منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

اليوم العالمي للمدرس: فرح أم قرح

اليوم العالمي للمدرس: فرح أم قرح/المهدي اليونسي

0

اليوم العالمي للمدرس: فرح أم قرح

المهدي اليونسي

     يرتشف البرد في أعالي الجبال، أو وحيدا تنثر وجهه حبات الرمل المسهبة من رياح الصبا والدبور  في فيافي وقفار، لا يؤنسه فيها إلا  بعض من أبناء المغرب المنسي، يقلب جسده ليلا على أريكة من طاولات المدرسة، ويأكل ما تبقى من مجففات السوق الأسبوعي الدوري، لا وجود أمام مدرسته لأية إدارة أخرى، لأن الإبعاد والنفي الإداري لصيق به، إلا أنه يفرك عصارة ما تعلم ليرضعه تلامذته لبأ صفيا..

    يزدحم في قاعته المكفهرة اكثر من أربعين يانعا، فيقوم بدور الشرطي، ودور المنظف ودور الأب ودور المربي، ليقضي نصف يومه وهو حاظر البديهة، واقف يوزع نظراته كما كلماته هنا وهناك، ينسى في سبيل رسالته بدنه المنهد، وحاجاته المتولعة ..

    يجلس كل الموظفين على كراسي متحركة، في مكاتب مكيفة يفد عليهم الناس وقوفا، لا يقدر أحد أن يعكر  صفوهم، عملوا أم هَمِلوا..، يرجع هؤلاء الموظفون إلى بيوتهم بعد الزوال قليلا، وقد تركوا خلفهم كل ما يرتبط بعملهم، لكن الأستاذ يقف كل حصصه يعتبر الجلوس فيها خرما لشخصيته، يجر قاطرة التعب إلى مغيب الشمس، بل إلى مسكنه، وفي محفظته مئات الأوراق والدفاتر للتصحيح، وكراسات لتهيئة دروس الغد، فيسهر على رشفات الكفيين عله يصد النوم الكاسح..

   يتسلق على ظهره المنتوء، إداريون كانوا مثله، فيستهويهم موضعهم الجديد، فينتقمون لما عاشوه، فلا يحلو لهم إلا اللهو به، تارة بتفييضه، او تنقيله، وتارة باستفساره، وحتى بالاقتطاع من أجرته، أما إن أخطأ فكل السكاكين تلتحف حول عنقه..

    يُحمله الكل مسؤولية تدني مستوى التعليم، وبدعوى الإصلاح يختارون من كل نبيذ رشفة، ويبحثون عن الخبراء من شتى الدول ويدبجون ويثرثرون، وليس له بينهم لا قيمة ولا سؤال ولا إشراك حتى ولو كان نفاقا!..، ومع ذلك يحملونه وزر السياق ووزر المساق..

       تنتابه النوبات وهو يرى تلامذته بالأمس، فاقوه أموالا وديارا، ويرى نفسه يتضور  وأولاده عقودا لكي يبني لهم عشا، ضدا على نفقات أمراضه المزمنة من ضغط دموي وسكري وأعصاب..

       بل ويشحب وجهه، وهو  يرى عُتاة الفن الماسخ، واللهو الفاضح يجمعون في ليلة واحدة من الأموال ما يجمعه هو  في سنوات، ويُفتح لهم باب الإعلام على مصراعيه قدوة وترميزا..

      ويَحير حيرة الاستغراب وهو يعلم أن الدول التي تحترم نفسها هي من تستثمر  في التعليم، وتنفق على التعليم، ويرى بفؤاده كيف مزقت الحرب العالمية الثانية اليابان وألمانيا تمزيقا، ومع ذلك قامت من تحت الخراب بالتعليم، ويرى كيف كان المغرب في الثمانينات أفضل من كوريا الجنوبية، ومن تايوان وسنغافورة وتركيا.. فيراهم حلَّقوا في سماء التقدم والتكنولوجيا، وبقي المغرب يستثمر في فضلات المجون وكرة القدم وكل التوافه..

       ويحز في نفسه أن يُحَفَّز كل الموظفين من بين يديه ومن خلفه ومن فوقه بتعويضات وترقيات، ويُشهر  هو في وجهه الأغلاظ المغلظة من العقوبات والتأديبات إن أخطأ أو فكر في الخطأ..

       لكنه يبلع ريقه وتنتهي كلماته، عندما يُسقط لكما ثم يُركل ويُعفس في شوارع الرباط، يتهارش على عظامه المكسورة، العاقون من قوات القمع، والأفاكون المبلغون للتعليمات، والسفاحون الذين أعطوا الأمر بالتنكيل، ويتفرج الأنانيون من الشعب على شريط موته، والموت سار عليهم ولكنهم لا يعلمون..

إن الله شَرَّف المربين وتوج الأنبياء بهذه المهمة، وألهمهم كلمة التقوى، وحذر كل من يسيئ اليهم أن النتيجة: ضنك الحياة المستظلة بظل الجهالة والمسخ في الدنيا، وخسارة وحساب في الآخرة، وعند الله تستوي الخصوم..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.