سماحة العلامة يوسف القرضاوي
الإنسان الرباني لقطات من خلال شعره
بقلم: د. رمضان خميس
سماحة العلامة يوسف القرضاوي من القلائل في الزمان الذين يصدق عليهم: (رجل ملأ الدنيا وشغل الناس) ولم يكن شغله للناس في حياته فحسب بل في حياته وبعد مماته، وهذا من النادر في حياة الناس.
ومن الناس من تسمع به فإذا قابلته رأيته أقل مما سمعت ومنهم من تسمع به فتراه مثلما سمعت ومن النادر أن منهم من تسمع به فتراه أعظم مما سمعت، ومن هذا الأخير الأثير النادر القليل: العلامة يوسف القرضاوي رحمه الله تعالى تسمع به فإذا اقتربت منه رأيت فيه أكثر مما توقعت رايت فيه القرضاوي الإنسان بقرويته وأصالته وطبعه وبساطته حتى يضيفك بنفسه وقد تكون في سن أولاده بل أحفاده.
يقول لك مبتسما ممازحا وهو يقدم لك (بعض الحلوى) كل من تمر الفرنجة.
لفت نظري في حياته جانب الربانية البادية التي لا تخطؤها العين العابرة فضلا عن المتأملة الراصدة، تتعامل معه فترى الربانية بادية في تأثره إذا تحدث وصدق لهجته إذا عبر كأنه كما وصف هو نفسُه غيرَه فقال:(محارب في معركة لا محاور في قضية).
والمتتبع لشعره وخطبه يجد هذه الربانية واضحة ثرية رخية ندية صادقة جلية كأنه متبتل في محرب أو منقطع في زاوية حتى رأيت بعض الأصحاب يهتف بأبياته وهو يطوف ببيت الله الحرام:
يارب في الأولى سترت نقائصي … فأتم سترك يوم عند أعرض
مالي سواك إذا الخطوب تفاقمت… أمري إليك على الدوام مفوض
لــــو كــــان لــــي رب ســـواك رجــوتـه … فـلـمـن أمـــد يـــدي ومـــن أسـتـقـرض
ربـــــاه إن رضـــــاك غـــايــة مــطـلـبـي … مــا ضـرنـي سـخـط الـبـرية أم رضـوا
وارفــــع مـكـانـي رب عــنـدك بـالـتـقى … مـــــن تــرفــع اللهم مــــن ذا يــخـفـض
وابــســط عــلــيّ عــطــاء رب بــاســط … بَــــرٍّ، فــــإن تـبـسـط فــمـن ذا يـقـبـض
انطراح على باب الله واضح وانكسار على عتباته بادي لا يخفى على ذي عينين أو قلب بصير
و تراه يقول:
يـاخـير مــن أعـطـى وأكــرم مــن عـفـا … وإذا دعـــــــاه مــــذنـــب لا يــــعـــرض
رب اســمــك الــغـفـار فــاعــف تـكـرمـا … يــدعــوك مــكـسـور الـجـنـاح مـهـيـض
أنــــتَ الـــذي أكـرمـتـني مــنـذُ الـصّـبـا … ورعـيـتـنـي، والــخـيـر مــنـكَ مـقـيَّـضُ
وغـرسـتني فــي الـدّيـن مـنذ حـداثتي … ووهـبـتـنـي فــضـلاً يــطـولُ ويــعـرُضُ
ورزقــتــنـي حـــــبَّ الأنـــــامِ تــفـضُـلاً … إنَّ الــمــحــبّـةَ بــالــعــصـا لا تُـــفـــرضُ
وغـمـرتـني بـالـفـضل مــن قـرنـي إلــى … قــدمــي، يــــراه مــحــدّقٌ أو مـغـمـضُ
فـــأتــمَّ بـالـغـفـران فــضـلـكَ والــرِّضــا … مــن ذاق حـلـوَكَ لـم يـطُق مـا يـحمُضُ
واجعل من العلم الذي علمتني … نورا يضيء وروح بعث ينهض
واحشرني في ركب الحبيب المصطفى … ومـــع الــذيـن لــوجـه ديــنـكَ بـيّـضـوا
وارزقـــنــي الإخــــلاصَ حــتّــى لا أرى … إلا وكـــلّــي فـــــي رضــــاكَ مــمـحَّـضُ
وامـــنـــن عـــلـــيّ بــنــفـحـةٍ عُــلــويّـةٍ … أشــفــى بــهــا مـــن كـــلِّ داءٍ يُــمـرضُ
لأظـــــلَّ لاســـمــكَ ذاكــــراً ومـسـبّـحـاً … كــي أُرتـضى فـيمن لـديكَ قـد ارتُـضوا
ولاحظ عمق التودد إلى الله تعالى من خلال: لأظل لاسمك ذاكرا ومسبحا…
أو تراه يخبت إليه إخبات المقر بذنبه المؤمل لعفوه فيقول:
يـــا مـــن لــه تـعـنو الـوجـوه و تـخـشع … و لأمـــــره كـــــلّ الــخــلائـق تــخـضـع
أعـــنــو إلــيــك بـجـبـهـة لــــم أحــنـهـا … إلاّ لـــوجــهــك ســــاجـــدا أتـــضـــرّع
و إلــيــك أبــسـط كـــفّ ذلّ لـــم تــكـن … يــومــا لــغـيـر ســـؤال فـضـلـك تــرفـع
أنــا مـن عـلمت الـمذنب الـعاصي الـذي … عــظـمـت خــطـايـاه فــجــاءك يــهــرع
والحظ ما في كلامه رحمه الله تعالى من مزج بين الخضوع لله وحده والعزة على من سواه:
لم تكن يوما لغير سؤال وجهك ترفع
والحظ: عــظـمـت خــطـايـاه فــجــاءك يــهــرع
ولاحظ هضم النفس وإنكارها في قوله:
كــــم مــــن نــفـوس بـالـهـدى ذكّـرتـهـا … فـمـضت كـمـا يـمضي الـجواد الـمسرع
أيـقـظـتـهـا لــلــحـقّ حـــيــن تـركـتـنـي … فـــــي غــفـلـة الــدّنـيـا أتــيــه وأرتــــع
يـــا حـسـرتـا ! أعـــظ الأنـــام ,فـلـيتني … نـفـسي وعـظـت , فـوعظ نـفسي أنـفع
وانتبه لقوله وهو يغمط نفسه ويصغرها في حضرة الله تعالى فيقول:
فـــتــرى عُـَـبــيـدَك تــائــبـا مـسـتـغـفـرا … و أراك غــــفّــــارا لــــذنــــب يـــفــظــع
أو تراه يصف وقوفه بين يدي مولاه واعتذاره عن عصيانه فيقول:
يــــا ربّ عــبــدك عــنـد بــابـك واقـــف … يـدعـوك دعــوة مــن يـخـاف و يـطـمع
فــإذا خـشـيت فـقـد عـصـيتك جـاهـلا … و إذا رجــــوت فــــإنّ عــفــوك أوســـع
يـــا ربّ إن أك فـــي الـحـقـوق مـفـرّطا … فــلأنــت أبــصــر بـالـقـلـوب و أســمــع
بــيـن الـجـوانح خـافـق يـهـوى الـتـقى … و يــضـيـق كــرهـا بـالـذنـوب ويــجـزع
و يـحـبّ ذكــرك، و الـقـلوب إذا خـلـت … مــــن ذكــــر ربّــــي فــهـي بـــور بـلـقـع
وانظر كيف يتودد إلى ربه ويعتمد على حبه له وإن كان عمله قلا، فإذا كان سماحة العمة الذي ملأ الدنيا علما مكتوبا ومسموعا ومرئيا حتى زادت مؤلفاته عن مائة مجلد في عصرنا هذا فكيف يقول غيره لكنها الربانية الواضحة في كل تعاملاته.
أو تراه يستشفع بصحبة الطريق وسيره إلى الله حاملا مصباح الهداية في استصغار لنفسه حين يقول:
(أبطأت في طلب الكمال وأسرعوا)
هـــل لـــي رجـــاء إنّــنـي مــمّـن دعــوا … يـوما إلـيك و قـال : تـوبوا وارجـعوا ؟!
وحــمـلـت مـصـبـاح الـهـدايـة مــرشـدا … أهــــنــــاك كـــالـــقــرآن نــور يــســطــع
ومـشيت فـي ركـب الـهداة، و إن أكن … أبـطـأت فـي طـلب الـكمال و أسـرعوا!
حــسـبـي أحــبّـهـم وأقــفـو خـطـوهـم … ولـــكــم أرى حـــــبّ الأكــابــر يــشـفـع
وهذا لم يكن شعرا فحسب؛ بل كان حديثه معنا في مرات عديدة ذكريات عن صحبة الطريق ورفقة الدعوة يحدثك وكأنه يقرأ من كتاب لا تغيب عنه معلومة مهما صغرت ولا فكرة مهما كانت يسيرة.
وهو رحمه الله يجعل من هذه الربانية ركنه في المحن وعونه بعد الله في تجاوز الابتلاءات فيختم قصيدته التي عرفت بالملحمة النونية والتي بدأها بقوله:
ثار القريض بخاطري فدعوني ….. أفضي لكم بفجائعي وشجوني
فالشعر دمعي حين يعصرني الأسى….. والشعر عودي يوم عزف لحوني
يختمها بتبتله إلى ربه واعتصامه به اعتصاما قائما على المعرفة والسلوك فيقول رحمه الله:
تا لله ما الطغيان يهزم دعوةً….. يوماً وفي التاريخ برُّ يميني
ضع في يدي ّ القيد ألهب أضلعي….. بالسوط ضع عنقي على السكّين
لن تستطيع حصار فكري ساعةً….. أو نزع إيماني ونور يقيني
فالنور في قلبي وقلبي في يديْ …..ربّي .. وربّي ناصري ومعيني
سأعيش معتصماً بحبل عقيدتي….. وأموت مبتسماً ليحيا ديني
عرفت شيخنا العلامة وزرته مرارا وجالسته كثيرا فرأيت في كل مرة ربانية تزداد ولا تنتهي وإنسانية أصيلة غير متكلفة شخصية جمعت بين العلم والعمل والارتفاع عن سفاسف الدنيا والمعارك الصغيرة ، وحرصت على الفزع إلى الله تعالى في كل موقف حتى لا يكاد يمر مجلس إلا ويغلبه البكاء، دعوت لها مرة في أحد المجالس دعوة جرت على لساني قلت له أسأل الله أن يأخذ من عمري ويزيد في عمرك فعمرك سينفع الأمة كلها فما تمالك أن بكى وقال الخير فيكم وفيمن يأتي.
رحم الله سماحة العلامة الجليل وجزاه عن تلاميذه وأمته خير الجزاء وعوض الأمة عنه خيرا، ولا املك إلا أن أدعو له دعاءه لشيخه فأقول:
لكَ يا إِمامِي يا أعزَّ معلــــمِ يا حاملَ المصباحِ في الزمنِ العَمِي
يـــا مرشدَ الدنيا لنَهجِ محمـدِ يا نفحةً من جيلِ دارِ الأرقــمِِ
أُهدِيـكَ نفسي في قصائدَ صُغتُها تَهدي وتَرجُم فهيَ أختُ الأنْجُمِ
حَسَبوك مِتَّ وأنتَ حيٌّ خــالد ما ماتَ غيرُ المستبدِّ المُجـــرِمِ
حسبوكَ غِبتَ وأنتَ فينـا شاهد نَجلُو بنهجِكَ كلَّ دربٍ مُعتِـمِ
شيَّدتَ للإسلامِ صَرحًـا لم تكُنْ لَبِناتُه غيرَ الشبابِ المُسلـــمِ
نمْ في جوارِ زعيمِكَ الهـادي فمَا شَيَّدتَ يا “بَنَّاءُ” لمْ يتهـــدَّمِ
سيظلُّ حبُّكَ في القلوبِ مُسطَّرًا وَسَناكَ في الألبابِ واسمُكَ في الفَمِ
سلام عليك سيدي في الأولين وسلام عليك في الآخرين وسلام عليك في العلماء العاملين وسلام عليك إلى أن يقوم الناس لرب العالمين