف، كعلي بن المديني، والواحدي النيسابوري، والسيوطي…

* وجعل الإمام الشاطبي رحمه الله معرفة أسباب التنزيل لازمة لمن أراد علم القرآن، واستدل على ذلك بأمرين:

“أحدهما: أن علم المعاني والبيان الذي يعرف به إعجاز نظم القرآن – فضلاً عن معرفة مقاصد كلام العرب – إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال، حال الخطاب من جهة نفس الخطاب، أو المخاطِب، أو المخاطَب، أو الجميع؛ إذ الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب حالين، وبحسب مخاطبين، وبحسب غير ذلك كالاستفهام لفظه واحد، ويدخله معان أُخر من تقرير وتوبيخ وغير ذلك. وكالأمر يدخله معنى الإباحة والتهديد والتعجيز وأشباهها، ولا يدل على معناها المراد إلا الأمور الخارجة، وعمدتها مقتضيات الأحوال… ومعرفة الأسباب رافعةٌ لكل مشكل في هذا النمط، فهي من المهمات في فهم الكتاب…

الوجه الثاني: وهو أن الجهل بأسباب التنزيل موقع في الشبه والإشكالات، ومورد للنصوص الظاهرة مورد الإجمال حتى يقع الاختلاف، وذلك مظنة وقوع النزاع”[17].

ولقد كان الصحابة رضي الله عنهم علماء مجتهدين في معرفة سبب النزول ولذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه: “والله الذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله تعالى إلا وأنا أعلم فيمن نزلت، ولو كنت أعلم أحداً أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه”[18].

أسباب النزول عند بعض مفكري الحداثة:

لكن بعض المعاصرين أعرضوا عن المفهوم المعروف لأسباب النزول كما نُظر له من قبل العلماء السابقين، فذهبوا إلى ربط أسباب النزول بالتاريخية، بل اعتبروه دليلا قويا على تاريخية النص القرآني.

فهذا حسن حنفي يرى أن “ما عبر عنه القدماء باسم أسباب النزول لهو في الحقيقة أسبقية الواقع عـلى الفكر ومنـاداته له، كما أن ما عبر عنه القدماء باسم -الناسخ والمنسوخ- ليدل على أن الفكر يتحدد طبقًا لقدرات الواقع وبناء على متطلباته، إن تراخى الواقع تراخى الفكر، وإن اشتد الواقع اشتد الفكر”[19].

وقد تبنى الفرنسي المسلم روجيه جارودي هذا الموقف في كتابه «الإسلام»، حين أعلن أن “القانون الإلهي، الشريعة، يوحد المؤمنين كلهم، في حين أن الزعم بفرض تشريع القرن السابع الميلادي وللجزيرة العربية، على الناس جميعهم في القرن العشرين، إنما هو عمل يعطي صورة مزيفة، رافضة، للقرآن الكريم، إنها جريمة ضد الإسلام”[20].

وفي نظر جارودي أن القرآن الكريم والسنة لم يشرعا في المطلق، “إنهما  أدليا بإجابات إلهية. ولكنها دائمًا تاريخية، ومشخصة عن مشكلات مجتمع أقل تعقيدًا من مجتمعنا”[21].

وهذه حجة محمد النويهي أيضا الذي يرى أن “كل التشريعات التي تخص أمور المعاش الدنيوي والعلاقات الاجتماعية بين الناس، والتي يحتويها القرآن والسنة، دعك من سائر مراجع التشريع الإسلامي، لم يقصد لها الدوام وعدم التغير، ولم تكن إلا حلولاً مؤقتة احتاج لها المسلمون الأوائل وكانت صالحة وكافية لزمانهم وبيئتهم، فليست بالضرورة ملزمة لنا، ومن حقنا، بل من واجبنا، أن ندخل عليها من الإضافة والحذف والتعديل والتغيير ما نعتقد أن تغير الأحوال يستلزمه، وما نعتقد أنه الآن أكفل بتحقيق الغايات الإسلامية العليا”[22].

ولم يبتعد نصر حامد أبو زيد عن هذا حين قال: “وإذا قرأنا نصوص الأحكام من خلال التحليل العميق لبنية النصوص، وفي السياق الاجتماعي المنتج للأحكام والقوانين، فربما قادتنا القراءة إلى إسقاط كثير من تلك الأحكام، بوصفها أحكاما تاريخية، كانت تصف واقعا أكثر مما كانت تصنع تشريعا، وحتى العقائد بهذه القراءة التاريخية هي تصورات مرتهنة بمستوى الوعي وبتطور مستوى المعرفة في كل عصر. والنصوص الدينية قد اعتمدت في صياغة عقائدها على كثير من التصورات الأسطورية في وعي الجماعة التي توجهت إليها بالخطاب”[23].

إن نصر حامد أبو زيد تجاوز أسباب النزول إلى التاريخية، بل ربط كل حكم كان له علاقة بذلك المجتمع بالتاريخية. ولم يقتصر على الأحكام العملية (التشريعات)، بل تعداها إلى الاعتقادية منها. وحجته في ذلك أن العقيدة ارتبطت بتصورات أسطورية ! وهنا يلتقي أبو زيد مع محمد أركون في اعتبارهما الإيمان ومقتضياته أسطورة !

لكن محمد أركون يدعو إلى عدم الخلط بين التاريخية وأسباب النزول، معتبرا أن “علم أسباب النزول ينقل الأسباب المباشرة التي أدت إلى نزول الوحي أو رافقته… إن السبب ليس إلا حجة أو ذريعة من أجل إطلاق حكم أو أمر أو تثبيت معيار معين أو تحريم شيء محدد”[24]. كما أن “القصص العديدة تشكل الخلفية الأسطورية التي تفسر لنا سبب نزول كل آية من آيات القرآن”[25].

يبدو هنا وكأن محمد أركون يتفق مع القول السائد في علوم القرآن والذي يرى “حجة” للحكم، وكان من الممكن أن يكون الحكم ولو بدون سببه. لكنه يرفض أن يكون الحكم مطلقا من غير سبب ويلح على استعادة أسباب النزول، وكذلك الناسخ والمنسوخ، من أجل “أن ندرسها من جديد ونعيد كتابة التاريخ الحقيقي للنص القرآني”[26].

إن هدف أركون من هذه الدراسة إعادة ترتيب القرآن الكريم بحسب نزوله. لكن، هل سيسعفه ما جمع من أسباب النزول في المؤلفات المخصصة لذلك وفي غيرها، وكذلك الناسخ والمنسوخ، للقيام بهذه الدراسة ؟ وما العمل فيما نزل من القرآن ابتداء، من غير سبب؟

والحقيقة أن ما عرف بأسباب النزول إنما يدلنا على إجابات الوحي عن أسئلة الواقع وقضاياه، يرشّدها ويقوّمها، ولا يدل على أن الوحي في فترة نزوله كان يساير الواقع ويتكيف وِفْقه أو يخضع له.

ثم إن أسباب النزول، ومنها القصص وهي واقعية، هو منهج الوحي في تعليمنا، ولا تدل أبدًا على أن النص أو الحكم المنزل خاص بسببه وواقعه، وإنما اقتضت رحمة الله عز وجل أن يكون هناك سبب لنزول الوحي، حتى نتعلم ونفهم أوامر الشرع ونواهيه، ونطبقها كما أراد لها سبحانه وتعالى.

وخلاصة القول: إن أسباب النزول “تعطي مؤشراً واضحاً أن النص أو التكليف جاء استجابة وحلاً للحالة التي يعاني منها الناس، ليكون أنموذجاً يجرد من الزمان والمكان ويولد في كل زمان ومكان، ذلك أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما يقول علماء الأصول”[27].

أما عند محمد أركون فهي الهدف الأسمى، يجند له كل الاكتشافات العلمية، فيستشهد بهذه المدرسة وبذلك العلم. وهدفه من الدراسة الألسنية والسيميائية الوصول إلى تاريخية النص القرآني. لكن، مع هذا وذاك فإنه يساوي كلام الله تعالى بكلام البشر، ويجعل القرآن الكريم نصا أدبيا. وهذا لن يخدم هدفه، لأن القرآن وحي وأدبه معجز لا يتأثر إعجازه لا بزمان ولا بمكان، قائم إلى يوم القيامة.

ومن جهة أخرى، فإن أركون لم يقدم، كعادته، دليلا يفيد بتاريخية القرآن من داخل النص القرآني. وهذا أوضح عيوب أركون المنهجية. إنه يبدو كمن يضع لبنات بناء مبعثرة من دون قدرة على البناء، أو حتى على ترتيبها. فهل يعجز أركون عن ذلك ؟ أم يتركه لمن بعده؟

لا يشك القارئ أن صاحب الفكرة هو الأقدر على تمثلها وتنزيلها على أرض الواقع، وإلا فكيف لغيره وهو غير متمثل لها أن ينزلها على أرض الواقع ؟ وهذه المعضلة لا نجدها في هذه النقطة فقط، وإنما نجدها في مواطن كثيرة من المتن الأركوني.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[2] جريدة الاتحاد الإماراتية بتاريخ 22-6-2004 ، مقال: شعار”تاريخية النص”…لبس هو الحل!

[3] – محمد أركون، القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني ص 48.

[4] – محمد أركون، الفكر الإسلامي.. قراءة علمية ص 124.

[5] – محمد أركون، القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني ص 48.

[6] – J.P Deconchy : Milton Rokeach et la notion de dogmatisme, in Archives des Sociologies des Religions, 1970/30.

[7] – محمد أركون، القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني ص 13.

[8] – محمد أركون، الفكر الإسلامي.. قراءة علمية ص 126.

[9] – نفسه ص 127.

[10] – محمد أركون، تاريخية الفكر العربي ص 10.

[11] – محمد أركون، الفكر الإسلامي.. قراءة علمية ص 130.

[12] – نفسه. نفس الصفحة.

[13] – نفسه ص 131.

[14] – نفسه. نفس الصفحة.

[15] – نفسه ص 132.

[16] _ السيوطي، الإتقان في علوم القرآن 1/59.

 [17] – الشاطبي، الموافقات 3 / 294-295.

 [18]- البخاري رقم 5002.

[19] – حسن حنفي، التراث والتجديد ص 13.

[20] – روجيه جارودي، الإسلام، ترجمة وجيه أسعد، دار عطية للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 1996، ص 126.

[21] – نفسه ص 111.

[22] – راجع محمد النويهي، نحو ثورة في الفكر الديني منشورات الآداب، بيروت، ط1، 1983، ص 152.

[23] – نصر حامد أبو زيد، نقد الخطاب الديني القاهرة 1992، ص 106.

[24] – محمد أركون، الفكر الإسلامي.. قراءة علمية ص 91.

[25] – محمد أركون، القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني ص 30.

[26] – محمد أركون، الفكر الإسلامي.. قراءة علمية ص 265.

[27] – عمر عبيد حسنه في تقديمه لكتاب فقه الواقع.. أصول وضوابط، أحمد بوعود، دار السلام القاهرة، ط1، 2006، ص18.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: