زغلول النجار.. العالم الذي حمل رسالة العلم والإيمان إلى العالمين
منار الاسلام
في التاسع من نونبر سنة 2025، طوى العالم الإسلامي صفحة من صفحاته المضيئة برحيل أحد كبار علمائه ودعاته المخلصين، العلاّمة الدكتور زغلول النجار، الذي توفاه الله تعالى في العاصمة الأردنية عمّان عن عمر ناهز اثنين وتسعين عامًا.
برحيله، يفقد المسلمون واحدًا من أبرز رموز الفكر والدعوة في العصر الحديث، وأحد الذين نذروا حياتهم لتجديد الصلة بين العلم والإيمان، بين العقل والنقل، بين الوحي والكون، في خطاب دعوي راقٍ جمع بين الصرامة العلمية والروح الإيمانية وبلاغة الحجة القرآنية.
عالم وداعية على امتداد الأرض
ولد الدكتور زغلول النجار في مصر، وتخرّج في كلية العلوم بجامعة القاهرة، ثم واصل دراساته العليا في الجيولوجيا بجامعات غربية مرموقة، ليعود بعد ذلك أستاذًا وباحثًا ومحاضرًا، قبل أن يتفرغ لرسالة العلم في خدمة الدعوة.
عرفه الناس داعية لا يعرف الكلل، وعالمًا يجوب الآفاق من مؤتمر إلى آخر، ومن منبر إلى شاشة، يتحدث عن الإسلام بلغة العلم، ويدافع عن القرآن بلسان العقل، حتى أصبح اسمه مرتبطًا بمجال الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، الذي حمل لواءه لعقود طويلة.
لم يترك بلدًا إلا وبلّغ فيه دعوة الله، ولم يعرف من التعب إلا ما يحفّز على مزيد من البذل. وكان يردد دائمًا في محاضراته ولقاءاته:
“نحن المسلمين بأيدينا الوحي السماوي الوحيد المحفوظ بحفظ الله كلمة كلمة وحرفًا حرفًا قبل أربعة عشر قرنًا من الزمان… وأريد لكل شاب وكل شابة مسلمة أن يحمل هذا المعنى في قلبه وعقله؛ ليشعر بمدى الأمانة التي على كتفيه”.
بهذا الوعي حمل رسالته إلى الأجيال، مؤمنًا بأن الدعوة لا تنفصل عن العلم، وأن على المسلم أن يسهم في بناء حضارة قائمة على المعرفة والإيمان معًا.
العلم طريق إلى الله
كان الدكتور النجار من أوائل العلماء الذين نادوا بضرورة أن يستعيد المسلمون الريادة العلمية، وأن يجعلوا من العلم وسيلة لفهم آيات الله في الكون، لا مجرد وسيلة نفعية دنيوية.
يقول رحمه الله:
“نحيا في عصر العلم، عصر وصل فيه الإنسان إلى قدر من المعرفة بالكون ومكوناته لم تتوفر في أي زمن من الأزمنة السابقة، ولما كانت المعارف الكونية في تطور مستمر، وجب على أمة الإسلام أن ينفر في كل جيل نفر من علمائها يتزودون بالأدوات اللازمة لتفسير كتاب الله”.
ولم يكن يرى الإعجاز العلمي بابًا للتكلف أو المبالغة، بل بابًا للهداية والتأمل؛ إذ كان يؤكد دائمًا أن القرآن الكريم كتاب هداية قبل أن يكون كتاب علوم، فيقول:
“أشار القرآن في محكم آياته إلى الكون ومكوناته بما يقارب ألف آية صريحة، بالإضافة إلى آيات تقترب دلالتها من الصراحة، وردت هذه الآيات من قبيل الاستشهاد على بديع صنع الله، ولم ترد لتكون معلومات علمية مباشرة”.
كان يلحّ على المتخصصين أن يلتزموا بالمنهج العلمي الصارم عند تناول قضايا الإعجاز، وأن “لا يوظف فيه إلا القطعي من الثوابت العلمية”، محذرًا من تحويل الإعجاز إلى خطاب عاطفي أو تخمينات غير منضبطة.
الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة
مما ميّز الدكتور زغلول النجار هو منهجه المتوازن في الدعوة، القائم على مخاطبة العقول والقلوب معًا.
كان حين يتحدث عن الإيمان يتحدث بلسان العالم الباحث، وحين يشرح آية كونية يتحدث بلسان العابد المتأمل في خلق الله، فجمع بين البيان القرآني والدليل العلمي، ليقرّب القرآن إلى الأذهان بلغة يفهمها الجيل المعاصر.
لم يكن خطاب الإعجاز العلمي عنده بابًا للمباهاة أو الجدل، بل جسرًا للهداية، ومدخلًا لإحياء الإيمان في نفوس الشباب الذين استهوتهم المادية المعاصرة.
وفي إحدى كلماته للشباب قال:
“أريد لكل شاب مسلم أن يدرك أن الله اصطفاه لحمل رسالة عظيمة، وأن عليه أن يقرأ هذا الكون بعين مؤمنة، فيرى في كل ذرة آية، وفي كل نظام دليلاً على وحدانية الخالق”.
إنتاج علمي ودعوي غزير
خلّف الدكتور النجار عشرات المؤلفات والمحاضرات والمقالات التي تناولت الإعجاز العلمي في الأرض والسماء والماء والجبال والإنسان، وشرح من خلالها التناسق البديع بين النص القرآني والحقائق الكونية الثابتة.
وقد تولّت وزارة الأوقاف القطرية طباعة عدد من كتبه ضمن سلسلة علمية رائدة، ساهمت في نشر ثقافة الإعجاز العلمي بلغة منهجية دقيقة، أثّرت في الأوساط الأكاديمية والدعوية في العالم الإسلامي.
كما شارك في تأسيس الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، وأسهم في تأطير أجيال من الباحثين، وأشرف على ملتقيات ومؤتمرات عالمية في الجامعات والمراكز الإسلامية عبر القارات.
الرحيل.. وبقاء الأثر
نعاه الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين قائلًا:
“فقد العالم الإسلامي اليوم علمًا من أعلامه، وعالمًا من علمائه المخلصين، الداعية والمفكر الإسلامي المعروف الدكتور زغلول النجار رحمه الله… بعد مسيرة علمية ودعوية حافلة بالعطاء في ميادين العلم والإيمان والدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة”.
لكن رحيله الجسدي لا يعني غيابه الفكري؛ فصوته الذي طالما صدح في القاعات والمنابر سيبقى حاضرًا في أذهان من استمعوا إليه، وكتبه ستظل مرجعًا للباحثين، وسيرته ستبقى مثالًا للعالم العامل، الذي عاش للإسلام عقلًا وقلبًا ولسانًا.
إرثٌ علمي وإيماني خالد
لقد مثّل الدكتور زغلول النجار جسرًا بين العلم التجريبي والوحي الإلهي، وبيّن أن المسلم الحق لا يعيش انفصامًا بين المختبر والمحراب، بل يجمع بين تدبّر كتاب الله المقروء (القرآن) وكتاب الله المنظور (الكون).
إن رحيله لا يُعد خسارة لشخص فحسب، بل خسارة لمدرسة فكرية دعوية متكاملة، آمنت بأن العلم سبيل إلى الإيمان، وأن الدعوة إلى الله يجب أن تخاطب الإنسان المعاصر بلغته وعقله.
رحم الله الدكتور زغلول النجار، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
﴿وإنا لله وإنا إليه راجعون﴾.