منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الأمازيغية لغة واحدة

0
اشترك في النشرة البريدية

 الأمازيغية نتاج لتطور اللغة

       لقد أثار انتباهنا ذهاب الأستاذ الدكتور إدريس بوكراع،[1] إلى أن جميع اللغات لم تعرف في بداياتها لهجات متعددة، وإنما كانت لغات أحادية موحدة[2]، ومنه أن اللغة العربية كانت في زمن من الأزمان لغة عربية واحدة، وإلا فلماذا سمي القوم المتكلم بها أعرابا؟ والشيء نفسه في باقي اللغات، والحق أن هذا الأمر منطقي إلى حد كبير، ما دامت الوحدة هي الأصل في كل شيء، إذ لم يقل أحد حسب علمنا، أن آدم كانت له لغات متعددة، وإنما تعددت اللغات بتعدد الذوات المتكلمة، ومن المفترض أن تتحول اللهجات التي نعرفها اليوم إلى لغات مستقلة، حيث كلما تباعدت الذوات المتكلمة زمانا ومكانا، إلا وتباعدت اللهجات داخل لغة واحدة وازدادت الاختلافات بينها شساعة، وازدادت استقلال بعضها عن بعض.

      وما يزكي هذا الطرح هو التطور الذي تشهده كل لغة بشرية، حيث تتغير المعاني والدلالات من زمن لآخر، كما تظهر ألفاظ جديدة وتهجر أخرى، مما سيعطينا في نهاية المطاف لغتين مختلفتين كانتا في البداية لهجتين من لغة واحدة، ثم إن هاتين اللغتين الجديدتين سوف تتفرع بدورها إلى لهجات أخرى، وكذا دواليك.

       لقد جاءت هذه الإشارة بأيام قليلة بعدما أشرت إلى أن اللهجات الأمازيغية كلها تعود لأصل واحد، وذلك في جماعة (اللغة الأمازيغية تحت المجهر)[3]، فلا شك أن المتتبع للهجات الأمازيغية المختلفة من سوس بالجنوب صعودا نحو الأطلسين المتوسط والكبير، وصولا إلى الحسيمة وفجيج شرقا، ثم المقارنة بين هذه اللهجات فيما بينها وعلاقاتها باللهجات المتداولة بدول شمال إفريقيا، سوف يدرك أن هناك قدرا مشتركا من الألفاظ، وهو ما اخترنا أن نسميه بالقاموس الأمازيغي المشترك، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فهناك اتفاق كبير بين عدد كبير جدا من الألفاظ، مع اختلاف بسيط سواء في بعض الأصوات أو الدلالات والمعاني، أو غيرها من المستويات اللغوية التي تدرس اللغة في إطارها، وهو ما سنحاول الوقوف عنده في القادم من البحوث بإذن الله تعالى.

المزيد من المشاركات
1 من 51

الأمازيغية تفرع عن أصل    

 لا شك أن اللهجات بصفة عامة، والأمازيغية بصفة خاصة هي تفرعات لهجية عن لغة واحدة، كانت في البداية بدورها لهجة إلى جانب لهجات أخرى كلها متفرعة عن لغة واحدة، وهي الحقيقة التي لا يمكن إنكارها، بل هي بديهية إذا سلمنا بالتقسيم الثلاثي للغات الإنسانية إلى السامية، نسبة إلى سام الابن الأول لنبي الله نوح عليه السلام، والحامية نسبة إلى ابنه الثاني حام، واليافيثية نسبة إلى يافث ابنه الثالث، وهو ما يؤكد أن اللغات في هذه المرحلة كانت لا تخرج على ثلاث لغات، لتتفرع بعد ذلك إلى لهجات متعددة ومستقلة، تمكنت في مرحلة أخرى متقدمة بأن تصبح لغات مستقلة، مع أنها فرع عن إحدى اللغات الثلاث الأولى، أو بالأحرى اللهجات الثلاث، فما دام أنها تعود لثلاثة إخوة لاشك أنها كانت لغة واحد عند الأب قبل كل شيء، واللغات البشرية التي توجد اليوم على هذه الأرض كلها تعود إلى هذا الأصل الواحد.

إشكالية البحث في أصل الأمازيغية

      يجد معظم الباحثين أنفسهم أمام إشكالية الأصل في هذه اللهجات، فمعظم المهتمين يثيرون إشكالية اللهجة الأصل لهذه اللهجات، والحديث عن هذا الموضوع لا يخلوا من الغلو والافتراض دون اعتماد الأدلة ومقارعة الحجة بالحجة، وهو في نهاية المطاف أمر معقد يحتاج لكثير من التريث والبحث الدقيق قبل إصدار الأحكام المطلقة هنا وهناك دون أدنى قدر ممكن من العلمية والموضوعية في تناول الموضوع، ومن جهة أخرى فانعدام المراجع المكتوبة والمخطوطات كلها تعرقل مسيرة البحث في هذه القضايا، مما يجعلنا مضطرين للنزول إلى الشارع الأمازيغي العام للسماع والملاحظة اللسانية العلمية الدقيقة بعيدا عن الحمولة الفكرية والقبلية العصبية في تناول المعطيات اللسانية.

        إننا نقترح إلغاء كل الافتراضات والتخمينات التي أقرتها بعض الجهات المندفعة وراء العاطفة والايديولوجية التي لم تستند إلى أي أساس علمي في إثبات الحقائق، مع الاستناد إلى المجهودات العلمية المنجزة في المجال، والتركيز على المتكلم الأمازيغي في قريته الجبلية واستعماله للأمازيغية في تفاعلاته اليومية، ومحاولة تتبع تاريخ الألفاظ وما تتعرض له من تغير وتطور، قصد استنباط القضايا المهمة لخدمة اللغة الأمازيغية باعتبارها لغة كباقي اللغات.

ختاما

       و تأسيسا على ما سبق يمكن القول بأن اللغة الأمازيغية في أصلها لغة واحدة تفرعت بفضل مجموعة من العوامل إلى لهجات متعددة، يمكن الانطلاق من خلال تتبعها ودراستها والمقارنة بينها للوصول إلى هذه اللغة الأمازيغية الأولى، وهو ما يفتح أمامنا الباب على مصراعيه للغوص أكثر في أعماق هذه اللغة.


مقالات أخرى للكاتب
1 من 4

[1]  أستاذ بجامعة محمد الأول-وجدة-المغرب، تتلمذنا على يديه بسلك ماسر: (الدراسات اللغوية: قضايا ومناهج، الفوج العاشر،2017)، في علم المعجم بفرعيه: علم المفردات وعلم الصناعة القاموسية.

[2]  يعني أنها كانت لغة واحدة عند كل المتكلمين بتلك اللغة، ولم تكن تعرف أي لهجة ضمنها، وهي لاشك مرحلة متقدمة في كل اللغات الانسانية.

[3]  الأمازيغية تحث المجهر: اسم مجموعة قمنا بإنشائها نحن مجموعة من الطلبة الباحثين بسلك ماستر: (الدراسات اللغوية: قضايا ومناهج)، بجامعة محمد الأول، وجدة-المغرب، الفوج العاشر 2017، وكانت تعنى بطرح مجموعة من القضايا في اللغة الأمازيغية، ومن سمات قوتها أنها جمعت مختلف اللهجات الأمازيغية بالمغرب، وهو الأمر الذي فسح أمامنا الطريق للبحث في مجموعة من القضايا، وذلك من خلال المقارنة والمقاربة بين هذه اللهجات.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.