منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المرأة في الفضاء العام.. تحرير أم استعباد؟

المرأة في الفضاء العام.. تحرير أم استعباد؟/ د. عبد الحليم زوبير

0

المرأة في الفضاء العام.. تحرير أم استعباد؟

د. عبد الحليم زوبير

المجلس العلمي المحلي -مراكش -المغرب

ملخص:

        خرجت المرأة إلى الفضاء العام، وتقلدت المناصب السياسية، ووقفت إلى جانب الرجل في العمل والتسوق والترفيه وغيرها.. لكن ذلك لا يعني أن دعوات التحرر التي ناضلت المرأة من أجلها قد بلغت مداها، وحققت أهدافها، فالمرأة لا تزال خاضعة لأنواع مختلفة من الاستغلال، صحيح أن الأشكال التقليدية للاستغلال لم تعد كثيرة، لكن جوهر الاستغلال لا يزال مستمرا، ومتطورا بقدر ما تطورت وسائل التعبير عن الحرية، ومن أسوأ أنواع الاستغلال هو استعمال مظاهر حرية المرأة لمصادرة حقها في التحرر الحقيقي، وأسوأ ذلك أن يتم هذا الاستغلال اليوم على يد  النساء المناضلات أمس من أجل حرية المرأة، إن هذا الأمر يدعو المهتم لقضية المرأة عموما والعربية خصوصا أن يعيد تقييم الخطاب النسوي الذي لم يختلف عن الخطاب الذكوري إلا في جنس القائمين على الاستعباد السياسي والتجاري والإعلامي والفني للمرأة، وأدوات الاستعباد المتطورة جدا، ولا يمكن لمن لم يبع عقله في أسواق الاستعباد المعاصر أن يعتبر المرأة تحررت لمجرد أن وقفت إلى جانب الرجل، دون أن نتأكد من أنهما فعلا يقفان موقف الأحرار، ونحن إذ نشكك في تحرر الرجل أصلا كيف يمكننا التصديق بأن مساواة الرجل والمرأة تحرر حقيقي؟ من أجل هذا اشتغل هذا البحث على مبدأين، الأول في اتجاه توصيف وضعية تحرير المرأة بما يكفي من الوضوح، ولذلك يجب أن نحمل المرأة نفسها جزءا من المسؤولية عن تعثر سيرها نحو التحرر. والثاني: في اتجاه تنمية رؤية واعية بأن الحرية إرادة قبل كل شيء، وأن العناوين التحررية المعاصرة لا تخلو من أهداف سياسية وتجارية وتحكمية، تتخذ من قضية المرأة العادلة وسيلة لمصادرة الحرية الحقيقية للرجل والمرأة على حد سواء.

الكلمات المفتاحية:

 الفضاء العام-التحرر- الاستعباد-النسوية-الذكورة.

Summary:

The woman in public space is liberated or enslaved?

The woman in public places : freed or enslaved.

Throughout the years, women has been into public spaces, held political positions, stood alongside men; in business, shopping and entertainment. But, this doesn’t mean that that the liberation calls have reached its purpose, because women still face different types of manipulation , not as much as it was but still. One of the worst forms of exploitation is the use of the manifestation of women’s freedom to confiscate their rights to true liberation.

This research has two principles: the first principle, focused on how women bare the responsibility themselves to derail their path into freedom. The second principle, focused on that freedom is a will and all the contemporary liberal titles are not without political and commercial hidden purposes that manipulate women cause into limiting the freedom of both men and women.

Keywords:

 public space, liberation, slavery, femininity, masculinity.

تمهيد:

        أود أن أسارع إلى توضيح أن العنوان كما اقترحته أعلاه غير متناسب مع أطروحة البحث تماما، وإنما أملته ضرورة التدرج من المألوف إلى المأمول، والنفوس تنفر مما لا تعلم، وقد سبق إلى النفوس أن الرجل أو السلطة أو غيرهما يمكنهم أو يجب عليهم تحرير المرأة، والحق أن الموضوع هنا يتعلق بالتحرر لا بالتحرير، فالحرية لا يعطيها أحد، وحتى لو أمكن أن يعطيها فإنه لا يستطيع أن يكسبها لمن لا يؤمن بها ولا يسعى لنيلها، والكثير من العبيد في زمن العبودية بعد تحريرهم لم يستطيعوا مفارقة ظلال السيد، لأنهم لا يتصورون حياة طبيعية خارج هيمنة السيد، بل من الناس في هذا العصر الذي انتحلت فيه الحرية انتحالا من يختار بكل إرادته بل يسعى بكل قوته ليكون ضمن العبيد، رغم أنه يملك كل الشروط المادية للتحرر.

        إن النهوض بأوضاع المرأة العربية يتوقف على شروط موضوعية وأخرى ذاتية، وإن من أهم تلك الشروط الموضوعية –إن لم نقل جوهرها- هو الحرية، فالمرأة وهي ترسف في أغلال الهيمنة لا تفقد وظيفتها في العمران المادي والمعنوي للأمة وحسب، بل إنها تصبح الوسيلة المثلى للتلاعب بما تبنيه الأمة بجهود بعض رجالها، وقد أصبحنا على مسافة كافية لتقويم الأطروحات الحديثة التي دعت إلى تحرير المرأة، بكل اتجاهاتها المعتدلة والمتطرفة، الموضوعية والمتحاملة، لقد أصبحنا أمام حقيقة ماثلة للعيان هي: أن المرأة العربية كالرجل العربي، كالدولة العربية، كالمجتمع العربي، كالاقتصاد العربي جميعهم لايزالون في مؤخرة الركب الإنساني في معظم المجالات.

        وهذه الحقيقة الدامغة لم تعد تستوجب منا الخروج من النظرة الذكورية لقضية المرأة وحسب، لأننا رأينا أن نتاج النظرة النسوية أيضا لم تأت بأمر ذي بال يعود على وضعية المرأة بعائد يمكن الاعتماد عليه، بل تستدعي تلك الحقيقة -الشاهدة على خطورة الموقف- أن نتخلص من النظرة الجنسية رأسا، وأن نتحدث عن صلب الجنسين معا وهو الإنسانية، وننفذ إلى صلب الإنسان وأهم خصائصه وهو الحرية، وإنها مغامرة ليست سهلة في زمن أصبح تناول قضية المرأة بنسوية زائدة لا يقل إقصاء وقسوة وغضبا عما كان عليه الأمر حين كانت القضية تتناول بنفس ذكوري متعال، وأصبح الموضوع مادة يقتات منها المثقفون والإعلاميون والشركات المهيمنة، وكثير من الأنظمة التسلطية التي نجحت في إقناع المرأة بفتات كوطة المناصب، دون أن تطرح السؤال الواعي: لماذا أحصل على هذه النسبة من مقاعد البرلمان وحقائب الحكومة؟ هل الحصول على هذه المناصب المصطنعة على أعين التسلط السياسي مؤشر على تحرر المرأة؟ فأرجو أن تصبر المرأة على أطروحة تكسر بعض اللباقة المترسخة في تناول الموضوع، وأدعوها أن تسلك للتحرر أصح طرقه مهما كانت كلفته، والخروج من دائرة التقليد الذكوري والزيف النسوي، وهو رجاء لا أتزلف به إلى العنصريين والعنصريات من النسويين الذين لا يقلون خطورة على المرأة والمجتمع من العنصريين الذكوريين، الذين لا يستحقون مثل هذا الرجاء، شأنهم شأن كل التحيزات العنصرية المتطرفة التي لا تترد في توظيف الأفكار الصحيحة في أغراض غير صحيحة.

        هذا وإن موضوع الورقة يتناول خروج المرأة –وخصوصا العربية- إلى الفضاء العام جنبا إلى جنب مع الرجل، ماذا حقق للمرأة والمجتمع وماذا فوت عليهما؟ ما علاقة ما تحقق من الإنجازات المادية بحقيقة التحرر النفسي والعاطفي للمرأة؟ وهذان السؤالان يختزلان الغرض من هذا البحث، فالسؤال الأول يسعى لطرح قضية المرأة بشمولية، على اعتبار أن التحرر الحقيقي لا يمكن أن يحصل عليه جنس دون جنس آخر، بل  نعتقد أن المجتمع العربي حين يحقق التحرر ستتحرر النساء تلقائيا، لا يستطيع أحد مهما حاول أن يستثني النساء من تحرر يعيشه المجتمع كله، والعكس يصح بل هو الواقع، فإن أغلال البؤس والعبودية التي تثقل المرأة لا يستثنى منها الرجل والمجتمع كله، والسؤال الثاني يسعى للتنبيه إلى عمق القضية ومغادرة القشور التي تدور بنا في أفلاك الوهم، لنفهم أن الحرية كما أسلفنا ثقافة وإيمان، وليست بضاعة مستوردة ومهداة.

        ولعلي أفلح في إنجاز المطلوب من خلال محورين بعد هذا التمهيد:

الأول: أزمات المرأة بين الذاتي والموضوعي: وهو تشخيص لوضعية المرأة بما نستطيع من الإنصاف والوضوح.

الثاني: آفاق تحرر المرأة في العصر الحديث: وهو توجيه لإرادة المرأة المناضلة من أجل التحرر لسلوك الطريق الصحيح مهما كان موحشا، والحذر من الطرق الملتوية مهما كانت مؤنسة. والله يتولانا جميعا بلطفه وحسن رعايته.

المحور الأول: أزمات المرأة بين الذاتي والموضوعي:

        يسيل كثير من المداد عن الوضعية المزرية للمرأة في المجتمعات العربية، ولو أردنا تتبع مصادر الأزمة التي تعيق نهوض المرأة وتحررها لاحتجنا بحوثا مستقلة، ولكن حسبنا أن نقر أن بعض أسباب هذا التعثر في نجاح المرأة في مسيرتها التحررية يتقاسمها جانبان، الأول: موضوعي يتعلق بالواقع المتخلف الذي تتواطأ كثير من القوى والاتجاهات في دعم التخلف فيه، سواء بالأصالة كما لو تحدثنا عن صناع القرار الذين لا يرون أهمية لتحرر المرأة العربية، في مشاريعهم التسلطية التي تبحث دائما عن مزيد من الخدم المستعدين للانخراط في مشاريع الوهم وتزييف الوعي، أو بالتبع كما لو تحدثنا عن كثير من المثقفين ورجال الدين الذي يبحثون عن موطإ قدم لهم، دون أن يعيروا أي اهتمام لقضية المرأة التي أنصفها القرآن الكريم وظلمها التاريخ، ولابد من المبادرة إلى أن من بين هؤلاء المنتفعين من الأوضاع القائمة كثير من النساء يحملن شعارات التحرير، وليس لهن من هذه الشعارات إلا الاسم. والثاني ذاتي يتعلق بالمرأة نفسها، وهي مناسبة لتقييم جهود المرأة العربية المعاصرة للنهوض بأوضاعها، لنسائل هذه الجهود عن نصيبها من الموضوعية والتعقل وبعد النظر.

        أولا: العوائق الموضوعية لتحرر المرأة:

        يتحمل وزر العوائق الموضوعية التي تعيق تحرر المرأة طرفان: أحدهما النظام العالمي المهيمن على سائر الأنظمة السياسية المحلية في البلدان العربية، والثاني المجتمع العربي المتخلف.

        1-الحرية من منظور النظام العالمي:

         إن النظام العالمي الذي يمثله الغرب وأمريكا على وجه الخصوص -وهو يفرض تصوراته ومصالحه على معظم الأنظمة العربية- لا تمثل فيه شعارات المرأة والحرية والديمقراطية سوى الطلاء الذي يتزين به جوهر التسلط الكامن في مفاصل هذه الأنظمة المحلية والعالمية، وستكون المرأة غارقة في الوهم إن ربطت قضية تحررها بإرادة هذه الأنظمة، وإذا كانت قضية المرأة جزءا من الخلفية الديمقراطية التي تدعيها هذه الأنظمة فإن الأمثلة على النفاق الذي طبع سلوك الغرب تجاه الديمقراطية أصبح مستفيضا، وقد تابعنا أي ديمقراطية يريدها الغرب حينما تطيح صناديقها بالحلفاء الذين يجب أن يتولوا قيادة العالم العربي، بقوة الديمقراطية أو بديمقراطية القوة، وقد رأينا المثال في الجزائر التي تحولت إلى أنهار من الدماء معاقبة للشعب الذي لم يختر أولياء الأنظمة الكبرى. ورأينا مثل ذلك في فلسطين حين جاءت الصناديق بالمقاومة التي لا يريدها الغرب هناك، وإن كان الحق في مقاومة المحتل أحد المقتضيات الأساسية للديمقراطية.

        ولسنا نجد أحسن من يعبر عن هذا الخداع الذي تتقنه هذه القوى أحسن من المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي، وهو يتحدث عن التحكم السياسي الذي يطال إحدى أهم الصحف العالمية التي يشار إليها بالجرأة والحياد والموضوعية، وهي موغلة في تزييف الوعي، وملتزمة بأجندات النظام السياسي الأمريكي وأطماعه التوسعية والإمبريالية، يقول وهو يعقب على كاتب مشهور يشارك في النفاق السائد في الواشنطن بوست تجاه سياسات الولايات المتحدة الأمريكية في أمريكا الوسطى “إن الناس الفاعلين في أمريكا الوسطى.. قد يغرقون في الضحك وهم ينظرون تلك المقالة.. على سبيل المثال فإن أحد الأشياء التي تذكرها هذه المقالة هو أن الولايات المتحدة أجبرت السانديين والماركسيين على إجراء انتخابات حرة عام 1990م، إن كل شخص يعرف أن ذلك هراء محض، وأنه كانت أجريت انتخابات حرة عام 1984م .. تم مسحها من التاريخ من قبل الولايات المتحدة”[1]

        ويؤكد تشومسكي نفاق النخبة المثقفة وأولوية المنصب المريح على المهنية والموضوعية فيقول: “في الحقيقة فإن كاتب هذه المقالة يدرك أيضا بالتأكيد هذا الأمر، لكن إن يقلها في صحيفة الواشنطن بوست فإن ذلك يكون كمن يقف في الفاتكان ويقول: إن عيسى المسيح غير موجود، إنك لا تستطيع قول أشياء معينة ضمن ثقافة عقلانية استبدادية جدا مثل ثقافتنا”[2]. عندما يصف نعوم تشومسكي الثقافة الأمريكية والسياسات الأمريكية بالاستبدادية فيجب على المرأة الصادقة في بحثها عن التحرر أن تعيد حسابها مع كل المؤسسات الدولية التي لا تغيب عنها شمس المصالح الأمريكية.

        2-عائق التخلف المجتمعي أمام تحرر المرأة:

        لا شك أن تخلف المجتمعات العربية أسهم بشكل كبير في تخلف المرأة وفقدان ملكيتها لزمام شخصيتها، وإني أشعر أن المناضلات يكدن يجمعن على أن مصائبهن تعود إلى هذا المجتمع المتخلف بعاداته ونخبه وفقهائه، وأنا أوافقهن أنه جزء من المعضلة وليس كلها، كما أزعم أن المناضلات أفلحن إلى حد بعيد في الكشف عن المعضلات المجتمعية التي تعصف بقضية المرأة، فقد فصلت الدكتورة نوال السعداوي مظاهر التخلف المجتمعي فيما يتصل بالمرأة العربية، فهي ترى بحق أن الظروف الاجتماعية فرضت “منذ تاريخ بعيد أن تكون المرأة جسدا فحسب، وساعد ذلك على اندثار نفسها وعقلها في طي النسيان، وجهل الناس بمرور الزمن أن المرأة يمكن أن يكون لها نفس وعقل كنفس وعقل الرجل”[3]. كما أفلحت في تصوير النتائج الوخيمة التي يجنيها المجتمع من حيث يسعى لزرع الفضيلة والشرف، تقول السعداوي: “ولا شك أن المجتمعات التي تفرض الضغوط على الفتاة وتحول بينها وبين الرجل تشجع بناتها على الإفراط في العادة السرية، وبالتالي يحرمن من النضج الطبيعي، وتصاب معظمهن من بعد في حياتهن الزوجية بالبرود والعجز الجنسي”[4].

        لكن ما أشارت إليه السعداوي وغيرها ممن يركزون على أن المحرمات الاجتماعية سبب كل البلايا ليس على إطلاقه، فالانحرافات الفكرية والسلوكية التي تعيشها الفتاة لا ترجع فقط إلى الخوف من المجتمع وفقدان الحرية الجنسية مع الرجل كما تلمح السعداوي، لأن هذه المظاهر لم تختف في البلدان التي تركت الحبل على الغارب للفتيان والفتيات يفعلون ما يشاءون، لكن هناك جانب من الواقع المأزوم يقيد حرية المرأة من حيث لا تشعر، التقييد الناعم التي لا يشعر معه الأسير بأي غضب تجاه الجلاد المسؤول عن مآسيه، وأظن أن المفكر العربي مصطفى محمود لامس جوهر مشكل الحرية في العصر الحديث، فهو يرى أن “الإذاعة والسينما والجرائد.. (ينضاف إلى ذلك الأنترنت الذي ضاعف هذه المآسي اليوم) ذلك السجن ذو القضبان الجميلة من الأذرع العارية في المجلات والروايات لتعيش معزولة عن معركة المصير، وعن الإدلاء برأي في مأساة الحياة والموت التي تجري على مساحة العالم كل يوم”[5].

        يرى الدكتور مصطفى محمود أن الحياة المعاصرة طابعها الملل ف”الحب يولد ليموت، والمرأة طبق شهي لوجبة واحدة ثم يصفق القلب طالبا تغيير الطبق، العين تمل واللسان يمل والمعدة تمل..”[6]. وحتى القضية الكبرى، قضية الموت التي تهم كل إنسان في خاصية نفسه، فإن هذه الكآبة العامة تصور أن “كل ما يملكه حياة فانية بعدها التراب ولاشيء غيره، وهو يتحول دون أن يدري إلى يأس قاتم لا مخرج منه، وعطش لا ارتواء له، فهو ينتقل من لذة لا تروى إلى لذة أخرى لا تروى.. لاشبع ولا نهاية..”[7].

        لقد أدى سوء التعامل مع هذا الواقع إلى أخطاء ذاتية أسهمت في تعقيد القضية العادلة للمرأة، وذلك بسبب الغضب العارم من قبل النساء المناضلات على هذا الواقع، هذا الغضب الذي أورث ضابية في الرؤية، رؤية ارتكزت على مطلب المساواة الحاد دون اهتمام كبير بموضوع المساواة الذي هو الحرية، وهي عوائق ذاتية لها الأثر الأكبر في عدم شعور المرأة بروح الحرية، فما هي العوائق الذاتية لتحرر المرأة العربية المعاصرة؟

        ثانيا: العوائق الذاتية لتحرر المرأة العربية:

        أدى الواقع المزري إلى ارتباك العمل النسوي الذي كان في الغالب ارتدادا تلقائيا ينقصه الكثير من الوعي بجوهر القضية ومتطلباتها، ويمكننا الحديث عن ثلاثة عوائق بالترتيب هي: الغضب الجارف وضبايبة الرؤية وهاجس المساواة الحاد مع الرجل.

        1-عائق الغضب الجارف:

        تجلى أثر الغضب الذي حكم الأطروحة النسوية في ملمحين أساسيين، أدى كل منهما إلى تأزيم قضية المرأة وحولها إلى قضية فئوية عوض كونها قضية إجماع وطني، الأول: الإقصاء والثاني معاداة القيم الحضارية للأمة:

        الملمح الأول: الإقصاء:

         وهذا من غرائب الأمور التي يسببها الغضب، فإن المرأة أكثر من عالج الإقصاء والتهميش، ويفرض المنطق أن تكون المرأة في رحلتها للنهوض من رقدة التاريخ أبعد الناس عن الإقصاء، كونها تعرف مرارته ونتائجه التدميرية، لكن الغضب يعمي صاحبه، ويحوله إلى إنسان قليل التعقل، ومن نماذج الإقصاء ما تقوم به بعض المثقفات من استعداء السلطة ضد المخالفين في الطرح، واستعمال القوة العمومية للتمكين للمرأة في مفاصل السلطة القائمة، تقول الدكتورة سلمى النمس: “إن التقدم الذي أحرزته المرأة فيما يتعلق بالحرية في الخمسينات والستينات من القرن العشرين نتيجة انخراطها في الحركات اليسارية وحركات القومية العربية تراجع بشدة على المستوى الاجتماعي في أواخر السبعينات وأواخر الثمانينات.. في الواقع اقترن ذلك بالتضييق الذي مارسته الأنظمة المدعومة أمريكيا على حركات اليسار والقومية العربية منذ أواخر خمسينات القرن العشرين، وترك الساحة للإخوان المسلمين للعمل على المستوى الاجتماعي لاختراق التعليم والمجتمع، في محاولة لمواجهة تأثير الشيوعية في المنطقة العربية”[8]

        إن الكاتبة هنا وهي تعالج قضية المرأة التي يجب أن تتعالى عن الحسابات الأيديولوجية والفئوية لم تستطع أن تخفي أولوية الأديولوجيا على القضية، إنها لا تتصور قضية المرأة إلا من خلال المنظار اليساري والقومي أو لا تكون، فهي مثلا تكتب سنة 2017م بعد التنكيل الفظيع الذي مارسته بعض الأنظمة العربية بالإسلاميين، لكن كل ذلك التنكيل لم يحجب عنها خصومات اليسار والإسلاميين في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، لم تستطع رؤية اليساريين وهم يتنكرون لمبادئ الثورة وينخرطون في الانقلابات الدموية والألاعيب السلطوية، لم تستطع أن تدرك أن كلا الطرفين من اليساريين والإسلاميين كان موظفا توظيفا سيئا في الجرائم ضد الحريات التي هتفت لها الشعوب. وآن الأوان أن ندرك جوهر المشكل، ونكف عن استعداء السلطة التي لا تؤمن الحرية لليسار ولا لليمين، إلا بقدر ما ينخرط الجميع في المسرحيات الهزيلة للديمقراطية العربية.

        الملمح الثاني: تجاهل القيم الحضارية للأمة:

        إن مهاجمة القيم الحضارية للأمة بقدر ما يشكل ظلما لقيم نظرية سامية تنتظر من يطبقها تطبيقا سليما، بقدر ما يهيج ذلك الفئات الشعبية، ويعطي الفرصة لمن يريد التأليب على دعاة تحرر المرأة، فلا توجد مصلحة لامرأة تناضل من أجل الحريات لتناهض الدين والقيم الروحية التي تحيا بها الأمة، والخلط الفظيع بين الدين باعتباره مبادئ وقواعد، وتمثلات بعض المسلمين حول الإسلام دليل على أن العمل النسوي يتحكم فيه الغضب الجارف الذي لا يبقي ولا يذر. ومن النماذج على استهتار بعض المناضلات بهذه القيم الروحية ما نجده عند الدكتورة نوال السعداوي حين تعتبر أن الشذوذ الجنسي للمرأة نابع من تحريم الاتصال بين الجنسين، تقول: “لكن ضغوط المجتمع وتحريمه اتصال الفتاة بالجنس الآخر يشجعها على أن تتجمد مشاعرها عند هذه المرحلة، وتصبح علاقتها ببنات جنسها ليست تلك العلاقة العاطفية المؤقتة، وإنما علاقة عضوية جنسية تستبدل بها الرجل بالمرأة وتشعر بلذة الجنس مع النساء فحسب”[9]. لقد جزمت السعداوي بأن سبب هذا الشذوذ ليس سوى نتيجة للكبت الاجتماعي، وهو كما ترى هي نابع من تحريم الزنى والعلاقات غير الشرعية، وتجاهلت أهمية التربية الدينية في إحياء المثل العليا في نفس الإنسان، وها نحن نشاهد المجتمعات الإباحية تتفرغ لنشر الشذوذ وإشاعة الانحراف بعد أن سئموا من اللذة الطبيعية، لقد أدى غياب الدين إلى تمحور الإنسان حول لذاته والتعمق في الإشباع الحيواني للرغبات المصطنعة، بسبب الخواء الروحي للإنسان المعاصر[10]. فهل تستمر النساء المناضلات في تحميل الدين أوزار الانحراف السلوكي للمرأة والرجل معا؟

2-ضبابية الرؤية:

        أدى الغضب العارم من ذلك الواقع المكفهر إلى استعجال المرأة العربية في تبني ما ألقي إليها من خطابات وأفكار دون تحليل كاف لتكون الرؤية واضحة، وقد برزت في الخطاب النسوي العربي المعاصر تناقضات صارخة لا تمت إلى الحرية ولا إلى المبادئ الكونية بصلة، وهكذا نجد أريلا غروس تبكي حظ المرأة من الحكومات التي جاءت بعد الربيع العربي وترى أنه “بعد مرور سبع سنوات على خروج النساء والرجال في أرجاء عديدة من العالم العربي إلى الشوارع في انتفاضات الربيع العربي داعين إلى الإصلاحات السياسية والعدالة والمشاركة السياسية، تحطمت الكثير من آمال النساء لتحقيق مستقبل أفضل، ففي سياق النزاعات والأزمات ارتفعت مستويات العنف ضد النساء والفتيات، ولاتزال مشاركة المرأة في عمليات صنع القرار متدنية للغاية، وينطبق ذلك بوجه خاص على العمليات الرسمية لبناء السلام والأمن، التي تؤدي فيها المرأة أدوارا هامشية في أحسن الأحوال، وتحرم من الحق في المشاركة في صنع القرارات التي ستحدد مستقبل مجتمعاتها”[11]. إن هذه الكاتبة تفترض أن الربيع العربي آل إلى ديمقراطية حقيقية، استمتع فيها الرجل بحقوقه الدستورية بينما حرمت المرأة، بينما الذي يعرفه الجميع أن الربيع العربي آل إلى خريف بل إلى حريق كان الأحرار والحرائر وقودا له، فالبكاء كان يجب أن يكون على الديمقراطية التي لم تتحقق للشعب، أما حرمان المرأة من المناصب السياسية فليس سوى نتيجة حتمية للتحكم الذي لم تتخلص منه الشعوب العربية.

        ولم تتردد كاتبة أخرى في الدعوة إلى أن تأخذ المرأة نصيبها من الكعك السياسي دون أن تهتم لمضمون هذه المناصب ومدى مشروعيتها أصلا، وكأننا إذا استبدلنا مستبدات بمستبدين وسارقات بسارقين سنحل مشاكل الشعوب العربية، وهذا يضرب مشروعية القضية النسوية في مقتل، لأن جوهرها هو تحرير الإرادة والإنصاف. تقول الدكتورة سلمى النمس: “شاركن بقوة في النضال السياسي والعمل الإنساني طيلة فترة النزاعات في المنطقة العربية، مع ذلك لم تؤد المشاركة الفعالة للمرأة في الثورات إلى الوصول إلى مناصب سياسية في الهياكل السياسية بعد الثورة”[12].

        3-الإصرار على المساواة الحاد بين الجنسين:

                يعكس مطلب المساواة في القضية النسوية ارتباكا في الرؤية، فمن جهة يفترض أن يتعزز خطاب النسوية بما يرفع من شأن الأنوثة، ويصالح المرأة مع ذاتها، وتعتز بخصوصيتها، لكن السعي الذؤوب لمسابقة الرجل أدى ببعض النساء لأن يتجاهلن خصوصيات نسوية، تمثل جوهر الفخر للمرأة، فأصبح شرف الأمومة والإنجاب والذكاء العاطفي الذي يميز المرأة أسطوانات مملة لا تحب المرأة سماعها، وهذا ناتج عن التسرع في تبني الخطاب الغربي في قضية المساواة بحذافيره، والذي أثبت مع مرور الوقت أنه إلى الفشل أقرب، وهكذا نجد نوال السعداوي تحض المرأة على الانحراف أسوة بالرجل، فهي لا تستنكر انحراف الرجل الجنسي، لكنها تستنكر استفراده بذلك الانحراف، تقول: “وإذا كان الرجال هم السادة في المجتمع دعوا النساء إلى الالتزام بقيم الشرف والعفة، ليضمنوا خضوعهن، على حين ينطلق الرجال مبيحين لأنفسهم الاستمتاع بكل ما حرموه على النساء”[13]، فالزنا بالنسبة للسعداوي ليس رذيلة يجب أن يعاب مرتكبها من الرجال والنساء، بل هي مزية امتاز بها الرجال على النساء. وهذا النفس نجده في معظم الكتابات التي لا تستنكر الانحرافات الفكرية والسياسية وغيرها، إلا بقدر ما تستثني النساء، وكأن المطلب هو مساواة المرأة الرجل في الانحراف والاستبداد والفساد… لا غير.

المحور الثاني: آفاق تحرر المرأة العربية في العصر الحديث

        إن قضية تحرر المرأة عادلة كعدالة كثير من القضايا الاجتماعية التي لم تنل حظها من الإنصاف، لكن الطريق إلى تحقيق العدالة لهذه القضية يمر عبر الوعي بثلاثة أمور: الأول: أن الخطاب المعاصر السائد في الإعلام حول هذه القضايا يتميز بالخداع في الطرح، وبالربح المادي في الهدف، وهذا لا يتم إلا إذا أحكم الفاسدون قبضتهم على المجتمعات. الثاني: أن التحرر ليس منحة يتفضل به شخص على آخر، بل هو مبدأ يؤمن به الإنسان أو يكفر. الثالث: أن مظاهر التحرر كثيرة ولا يضير فقدان بعضها إذا تحقق جوهر التحرر في وعي المرأة والرجل معا، لا بل إن روح الحرية بما هي مبدأ يضمن توفير مظاهر الحرية من المشاركة السياسية وتكافؤ الفرص وسواها، ولكن هذه المظاهر لا تضمن الوصول إلى حقيقة الحرية ما لم تكن هناك إرادة ذاتية لدى المرأة كي تتحرر.

        أولا: وهم الحرية في الخطاب المعاصر:

        يجب أن تعي المرأة العربية وعيا تاما أنه ليس كل ما يلمع ذهبا، فلئن أمكنها وحق لها الكفر بالتخلف العربي فليس يحق لها أن تسقط في مطبات الخداع الإعلامي، والهوس المالي وهاجس التحكم في الشعوب الذي تمثل فلسفة الأنظمة والشعوب الغربية الذي تبدو لنا متحررة.

        1-خدعة الحرية في الإعلام المعاصر:

        يصف تشومسكي الخدعة التي تعتمدها صحيفة واشنطن بوست، مركزا على أن مهمتها الأساسية هي تزييف الوعي، واصطناع شعور لدى القراء بأن الحروب الأمريكية كلها لأجل نشر الحرية، رغم أن الأدلة دامغة على أن الحروب الأمريكية كلها مفتعلة، وقد سمتها إدارة جورج بوش الحروب الوقائية، وهي كما يقول تشومسكي ليست الحروب الاستباقية التي تبادر فيها الدولة بمهاجمة دولة تعد العدة لغزوها، فهذه مسألة مفهومة، لكن أمريكا يمكنها أن تسحق دولة صغيرة لا تشكل أي تهديد لأمريكا، بل لا تملك الوسائل ولا الحدود لإذاية أمريكا، كما في حالة العراق وأفغانستان، ومهمة الإعلام هنا أن يكرر المفردات التي أعدها قادة البيت الأبيض أن هناك خطرا مستقبليا يتهدد الولايات المتحدة، ويجد الشعب المخدر بالخداع الإعلامي نفسه يصفق لقتل الأبرياء الآمنين، وقد رسمت في نفسه صورة العدو المرعب الذي لا وجود له حقيقة إلا في الخيال الذي يصنعه الإعلام، “فأمريكا قادت حرب إرهاب تخريبية على امتداد المنطقة (يقصد أمريكا الوسطى) في محاولة للحيلولة دون الديمقراطية والنمو الاجتماعي.. لكن صحيفة واشنطن بوست لا تستطيع قول ذلك، وليس مهما أن الدليل ساحق، إذ بالإمكان بسهولة تامة التغاضي عنه والمضي قدما نحو الأوهام التي هي أكثر استعدادا لمصالح القوة..”[14].

        وحين لا يمكن تزييف بعض الحقائق، المعروفة لدى القراء بالضرورة، فهناك حيلة يقوم بها الإعلام، وهي التجاهل “في عالم الصحافة .. تجاهل ما لا تحب فقط، وإن تكن لديك القوة فإن من السهولة أن تقوم بفعل منكر دون أن تتعرض لعواقب وخيمة”[15]. ونحن في العالم العربي نعيش هذه الخدع الإعلامية بشكل فج، وخاصة في القضايا الأساسية، فالفقر الذي تغرق فيه النسب الكبيرة من الشعوب، والجريمة المنتشرة في أحياء المدن وأسواقها، والغلاء وفقدان الأمل في الحصول على فرصة عمل مريح، وانهيار التعليم وتدهور الخدمات الطبية وانتشار المحسوبية والزبونية.. وغيرها من الأمراض التي يعيشها المواطن باستمرار، يتم تجاهلها في الإعلام، وإن كانوا لا يستطيعون إنكارها، ولكن يمكنهم تجاهلها وتركيز الكاميرات على بعض القضايا الهامشية كالإرهاب والكوارث الطبيعية والأنشطة الحزبية وكرة القدم وأخبار الفن.. وقد تقحم المرأة في سمفونية إعلامية بائسة تصور للمٍرأة أن القائمين على الإعلام يهمهم صوت المرأة، وهكذا يتم استقبال بعض المناضلات وإغرائهن بمصاولة الرجل والمجتمع، بينما تموت النساء الحوامل في الأرياف والأحياء الشعبية كل يوم مائة مرة، وترضى بعض المناضلات بالسكوت عن القضايا العادلة لكل الشعب في مقابل هذه المقابلات الممتعة.

        2-الحرية وسيلة للكسب:

        إن الحرية في الخطاب المعاصر هي مجرد تعبير عن الرغبات التي يصنعها الإعلام، في الحدود التي يريدها التجار، الذين ينفقون على الإعلانات المغرية الملحة على المرأة أن تقوم لتحقق ذاتها من خلال التسوق، لقد أدمنت كثير من النساء التسوق، وأصبح الخروج إلى السوق رمزا للتحرر، وهو ليس مجرد خروج عن المألوف المجتمعي بدون داع، بل هو وسيلة أيضا لتقبل المرأة باستعباد الشركات لها بواسطة الإسراف في التسوق ووسائل الزينة المصطنعة، والارتهان للبنوك بأقساط السيارة والبيت، وهذا التزوير لجمال الجسم الذي تنخرط فيه المرأة وتنفق بسخاء، يظهر إلى أي حد يحترم هذا الخطاب المعاصر المرأة التي قال بأنه يسعى لتحريرها من البيت وآصار الأسرة، إنه خداع النفس وعبادة الشكل حين يصير “كل تفكير المرأة في شكلها، في مقاسها الخارجي، في اللون والنقش التي ترسمها حول العين والحاجب والشفة، يخيل لها أن الجمال يمكن رسمه على الوجه.. وتنسى أن كل هذا طلاء ودهان، وأنه سوف يذوب ساعة أن تضع رأسها تحت الحنفية، كل ما صنعته كان سلسلة متقنة من الأكاذيب اشترك فيها الصيدلي والعطار..وهو تلفيق لا يمكن أن يكتب له الدوام”[16].

        ولا يتردد الخطاب المعاصر في الربط بين السم والجمال، حينما تكون النتيجة هي مزيد من الأرباح، فالتدخين القاتل يقدم على أنه رمز للجمال والحرية وتحقيق الذات “وبحسب منظمة الصحة العالمية، تروج شركات صناعة السجائر التي تستهدف النساء صورا مغرية لكنها خاطئة، كالربط بين التدخين والحيوية والنحافة والحداثة والتحرر والتطور بينما في الواقع يسبب التدخين المرض والموت”[17]. فقضية المرأة لا يمكنها أن تقوم بالوهم بل بالحقائق، والحقائق وحدها هي التي يمكن إقناع الشعب بها ولو بعد حين، لكن انتحال التحرر بهذه الأوهام لن يزيد في نفوس كثير من الذكور إلا معاداة لدعاوى التحرر.

        ثانيا: التحرر ذاتي لا موضوعي:

        إن التحرر يختلف جذريا عن الأشياء، ولا يمكن بأي حال تقويم قياس الحرية لدى الفرد بقدر ما يملك من الأشياء ووسائل التعبير عن الحرية، فكم من حرة أو حر داخل قضبان السجون، وما أكثر العبيد من السجانين والجلادين الذين يؤدون دوامهم ويمارسون ساديتهم على أولئك الأحرار في السجن، ثم ينصرفون إلى الحياة، لكن آفاقهم في التعامل مع الحياة محدودة، لن تجدهم خارج ملهى أو مقمرة أو ما يشبه ذلك من المخدرات التي توهم الإنسان أنه يفعل ما يشاء، لكن نفسه لا تساوي عنده شيئا، وبالتالي فليس متحررا من خوفه ومستقبله وأخطائه… وجوهر الفرق بين أولئك الجلادين، والأحرار المسجونين، يتجلى في أن الحر المسجون، يمكنه أن يترك السجن، لو تنازل عن فكرته التي سجن بسببها؛ لكنه اختارها واختار أن يؤدي ثمنها، وهو فخور بوضعه، كما أن أبناءه ومعارفه مرتاحون لاختياره، بينما الجلاد لا يستطيع أن يترك وظيفته رغم أنه ليس فخورا بها، ولا يستطيع أن يشرح حقيقتها لأولاده. وفي العصر الحديث يبدو الخلط كبيرا بين التحرر الذي هو صفة ذاتية يكسبه الإنسان إن شاء وتوفرت الإرادة مع المشيئة، وبين الأشياء التي تعبر عن وجود الحرية لكنها ليست الحرية ذاتها، وحينما تم هذا الخلط أصبح قياس تحرر الناس يكون على أساس ما يملكون من الأشياء، فكلما تقدمت الأشياء أحس الإنسان أنه متقدم، والحق كما قال مصطفى محمود أن “الأدوات في يديه هي التي تقدمت، وتحول هو من صانعها إلى خادمها، ثم إلى عبدها”[18]. والتحرر الذاتي للمرأة في العصر الحديث يتحقق عبر ثلاثة مراحل هي على الترتيب: حب الذات، والإصرار على نيل الحرية، والحذر من صخب المنظمات والمؤسسات التي تدعي خدمة الحرية.

        1-حب الذات:

        إن الأنثى بجسمها وعواطفها ولغتها وأذواقها ليست سوى مظهر من مظاهر الآيات الربانية في الخلق، وعلى المرأة أن تؤمن بأن الله تعالى اختار لها أحسن الوظائف والاستعدادات، لو عاشت في عالمها الخاص قريرة العين، وتجعل قول الله تعالى: “ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن” سورة النساء الآية: 32. نصب عينها، وأي معركة إصلاحية تريد أن تخوضها تعرف أنه لا يجب  عليها أن تكون رجلا أو مترجلة لكي تخوضها، فالأنوثة لا تمنع من شيء، والحقيقة أن إحدى المعضلات التي يعاني منها الإنسان المعاصر، والمرأة بنسبة كبيرة هي عدم تقدير الذات، إننا “نظن أننا نحب أنفسنا، ودليلنا أننا نسقي أنفسنا الخمر كل يوم، ونوفر لها المتعة، وحقيقة ما نفعل يدل على الكراهية لا الحب، فنحن نقتل أنفسنا بالخمر والتدخين والمخدرات.. ولا نطيق دقائق قليلة من الوحدة مع نفوسنا، فنستعين عليها بالمغيبات هاربين من هذا اللقاء”[19]. فالمرأة لو أحبت نفسها ما صارعت من أجل أن تلبس كما يلبس الرجل، وتظهر بمظهره.

        2-الإصرار والعزيمة:

        هناك وهم البحث عن الشروط، بينما الكثير من الأمور يمكن إنجازها بما تيسر من الشروط، بل التحرر لا يحتاج إلا إلى شرط واحد هو الإرادة. وحين سئل تشومسكي عن ماذا نفعل لأجل أن نكون أكثر تنظيما أجاب: “هناك إجابة بسيطة، امض قدما وقم بذلك، لقد أصبح الناس منظمين في ظروف أكثر إرهاقا من هذه الظروف”[20].

        3-ترك الاعتماد على القوى الخارجية:

        إن التعاون مع كل محب للخير لا يعني المبالغة في الثقة بكل الأطراف التي تدعي عشق الحرية والعمل من أجلها، وقد مر ما يكفي من الوقت لنفهم أن تحرر المرأة في الغرب لا يعني أكثر من نزع الحجاب واعتراض الدين، والسخرية من المجتمع، أما التحرر الحقيقي فلا توجد إرادة حقيقية للوصول إليه، وهذا ما صرحت به إحدى الخبيرات في المنظمات الدولية وهي مية الرحبي مديرة مساواة بمركز دراسات المرأة. تقول الرحبي: “هناك إصرار متعمد أو غير متعمد من قبل المنظمات والقوى الدولية الفاعلة على التعامل مع النساء كضحايا، فحتى القرار 1325 الذي تحدث عن حماية النساء ومشاركتهن الفاعلة في عملية صنع السلام.. ألحق بقرارات عدة لم تعد تتحدث عن المرأة كمشاركة فاعلة في حل النزاعات، بل فقط عن موضوع حماية النساء من العنف”[21]. وأنا أقول على غرار ما قالت الكاتبة: هناك إصرار من الكاتبة وكثير من زميلاتها على تجاهل أن المؤسسات الدولية لا يهمها من شأن المرأة إلا ما هو مثير كالعنف والجمال.. أما الحقوق فأصحابها كثر، بل شعوب بأكملها تم تجاهل حقها في التحرر والانتفاع بمواردها الطبيعية.

        ثالثا: التحرر مطلق والمظاهر نسبية:

        وأخيرا فإن الواقعية تقتضي أن نعرف أننا حين نحقق التحرر في ضمائرنا، فإن المكاسب المادية لا يمكن أن نضمن أنها تتوفر كاملة، فالمرأة الحرة لا نضمن لها أن تتولى قيادة الدولة، ليس لأنه حرام شرعا، ولكن لأن القائد لا يكون إلا واحدا، وتتحكم فيه اعتبارات كثيرة قد لا يكون من حظ المرأة أن تتولى القيادة، وهذا نقوله عن الوسائل المادية الأخرى، وبعض المظاهر التي لا داعي لمحاربتها بداعي التحرر، لأنها جزء من حقيقة التحرر، ولاسيما ما يتعلق بالسمات الحضارية للأمة، فالحجاب والزواج وتربية الأجيال ثقافة لم تستطع الثقافات الأخرى أن تثبت لنا أنها ثقافة فاشلة، بل إن فشلنا المادي لا يعوضه إلا هذه الصلابة في القيم والتماسك الاجتماعي، فعلى المرأة العربية إن خيرت بين المظهر والجوهر أن تختار الجوهر، فوجود زوج مستعد للإنفاق لا يترك لدى المرأة حاجة ملحة للخروج للعمل، ويوجد في البيت من هم في أشد الحاجة إليها؛ وإلا قلبنا الحقائق، وأصبحنا مجرد ظلال للأغيار، من حيث نسعى لإثبات الذات والتحرر من التبعية. وكم يأسف أحدنا حينما يجد الربط بين النضال وبين صراعات الهوية داخل المجتمع، وكأن المناضلة من أجل تحرير المرأة يجب أن تكون متمردة على أقاربها بحق وبباطل. ونشعر بالمرارة حين نشاهد المرأة التي خرجت للعمل لتتحرر من سلطة الزوج والأب، تخضع بشكل فظيع لسلطة رب العمل، الذي لا يرى منها سوى وسيلة لإرضاء الزبناء؛ وتتقاذفها تنمرات الزملاء والزميلات، وهي لم تخرج إلا لتسحب البساط من تحت أقدام إخوتها؛ إنها ليست دعوة لتكريس التسلط الذكوي، باسم الأبوة أو الزوجية أو الأخوة، ولكنها بصدق دعوة إلى اختيار بديل أفضل من المتوفرّ؛ حتى لا نكون كما قالت فاضلة في إحدى المقابلات الإعلامية على لسان بعض نساء العصر: أنا أتسوق إذا أنا موجودة.

خاتمة:

        إن تحرر المرأة مطلب ينشده الجميع، ولا ينكره إلا جاهل بحقيقة الحرية، أو منبوذ لا تربطه علاقة أمومة أو بنوة أو أخوة.. بامرأة؛ والأفكار الشاذة تناقش في سياقها ولا تشكل قاعدة للتفكير في المشاريع النهضوية الجادة، ولكي تتقدم المرأة العربية المعاصرة في طريق التحرر لابد لها ولنا جميعا من فهم الواقع، فهما يستبطن أسباب المشكل لا مظاهره فقط، ثم يتم التعامل بهدوء، يسمح بإنضاج أطروحة الإصلاح والتطوير، لصالح القضية النسوية؛ ويبقى فهم العصر الحديث، بما يميزه من إقصاء مؤسساتي؛ يفوق بكثير إقصاء الذكر الفرد للمرأة الفرد، وهوسه بالمال، شروطا ضرورية للنهوض بحرية المرأة؛ لكن كل ذلك لن يقدم شيئا للمرأة التي لم تتخذ بعد قرارها المستقل، لتتصالح مع ذاتها، وتؤمن بقدرتها على التحرر، وفق الشروط المتاحة، دون التسبب في شروخ مجتمعية غير محسوبة.

والله يتولانا جميعا بفضله وإنعامه.


 المراجع:

1- تشومسكي، نعوم، طموحات إمبريالية، ترجمة عمر الأيوبي، دار الكتاب العربي 2006.

2- تشومسكي، نعوم، ضبط الرعاع، ترجمة هيثم علي حجازي، مكتبة الأهلية، 1997م عمان الأردن.

3-السعداوي، السعداوي، دراسات عن المرأة والرجل في العالم العربي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر بدون ذكر تاريخ الطبع ومكانه.

4-محمود، مصطفى، الشيطان يحكم، دار المعارف، مصر بدون ذكر تاريخ الطبع.

5- رامبتون، شلدون، وستوبر، جون، أسلحة الخداع الشامل” – ترجمة ونشر الدار العربية للعلوم. 2004.

6- مؤسسة فريديريش إيبرت ومساواة /مركز دراسات المرأة ، مشاركة النساء في السلام الأمن والعمليات الانتقالية في العالم العربي مؤلف جماعي. 2017م بيروت.

7- لاغرانج، هوغ، نكران الثقافات، ترجمة سليمان رياشي، مراجعة: أحمد مراد وسعود المولى المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. الطبعة الأولى:2016م. بيروت.

8-شللر، هربرت، المتلاعبون بالعقول، ترجمة عبد السلام رضوان، سلسلة  عالم المعرفة، رقم 243 المجلس الوطني للثقافة والفنون الكويت.

9- الأنصاري، فريد، الفجور السياسي والحركة الإسلامية  بالمغرب  دراسة في التدافع الاجتماعي، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة،  2011 مصر

10-مقالة في الحرية.عزمي بشارة، عزمي، مقالة في الحرية المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الطبعة الأولى 2016 بيروت.

11-مجلة التسامح   السنة السادسة. وزارة الأوقاف والشؤون الدينية سلطنة عمان.


[1]  تشومسكي، نعوم،  ضبط الرعاع،  ترجمة هيثم علي حجازي، ص150،  مكتبة الأهلية 1997م عمان الأردن.

[2]  نفسه

[3]  السعداوي، نوال، “دراسات عن المرأة والرجل”، ص:10، المؤسسة العربية للدراسات والنشر بدون ذكر تاريخ الطبع ومكانه..

[4]  نفس المرجع ص 46.

[5]  محمود، مصطفى، “الشيطان يحكم”، ص 21،  دار المعارف مصر .

[6]  نفس المرجع ص39.

[7]  نفس المرجع ص43.

[8]  النمس، سلمى، تفعيل قدرة النساء في السلام والأمن، ضمن الكتاب الجماعي مشاركة النساء في السلام الأمن والعمليات الانتقالية في العالم العربي، ص 12 ، مؤسسة فريديريش إيبرت ومساواة /مركز دراسات المرأة 2017م بيروت.

[9]  السعداوي، نوال، دراسات عن المرأة والرجل، ص46 مرجع سابق.

[10] يبدو أن الاتجاه العام للنسوية العربية لم يغادر مدرسة هيجل الإصلاحية التي لا ترى إمكانية للإصلاح إلا بنسف كل الأنساق المجتمعية القائمة، حيث حدد قانون الإصلاح في السلب والتناقض، ولم ينتبهن مثلا إلى فلسفة كونت التي راجعت مبادئ الإصلاح الهيجلي واعتمدت الفلسفة الوضعية التي تميز بين الايجابي والسلبي فيما هو قائم، وبنت الإصلاح على علم الاجتماع بدل علم الاقتصاد كما فعل سان سيمون. ينظر: مولف، الطاهر، “العقل الوضعي عند أجيست كونت” بحث لنيل الماجيستر في الفلسفة، جامعة منتوري القسطنطينة الجزائر. تاريخ المناقشة 18 يونيو 2018. هذا كله إذا لم تعد الأطروحة الإسلامية لقضية التغيير الاجتماعي تثير إعجاب المرأة.

[11]  غروس، أريلا، مقدمة كتاب مشاركة النساء في السلام، ص7 مرجع سابق.

[12]  النمس، سلمى، تفعيل قدرة النساء في السلام والأمن ،ضمن كتاب مشاركة النساء في السلام ص:16 مرجع سابق.

[13]  السعداوي، نوال، دراسات عن المرأة والرجل. ص: 29.

[14]  تشومسكي، نعوم، ضبط الرعاع، ص 145.

[15]  نفس المرجع ص 144.

[16]  محمود، مصطفى، الشيطان يحكم، ص64.

[17]  أحمد فريدة علاقة النساء بالتدخين كيف شكلتها الحروب والخروج للعمل. موقع الجزيرة نت تاريخ الزيارة 19-02-2022م.

[18]  محمود، مصطفى، الشيطان يحكم، ص51.

[19]  نفس المرجع ص 30.

[20]  تشومسكي، نعوم، ضبط الرعاع، ص 142.

[21]  الرحبي، مية، مقدمة كتاب مشاركة النساء في السلام ص10. مرجع سابق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.