منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

لماذا أكتب..؟ السؤال المرهق

د. مصطفى العادل

0

لماذا أكتب..؟ السؤال المرهق

بقلم: د. مصطفى العادل

لعل سؤال “لماذا أكتب؟” الذي يأتيك بصيّغ مختلفة، وقد يطرحه أحدهم عليك “لماذا تكتب؟”، من أهم الأسئلة والإشكالات المرهقة في عالم الكتابة، وفي أوساط الكتَّابِ.

وعلى الرَّغمِ من بساطة هذا السؤال، فإنّ الجواب عليه يكون صعبًا ومعقدًا، وأحيانًا يكون مستعصيًا وأنت تعتقد أنك ستتمكّن من الإجابة عليه، وإقناع نفسك وإقناع السائلين بما تُفكِّر فيه، وبما تراه جوابًا شافيًا ومقنعًا بشأنه.

تختلف الرغبة الكامنة وراء فعل الكتابة من كاتب إلى آخر، وربّما عند الكاتب الواحد من مرحلة إلى أخرى، ومن كتابة إلى أخرى؛ فبعض النّاس يكتبون كتابات ومقالات دوريّة وكتبًا من أجل غرض محدَّد، كالحصول على المال، أو لأداء واجب مهني أو وظيفي، أو لغرض علمي وبحثي، وهذا النوع من الكتابة يمكن اعتباره كباقي الخدمات التي يقوم بها الناس في حياتهم من أجل هدف ربحي.

الذي يكتب مقالًا مقابل مبلغ معيَّن من المال، أو الذي يجد نفسه مضطرًا لكتابة بحث لاستيفاء شروط التوظيف، أو من أجل تجديد التسجيل في مجال بحثه وتكوينه، كمن يُقدّم عملًا معينًا للحصول على المال وتلبيّة حاجات الحياة. مثله في ذلك، مثل الكاتب الذي يكتب كتابًا أو تقريرًا سنويًا، استجابةً لطلب رئيسه أو مؤسسته التي تَدفع له راتبه الشهري. وقد شهِدت المكتبة العربية الإسلامية ظهور بعض المؤلفات والتصانيف القيّمة التي كتبها أصحابها بناءً على إشارات من أمراء زمانهم وسلاطينه.

وأحيانًا يكتب بعضهم ردًا على كاتب قبله أو من معاصريه، إمّا إعجابًا به، أو رفضًا له، وانتقاصًا منه. وهذا النوع من الكتابات النقدية موجود في مختلف الثقافات والحضارات، وفي كل الأزمان والحقب، وهذا النوع يُعدّ من أهم أصناف الكتابة المفيدة، إذ يُعبّر عن وعي نقدي تحليلي يرنو بناء ثقافة واعية، ومعها حضارة مزدهرة لا تقبل إلا السمين.

ولا يخفَ على القارئ الباحث حظ هذا النّوع من الكتابة في بناء الحضارة العربية الإسلامية قديمًا، حيث تُنشأ المؤلفات والمصنّفات على نقد مؤلفات وكتب قبلها، وتحليلها، وتلخيصها، وتوسيعها، والاستدراك على ما ظهر قبلها.

والسجال العلمي والحوار النقدي الذي يقوم بين المؤلفات والكتب، هو صورة منعكسة عن المستوى المعرفي والنقدي الذي وصلت إليه الحضارة وأبناؤها في كل زمن من الأزمنة. ولعل المتأمّل الحصيف في المصنفات القديمة في المكتبة العربية الإسلامية يلحظ الوفرة والغنى في هذا الصّنف من الكتابة. فالكتاب الواحد تؤَلّف حوله العشرات من المؤلفات شرحًا، وتحليلاً، وتلخيصًا، واستدراكًا عليه، ونقدًا له، ثم بالسير على منواله، والاقتداء به، وغيرها من الأغراض التي تدفع الكتّاب إلى الكتابة النقدية.

وسواء أكانت الدوافع وراء الكتابة دوافع مادية وحوافز ربحية، مثل التقرب من الأمراء والسلطة، أو البحث عن مرتبة أعلى في الوظيفة، أو من أجل النشر في مجلة تُقدّم المكافآت أو المشاركة به في جائزة دولية كبيرة، أم كانت من أجل النقد، والدخول في المعارك والحروب المعرفية، والسعي لإبطال هذه الفكرة أو الإعلاء من تلك وغيرها من أغراض الكتابة النقدية، فإنهما معا -في نظري- خارج إطار دائرة الكتابة الحقيقية في معناها العميق، وإن كانت الكتابة النقدية أعلى قيمة من النوع الأول.

 إن الكتابة التي يمكن اعتبارها معيارًا على أن هذا الكاتب أو ذاك كاتب حقيقي، هي الكتابة الإبداعية التي يصعب على الكاتب نفسه أن يُقدِّم لها مبررات ودوافع؛ الكتابة التي تمنح لهذا الإنسان نظرة مختلفة لكل شيء في العالم المحيط به؛ الكتابة التي تجعل منه إنسانًا محرّرًا من القيود التي تُكبّل عقولَ الآخرين وأيديهم، وتُوجّه حركاتهم وأنشطتهم.

ولا نقصد بالكتابة الإبداعية في هذا المقام مفهومها المتداول بين النقاد؛ التي تقابل الكتابة النقدية، بل نقصد الكتابة التي تدفع الكاتب إلى الكتابة دون أن يدرك جوابًا مقنعًا عن السؤال المرهق الذي شغل جورج أورويل: “لماذا أكتب؟”. فجورج أورويل كان ناقدًا، بل كان همّه الأساس كما يُردِّد “أن يجعل الكتابة السياسية فنّا”، لكن نقده الإبداعي وكتاباته لم تكن وراءها دوافع مادية ولا مقاصد محدّدة، بل كان يكتب في أي وقت وهو يبحث عن جواب للسؤال المرهق “لماذا أكتب؟”.

ولعل جورج أورويل كان يدرك حقيقة معنى أن تكون كاتبًا حقيقيًا، لذلك ظل هذا السؤال المرهق مفتوحًا دون إجابات في كل مقالاته وكتبه ومؤلفاته. لأن حقيقة الجواب عنه في عدم معرفة الجواب أصلاً، وفي العطش الدائم للكتابة المطلقة المتخلّصة من القيود والأغلال.

يؤمن أورويل بأن “الكاتب ليس بإمكانه أن يكون عضوًا مخلصًا في حزب سياسي”، لأن الكتابة الحقيقية في ضوء ما سبق، تفوق تصوّرات المذاهب والأحزاب والجماعات الإنسانية، لتعانقَ السماء التي تُظلّنا جميعًا بأفكارنا وتصوّراتنا ومعتقداتنا ورؤانا للعالم. ولأن الكتابة الحقيقية في نهاية المطاف ينبغي أن تَظلّ الدّوافعُ إليها مجهولة وإن كانت لها رسالة واضحة ومرامٍ محدّدة تسعى إلى بلوغها.

إن الكاتب الذّي يكتب لأنّه يَعتبر الكتابةَ في حياته كالأكسجين تمامًا، لا حياة له دونها، لن يكون يومًا في مقام الذي يكتب لأنه طُلبت منه الكتابة مقابل قدر معيّن من المال، أو لدافع ربحي محدّد مسبقا، وقد يكتب بحثًا ثم يبيعه ليُنشرَ باسم كاتب وهميّ آخر لم يكتب فيه كلمة واحدة. إنه كالمرأة التي تلد أطفالًا لتبيعهم، فأنّى لها أن تكون أمّا، وأن تدرك حقيقة الأمومة؟

إنّني عندما أردت معرفة حقيقة الكاتب، قارنت بين كتّاب يمارسون الكتابة كما يمارس الفلاح والعامل والبناي أعمالهم، يحسبون لكل عمل ألف حساب، وينظرون في كل خطوة كم سيحصلون مقابلها من الربح. والكاتب الذي يزهد بآخر قطعة نقدية في جيبه من أجل قلم جاف، لأن عشرات الأسئلة المرهقة، والأفكار المتزاحمة ما تزال مسجونة في أعماقه، تحتاج إلى القلم من أجل تحريرها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.