منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

من يذكرها منكم؟

من يذكرها منكم؟/ حميد الراتي

0
من يذكرها منكم؟ 
بقلم: حميد الراتي
فاجأتني ذات صبح بارد قائلة من وراء ستار:
آوليدي الله يهديك.. نوض تاكل.. واش هاد الكتابة فيها لاجر بعدا؟
وكنتُ كلما حملتُ بين يَديّ جسدي النازف كَمِحْبرة، جَرّاء التنفس العسير، والعَرق البارد، والحظ السيء الذي يتناغم وفق تفاصيل الحياة، وانعدام “القيمة” داخل واقع مرير، يكاد لا يعترف بأي شيء، حتى بما لم نقله، أو نكتبه بعد.
أجذني دوما، مثقلا بالهروب إليّ، وكأن الأمور تسير لحظتها سريعة من سيء إلى أسوء، أو هكذا خُيّل إليّ، ألود بالصمت الصاخب، فهو المناسب فعلا لحالتي المرضية التي لا علاج لها بعدكِ/دونكِ.
أمنع عني كل الامدادات، أقاوم طواحين الريح العاتية بأشرعة مثقوبة، أتجرع على مَهل، جراحي المفضوحة، المفتونة، المفتوحة على كل احتمال، وكأنني أختبر رحيلي الأخير المنتظر، إلى قُرْبكِ الأبدي، إلى رئة أخرى، ربما أتنفس من خلالها عَبَق الحياة، أيّ حياة دون سلام، دون وئام قد يدخلني بلا “فيزا” إلى رغد الخلود والغُفران، فربما، الكُتاب، كُتاب القصة، خصوصا، يدخلون الأسواق والمقاهي من أبوابها المفترضة، لكن، ربما، لا يدخلون الجنة.
من يذكرها منكم؟
ربما هي الآن بكامل عطرها الفواح، وقلبها المفعم بالحب والصفاء، تبتسم.
ربما هي الآن، بيننا دون جسدها المسجى بالبياض والهدوء والقبول والبخور، تراقب فينا خُلسة دفئ الاحتفاء، وألق الرسائل القلبية.
أو ربما، هي في الأصل، الحقيقة، ونحن، رغم هذه الروح التي تسري في الأعماق، كذبة.
وبعد:
دعوني أعرج بكم قليلا، إلى نصوص ومتاهات “قفل الصمت”، هذه القصيرة جدا، الصعبة، المعقدة، القليلة البوح، (غيبقا ينقص من السطورة حتى ينقارض..)، يا عزيزي، ربما، كلما قللتُ الكلامَ، زاد الاصغاء إليّ، فقد تَعِبْتُ من المِلح الزائد الذي أصادفه في مجموعة من الكتابات الطويلة المُمّلة التي تَبْعثُ على الغثيان، لنخلق معا، جرسا ماتعا، وجميلا أيضا.
هذا العنوان المستعصي على الفهم، العنوان التحدي، العتبة الأولى التي تَفْضَح كل الأسرار، وتُخْرج الحكاية من الجمود، إلى الحركة، لفهمها، أو عدم فهمها، لصبر أغوارها منذ الشتلة الأولى الكامنة بين أحراش النصوص، إلى السقطة الأخيرة، المدوية، المؤلمة.
العنوان الأيقونة، التي تنتظر من يفككها للوصول إلى معانيها ودلالاتها، إلى مصير شخوصها المعتمة، ومبانيها المهجورة، وزقاقاتها الضيقة البسيطة.
“قفل الصمت”، أيّ قفل ينتظر منا السارد فتحه أو تكسيره؟ وأيّ صمت؟ وما العلاقة بينهما؟
ماذا لو، لملمتُ كل الخيوط الناظمة للنصوص المغتربة، وبجرعة قليلة من النضج والتأمل، شَكّلت عنوانا بسيطا، ومختلفا تماما؟
ماذا لو، وضعتُ على سبيل التفكه، على مقربة منه، وردة يانعة، أو ابتسامة مزعومة قد تضفي للقراء بعض التنفس والأمل والمفاجئة أيضا؟
ماذا لو..
لا أخفيكم سرا، لو كنت أمتلك بعض مقومات الرجوع إلى الماضي الماكر، لو كانتِ العودة ممكنة إلى مشروع السرد المقدس، لكتبت مسلحا بالمعنى، عن القسوة، والحرمان، والفقدان، والتهميش، والسخرية، والمساوات والمواسات، والكثير من المفارقات الاجتماعية.. بأسلوب آخر، خال من مُسيلات الدموع، التي قد تنفجر بعد كل نص قصير وقاتل.
في انتظار قراءتكم التي أرجوها ماتعة
دمتم/دمتن بألف رحمة وصحة وعافية.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.