لم الحديث عن الجاه؟
بقلم: محمد القائم
تحدثنا بفضل الله وتوفيقه عن معنى الجاه والوجاهة، وعن جاه النبي العظيم صلى الله عليه وسلم، وعن جاه الأنبياء عليهم السلام، وجاه الوالدين والصالحين، من أجل:
1-معرفة مقامات الرجال:
لأننا ابتلينا في هذا الزمان بفكر تسطيحي يسوي بين الثرى والثريا، وبين الرجال وأشباه الرجال،ولا يميزون العالم من الجاهل “قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون”ولا يفرقون بين المصلح والمفسد “أم نجعل المتقين كالفجار “.
2-لإنزال الناس منازلهم:
فربنا فضل بعضنا على بعض، وفضل بين الرسل “تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض”لكن أهل الباطل والمفسدون يسعون للحط من الأكابر والأكارم، وأصحاب العلم والتقوى، وللحيلولة بين الشباب وبين التشرب ممن اهلهم الله ليقتدى بهم والأخذ عنهم.
3- من أجل محبة ونصرة من أحبه الله، والتوسل والتشفع بمن جعل الله قضاء الحوائج على أيديهم _الدنيوية والاخروية _ وجعلهم وسائط خير، ووصل وتوصيل، وهداية وإرشاد، لا وسائط حجب وطرد وإبعاد، يقولون لأتباعهم يوم المعاد:(لوهدانا الله لهديناكم) ويقولون:( فأغويناكم إنا كنا غاوين).
4- من أجل الاستفادة، وطي المسافة، وبلوغ المرام، ونيل الوطر بكل تيسير وأقل تكلفة، لأن من الناس (مفاتيح للخير مغاليق للشر) وخير مايفتحون به عليك التدين السمح الخالي من الغلو والتنطع، وسبل التقرب، والادب اللازم للحضرة والمقام، مع التنبيه على ما يخل ويخجل، او يبعد ولايسعد.
5- تصحيح المثل القائل (الدنيا بالوجوه، والآخرة بالزراوط -العصي-) قال احد الصالحين:حتى الآخرة بالوجوه.
والمثل سيق لذم أصحاب الجاه الدنيوي لأنهم يسعون في قضاء مصالح ذوي قراباتهم واصحابهم، والتشفع لهم عند ملوك الدنيا وأصحاب المناصب بالمقابل او بدونه، ولو بدون استحقاق ،مع تهميش وإبعاد ذوي الكفاءات، وحرمان الضعفاء من حقهم، وعدم إبلاغ حاجاتهم للسلطان؛ فإن هذا النوع من الجاه مضر بأصحابه في الآخرة لانهم سخروه في قضاء مآرب دنيوية، ومصالح شخصية، وأضروا بالمصلحة العامة وابناء العامة، وتزلفوا به للمخلوق دون الخالق.
وهذا الجاه المذموم قد ذكره أبو حامد الغزالي رحمه الله في الكتاب الثامن من ربع المهلكات. حيث ذكر خطورة الجاه وحب الشهرة على المرء، لكونه منشأ كل فساد، خاصة لمن جمع بين إرادة الفساد والعلو في الأرض. وإن كان رحمه الله قدتناوله من جهة العدم كما يقول الاصوليون، فقصدي هو تناوله من جهة الوجود، وبيان أهميته في نفع عيال الله، وقطع الطريق على من يشفعون شفاعة سيئة.
وإلا فمن أولياء الله من يتشفع للضعفاء ومن لا يستطيع إبلاغ حاجاته عند الملوك والسلاطين، شفاعة حسنة، عملا بقول المصطفى صلى الله عليه وسلم، المتفق عليه، من رواية أبي موسى الاشعري رضي الله عنه:(اشمن رواية أبي موسى الاشعري رضي الله عنه:(اشفَعُوا تُؤجَروا،) والمرادُ بالشَّفاعةِ هنا: هي التي تَكونُ في أمورِ الدُّنيا، فيَسعون فيها وطلَبِها لاصحابها، والتَّوسُّطِ فيها طالَما فيها خيرٌ لهم في دُنياهم، ما لم تكُنْ تلك الحاجةُ مَعصيةً أو إسقاطَ حدٍّ مِن حدودِ اللهِ تعالَى. أمَّا الحاجاتِ التي فيها تيسير وصلح، وصلة ما أمر الله به أن يوصل، وتعاون على البر والتقوى، فيبادِرون إليها.طلبا لأجر الشَّفيعِ الذي لا يَتوقَّفُ على تَحقُّقِ الغرَضِ مِن الشَّفاعةِ؛ بل لِمُجرَّدِ السَّعيِ.وفي الحديثِ: التَّرغيبُ في الشَّفاعةِ والسَّعيِ في قَضاءِ حَوائجِ النَّاسِ.
وكذلك حديث أبي الدرداء رضي الله عنه الذي رواه السيوطي رحمه الله (ابلغوا حاجة من لايستطيع إبلاغ حاجته، فمن أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ثبت الله قدميه على الصراط يوم القيامة).
والآخرة كذلك بالوجوه: أي يتوصل بشفاعة الوجوه الناضرة الناعمة، المسفرة الضاحكة المستبشرة، المحبوبة الوجيهة عند الله، لقضاء الحوائج الاخروية، من استجابة الدعاء، وغفران الذنوب، وسؤال التثبيت، والقرب من المولى عز وجل، والكينونة مع المومنين (ثم كان من الذين ءامنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة) في الدنيا والآخرة.
ووجوه الخير التي جعل الله على أيديهم مفاتيح الخير، تنفع شفاعتهم في الدنيا، وتنفع اكثر في الآخرة، يوم يتبرأ المتبوع من التابع، ويقول الظالم مالي من صديق حميم ولا شافع.
6- حتى نتجنب إذاية من خصهم الولي الحميد بولايته، وحذرنا من الدخول في محاربته لقوله عز وجل في الحديث القدسي:(من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب) وقوله سبحانه في أواخر سورة الأحزاب:“ياايها الذين ءامنوا لا تكونوا كالذين ءاذوا موسى فبرأه الله مما قالوا ،وكان عند الله وجيها”فإذاية أهل الجاه صعبة للغاية ووخيمة البداية والنهاية.
7-السعي في تحصيل المكانة والجاه، حتى يلحق المرء بالأقوياء الأمناء، ويسد الثغرات ويقيل العثرات، وحتى يقول كما قال الكريم بن الكريم يوسف عليه السلام “اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم “.
اللهم إنا نسألك حسن الخلق ،وحسن الأدب، وحسن الظن بك وبعبادك الصالحين، وبجميع خلقك ياولي يا حميد.