منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

لا يمكنكَ (قصة قصيرة)

لا يمكنكَ (قصة قصيرة)/فيحاء نابلسي

0

لا يمكنكَ (قصة قصيرة)

بقلم: فيحاء نابلسي

في الساعة الثالثة وسبع وأربعين دقيقة كان كل شيء جاهزاً. ضبطت صوفيا حرارة الطعام على درجة خمس وخمسين، وماء الاستحمام على خمس وأربعين، نثرت عطر الصنوبر في زوايا المنزل،تأكّدت من توزيع النور والإضاءة ثمّ انصرفت لترتّبَ هندامها وزينتها.

لقد استشعرت هذا الصباح احساساً لدى السيد ناظم بعدم الارتياح لطولها، ولأجل هذا قامت بخفض ربلتي ساقيها ثلاثة سنتيمترات وعدّلت طولها على مئة وخمسة وستين سنتيمتراً فقط.
وضعت عدسات العين الخضراء وارتدت الشعر المستعار ذي اللون الأحمر القرمزي ثم رشقت بضع نقاط من النمش البني فوق وجنتيها قبل أن ترتدي الثوب المزركش ذو الياقة العالية، فقد كان الزي الروسي مدرجاُ على لائحة المظهر لديها لهذا اليوم.
في الساعة الثالثة وثمان وخمسين دقيقة، مستشعر بصمة الرائحة نبّهها أنّ السيد ناظم قد بلغ الردهة الثانية على سلّم البناء وقد تبقى على وصوله إلى البيت دقيقتان فقط, فاستدارت وخطت باتجاه الباب.
” أهلاً حبيبي! الحمد لله على السلامة حبيبي، لعلّ نهاركَ كان جيّداً حبيبي؟” قالت صوفيا ذلك وهي تنزع سترة السيّد ناظم وتعلقها على المشجب.
” لا بأس، لم يكن سيئاً!”
“لحظة! ليس سيئاً يعني جيّد!تمام.”
نزعت صوفيا حذاء السيد ناظم وجوربيه ووقفت تنتظر نهوضه وتوجّهه إلى الحمّام.
منشفة صغيرة للرأس وأخرى كبيرة للجسم، قدّمتهما له قبل أن تدخل نعلين خفيفين في قدميه وهي تقول:
” نعيماً حبيبي.”
” ……”
” مممم! لذيذ!”
” شكرا حبيبي”
” اسكبي لي قليلاً منه أيضاً،لو سمحتِ.”
” أسفة حبيبي! لقد تناولتَ للتو ألفين ومئتا وسبعين كالوري, وهذا ماهو مسموح لك به الآن. لا يمكنك الحصول على كميّة أخرى!”
” آها! حسناً، سأتناول التحلية إذاً.”
” لقد حضّرتُ لك الجيلاتين بالتفاح والكمثرى، ولكن قياس السكر لديك هذا الصباح تجاوز المئة والثلاثين، لذلك يمكنني فقط تقديم نصف تفاحة لك حبيبي.”
رصدت صوفيّا موجات استياء وامتعاض في طيف السيّد ناظم، فقامت حالاً وأدارت مشغّلَ الموسيقى على نغماتٍ هادئة، وحالما أبدى مؤشر المشاعر استقراراً لديه، قدّمت له نصف تفاحة مع ابتسامة واسعة.
لم يكد ظهر السيّد ناظم يلامس الأريكة حتى نهض واعتدل في جلسته استجابةً لإشارة صوفيا:
” مازال هناك اثنتا عشرة دقيقة على قيلولتك، هل ترغب في الكلام عن أي شيء؟”
” آه! نعم. لقد تسلّمتُ اليومَ تبليغاً للمثول أمام المحكمة، المهندس سالم رفع دعوى قضائيّة على الشركة يطالب بتعويض خدمات.”
” آه! ياله من شخصٍ حقير!”
” المهندسة لمى أيضاً اتصلت وطلبت اجازة صحيّة لأنّ ابنها لديه ارتفاع حرارة، غيابها أحدث فوضى كبيرة هذا اليوم.”
” لا مشكلة، يمكنك أن تطردها وتستقدم موظفاً آخر.”
” لا يمكنني الاستغناء عنها، من الصعب إيجاد شخص آخر بمثل مهارتها.”
” لحظة، اخصم لها شيئا من مرتّبها حتى لا تكرّرَ ذلك!.”
” معقول،ما هي الأخبار لهذا اليوم؟”
” هل تريد سماع الأخبار السياسيّة، الاقتصاديّة، الطبيعيّة، الفنيّة، الرياضة، الطقس؟”
” أيّ شيء.”
” لحظة, حصل تمرد لقوات فاغنر الروسيّة بقي ساعات وتمت السيطرة عليه.”
” هؤلاء كلاب مرتزقة!”
” لحظة, قوات فاغنر من الجنس البشري، مرتزقة، نعم إنهم مرتزقة.”
” كيف كان مؤشر النحاس اليوم؟
” لحظة, ارتفع مؤشر النحاس ثلاث ستنات في الصباح ولكنه انخفض قبل منتصف النهار وعاد إلى سعر البارحة.”
” والطقس؟”
” سيكون غائماً للأيّام الثلاثة القادمة مع ثبات درجة الحرارة على خمس وعشرين.”

” والطبيعة؟”
” هناك حرائق غابات في كندا وأمريكا, الدّخان ينتشر إلى المدن والسكان يعانون من صعوبة في التنفس والرؤية، بعض الناس أصيبوا بنوبة حساسيّة ودخلوا المشفى.
العبارة الأخيرة لم يسمعها السيّد ناظم لأنه كان قد انزلق على الأريكة وأغمض عينيه مستسلماً للنوم، لكنّ صوفيا تابعت:
” فرق الإطفاء يعملون على إخماد النار بشتى الوسائل ولكنهم لم ينجحوا حتى الآن ويُخشى من امتداد النيران وفقدان السيطرة على الحرائق.
عند الساعة السادسة تماماً أيقظت صوفيا السيد ناظم بعد أن أعدّت له الشاي بالليمون مع تسع حبّاتٍ من الفستق.
” هل أقرأُ لك كتاباً أم ترغب في مشاهدة فيلم حبيبي؟

” ابحثي لي عن فيلم تاريخي حديث فيه قتال.”
” لحظة، لقد نفذ رصيدك من كلمة حبيبي لهذا اليوم, تبقى لديك خمس مرّات يا روحي وسبع مرّات يا عزيزي! والآن, هناك
فيلم الساموراي الأخير، توافق ياروحي؟”
” الساموراي! نعم ”
أطفأت صوفيا الأنوار، شغّلت الشاشة الجداريّة وجلست إلى جوار السيّد ناظم يشاهدان الفيلم.
عند الساعة السادسة وتسع وخمسين دقيقة، أشار مستشعر الهرمونات لدى صوفيا إلى ارتفاع في مستوى التيسترون عند السيّد ناظم.
نهضت في الحال،عدّلت الإضاءة إلى أطياف غروبٍ قطبي واستبدلت رائحة الصنوبر بعطر طحالب بحرية، أوقفت الفيلم وشغّلت موسيقا زخات المطر فوق أمواجِ المحيط, وخطت بخطوات منتظمة إلى وسط الغرفة لتؤدي رقصة الفلامينغو.
توهّجت عينا السيّد ناظم بالنشوة حالما رأى صوفيّا تدور وتضرب بقدميها الأرض بإيقاع مثير، لكنها سرعان ما توقفت وقالت:
” مؤشرُ الطاقة لدي يُشير إلى انخفاض شحن البطاريّة، علي الآن أن أتصلَ بالمأخذ لإعادة الشحن ، سيستغرق الأمرُ ثلاثة دقائق ياروحي.”
” ولماذا لم تعيدي الشحن قبل دقائق أيتها البلهاء؟”
” لحظة! برمجتي لا تتضمّنُ كلمة بلهاء! لا يمكنكَ مناداتي بها يا روحي.”
” أسرعي للإتصال بالقابس أيتها الحمقاء لا تضيعي الوقت.”
” لحظة! برمجتي لا تتضمّن أيضاً كلمة حمقاء، أرجو أن تستخدم كلمات واضحة يا روحي.”
اشتعلَ رأسُ السيّد ناظم بالغضب، وبسبب انفعاله البالغ تناول حبّة الفستق الأخيرة وفذفها في فمه وقبل أن ينطقَ العبارة المناسبة، شرقَ بالحبة التي علقت في حلقه، فأخذَ يلوّحُ بيديه وهو يسعلُ بشدّة محاولا اخراجها.
بدا الأمرُ مربكاً لصوفيا التي لم تعرف كيفَ تستجيب لإشارات السيّد ناظم بعد أن اختفى صوته وأخذَت عيناه تجحظان,فقد
كانت برمجتها تعتمد على التواصل الصوتي فقط.
” كيفَ يمكنني أن أساعدك يا روحي؟”
“……”
” سأقومُ بالاتصالِ بالطوارئ يا عزيزي، هل تجدُ هذا جيّداً؟”
“……”
” بقي في البطاريّة عشرون ثانية، عليك أن تطلب مني شيئاً قبل أن تنفذَ طاقتي يا عزيزي.”
“………….”
” س..أ ……”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.