ما العمل إذا كثرت الفتن؟
ما العمل إذا كثرت الفتن؟/ رضوان ابن شقرون
ما العمل إذا كثرت الفتن؟
بقلم: رضوان ابن شقرون
انطلاقا من حديث عبد الله بن عمرو رضيَ اللهُ عنه في صحيح البخاري أن رسول الله صلى اللهُ عليه وسلّم قال: »يَا عَبْدَ اللَّهِ بنَ عَمْرٍو كيفَ بكَ إذَا بَقِيتَ فـي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ قال: قُلتُ: يا رسولَ اللهِ، كيف ذلك؟ قال: إذا مَرِجَتْ عهودُهم وأماناتُهم، وكانوا هكذا -وشبَّكَ بين أصابعِهِ- قال [عبد الله بن عمرو]: قُلتُ: ما أصنَعُ عندَ ذاك يا رسولَ اللهِ؟ قال: اتَّقِ اللهَ عزَّ وجلَّ، وخُذْ ما تَعرِفُ، ودَعْ ما تُنكِرُ، وعليك بخاصَّتِكَ، وإيَّاكَ وعَوامَّهم «
حديث نبوي حكيم بليغ يعلم الناس كيف يفعلون إذا كثرت الفتن وعمّت، وينصحهم ويحذرهم من ذلك الزمن الذي يكون ناسُه حُثَالَةٌ، أي أسوأ الناس وأرذلهم، لأنهم لا يحفظون عهدا ولا يفون بوعد، تقل بينهم الأمانة فلا يَعرِفُ حقَّها في ذلك الزَّمنِ إلا قَليلٌ من الناس، يختلط الطيب بالخبيث كما تختلط الأصابع إذا شبكت، فلا يستطيع المرء أن يميز هذا من ذاك ولا يعرف ما يفعل ولا كيف يتعامل مع ذا وذاك؟!
والرسول صلّى الله عليه وسلّم حين يوجه سؤالا لصحابي فإنما يريد تعليم الناس أمرا ينفعهم في الحال أو المآل، أو يريد إبلاغهم تشريعا يقربهم إلى ربهم أو يصلح من أحوالهم، فالكلام هنا وإن كان موجها إلى واحد من الصحابة، ففيه تربية لكل الأجيال، وفيه إخبار بأنه سيأتي زمان تتقلب فيه الأحوال ويختلف الناس وتتشابك فيه الأمور، ولقد فطن الصحابي الجليل إلى القصد، فسَأَل رسول الله صلّى اللهُ عليه وسلّم عما يجب عليه فعلُه في هذا الموقفِ مع هؤلاء الناسِ إذا أدْرَكَهم وعاش في زمن الفتنة؟ وتأتي الإجابة النبوية مبينة أنّ واجب الإنسان حينئذ يتلخص في ثلاث:
1: أن يستقيم على تقوى الله، تأكيداً لضرورة الانضباط بالشرع إذا تُرِك أو خولفت قواعده، والاحتراز مِن الوقوع في الفتن إذا عمت، فالتقوى أساس كل عمل، ويدخل فيها إغاثة الملهوف، وإعانة المحتاج، ونصرة المظلوم.
2: وإذا عَجزَ عنِ الأمرِ بالمعرُوفِ والنهي عن المنكر في تلك الظروف، فعليه أن يأخُذ ما يَعْرِفُه مِن الحقِّ ويتركَ ما يُنكرُه من الباطلِ، ويَلزَم نفْسَه وأحوالَها فيُقَوِّمها ويصلح من شأنها.
3: أن لا يشغل نفسه بما يَحُلُّ بالناسِ، ولا ينخرط معهم في الفتن المهلكة، ولا ما يَنتشر فيهم من السوء والمحن المضنية، فيَترُكَ عامَّةَ هؤلاءِ الحثالة السيئين، ولا يخالط إلا الفضلاء الصالحين إذا وجدهم.