ما هو حكم التعامل بالعملات الرقمية المشفرة؟
ما هو حكم التعامل بالعملات الرقمية المشفرة؟/ الدكتور أحمد الإدريـسي.
ما هو حكم التعامل بالعملات الرقمية المشفرة؟
بقـلم: الدكتور أحمد الإدريـسي
شهد العالم في السنوات الأخيرة ومنهم المستثمرون العرب والمسلمون، إقبالا على شراء العملات الرقمية المشفرة حيث وجدوا فيها استثمارا سهلا يمكنهم من جني الأرباح السريعة. وقد عاد النقاش هذه الأيام (أكتوبر 2022) حول شرعية هذه العملات الرقمية، المشفرة.
أولا: نظرة موجزة عن التعامل بالعملات الرقمية.
1- مبدئيا؛ لا إشكال في وجود عملة رقمية مع ضوابط القوانين والتشريعات التي تنظم تداولها بشكل قانوني، فهي وسائل، وتحريم الوسائل يختلف عن تحريم المقاصد والأصول، فتحريم الأصول لا يحل في أي حال إلا للضرورة، أما الوسائل فتحرم كلما زاد الفساد.
2- ينبغي التنبيه إلى خطورة وشبهة التعامل مع هذه العملات بنفس الطريقة التي تدور حاليا خاصة في ظل غياب الجهات التنظيمية والقانونية والرقابية التي تؤطرها.
– تحفّ هذه العملة مخاطر كثيرة منها المجازفة الكبيرة والتأرجح السريع في سعرها، وسهولة سرقتها والتلاعب بها، فمثلا: قدرت شركة “سايفر تريس” الأميركية المتخصصة في الأمن الإلكتروني حجم سرقات العملات المشفرة عبر القرصنة بنحو 927 مليون دولار، خلال الأشهر التسعة الأولى في عام 2018.
ثانيا: من آراء العلماء المعاصرين.
1– الدكتور علي القره داغي؛ الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والخبير بالمجامع الفقهية الدولية، قال: إن البيتكوين ليس محرما لذاته لأنها عملية إلكترونية علمية مشروعة، ولكنها محرمة لما يترتب عليها من المضاربات وضياع الأموال وفقدان الأصل أو الضامن لها، وهذا ما يسمى بتحريم الوسائل). (حسب ما أوردت مصادر إعلامية في قطر).
2– الدكتور محمد المطلق؛ عضو هيئة كبار العلماءِ بالسعودية، قال: إن من يتداولون هذه العملات “مثل الذين يلعبون القمار والميسر، لكن المسلم لا يدخل في الغرر. والغرر أخف من هذا بكثير، فالغرر الذي نهى عنه النبي كان في أشياء يسيرة، فكيف بهذا؟”.
3– الدكتور شوقي علام؛ مفتي مصر: لا يجوز التعامل بـالبتكوين وشقيقاتها، نظرا لكونها وحدات افتراضية غير مغطاة بأصول ملموسة، فضلا عن كونها قد تفضي إلى ولادة مخاطر عالية قد تصيب الأفراد والدول.
4- اتحاد علماء المسلمين: أصدر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين فتوى حرم فيها التعامل بعملة “البتكوين” والعملات الرقمية الأخرى غير الرسمية، وهذه الفتوى صادرة عن لجنة الاجتهاد والفتوى، وقالت إنها ترى “استثناء حالات الضرورة والحاجة الماسة من المنع من التعامل بالبتكوين والعملات الرقمية كمساعدة المسلمين المحاصرين اقتصادياً أو سياسياً دولا كانوا أو أقاليم؛ إن كان في ذلك نفع لهم، وكان النفع عاماً بهم، لا خاصاً بالأفراد”.
لكن اللجنة بينت أن تحريم التعامل بالبتكوين والعملات الرقمية الشبيهة غير الرسمية، إنما هو من قبيل تحريم الوسائل لا تحريم المقاصد، لما ترتب على التعامل بها وتداولها من المفاسد والمضار والمآلات الموجبة للمنع.
وختمت هذه الفتوى بإشارة مهمة، وهي؛ “أن القول بالمنع والتحريم لا يشمل العملات الرقمية الرسمية التي تصدرها الدولة، أو تتبناها البنوك المركزية وتضمنها، فهذه يجوز التعامل بها في نطاق الدولة التي أصدرتها”.
ثالثا: رأيي في المسألة.
1- هذه المعاملة محرمة، في الحالات الآتية:
* عند عدم القدرة على مراقبتها، مما قد يجعل منها وسيلة للعمليات المحظورة مثل أنشطة غسل الأموال وتجارة المخدرات والسلاحِ.
* إذا تسببت هذه العملات الافتراضية بإثراء كثيرين وإفقار آخرين، بشكل سريع جدا.
* عند عدم الاتفاق بين الجهات المالية والرقابية على وضع ضوابط لهذه السوق المستجدة.
2- إذا اختلفت العملات بأن كانت إحداها عملة بلد والأخرى عملة بلد آخر يجوز فيها التفاضل، ويحرم التأخير؛ لأن كل عملة من هذه العملات جنس مستقل. وهذا يعني أنه لا تجوز المبادلة بين جنس واحد مع الزيادة من أحد الطرفين، ولا بد أن يكون القبض في المجلس.
وإذا اختلفت الأجناس فإنه يجوز أن تكون إحدى العملتين زائدة على الأخرى بشرط أن يكون الاستلام والتسليم في مجلس العقد. (يدا بيد).
ويجوز أيضا بيع وشراء العملات الأجنبية من البورصات العالمية إذا خلت من المحاذير الشرعية الموقعة في الربا أو الغرر والجهالة أو الخداع. فإذا تم القبض في وقت إجراء المعاملات وهو ما يعبر عنه الفقهاء بالقبض في المجلس وليس هناك تأخير فلا حرج في ذلك. والله أعلم.
3- إن أغلب الناس لا يعرفون التداول في العملات، ولا وسيط بنك، ولا كثير من المعاملات المالية، لذلك يتلاعب أصحاب الأموال بالمصطلحات لجلب الزبناء بأية طريقة، إضافة إلى عدم اهتمامهم بطرق الكسب “حلال أو حرام” وإن كان مسلما.
لذلك لا يجوز الدخول في معاملة مالية إلا بعد معرفة تامة بقواعدها وضوابطها الشرعية، وآثارها القانونية، وإلا أكل المسلم الحرام بقصد أو بغير قصد. وصدق سينا عمر رضي الله عنه حين قال: “لا يبيع في سوقنا إلا من تفقّـه في الدين، وإلا أكل الربا شاء أم أبى” (رواه الإمام الترمذي بإسناد حسن).
رابعا: حكم التجارة في العملة، أو ما يسمى ب “FOREX Market”:
1- إذا اختلفت العملات بأن كانت إحداها عملة بلد والأخرى عملة بلد آخر يجوز فيها التفاضل، ويحرم التأخير؛ لأن كل عملة من هذه العملات جنس مستقل، وهذا يعني أنه لا تجوز المبادلة بين جنس واحد مع الزيادة من أحد الطرفين، ولا بد أن يكون القبض في المجلس، أما إذا اختلفت الأجناس فإنه يجوز أن تكون إحدى العملتين زائدة على الأخرى بشرط أن يكون الاستلام والتسليم في مجلس العقد. (يدا بيد).
ويجوز أيضا بيع وشراء العملات الأجنبية من البورصات العالمية إذا خلت من المحاذير الشرعية الموقعة في الربا أو الغرر والجهالة أو الخداع. فإذا تم القبض في وقت إجراء المعاملات وهو ما يعبر عنه الفقهاء بالقبض في المجلس وليس هناك تأخير فلا حرج في ذلك. والله أعلم.
2- لا يكون شراء العملة الرقمية أو النقود الإلكترونية جائزا إلا إذا كان: بعملة مختلفة معها في الجنس، أو متفقة يعد صرفا، ولا بد في الصرف من التقابض، والتماثل عند اتحاد الجنس، والتقابض دون التماثل عند اختلاف الجنس، والقبض قد يكون حقيقيًا، وقد يكون حكميًا. والله أعلم.
خاتمة:
رغم أنه حدث تطور في التعامل مع العملات المشفرة، حيث اتجهت بعض الدول إلى التقليل من لامركزية العملات المشفرة، واعتبرتها النمسا بضاعة تجارية، وأظهرت العديد من البنوك المركزية اهتماما بإصدار العملات الرقمية المركزية كالصين، واعترفت بها العديد من البنوك المركزية في بعض الدول، مثل كندا وألمانيا، رغم ذلك كله فإنه لا ينبغي التسرع في الحكم بالجواز على هذه العملات الرقمية.
وفي الختام أنَـبّه إلى أن هذه المسألة تحتاج إلى مزيد من النظر والبحث، في ملابساتها ومناطها، وتطبيقاتها، ومن ذلك:
– تشريعات العملات المشفرة في البنوك المركزية،
– المصالح والمفاسد الاقتصادية والموازنة بينهما،
– منصات التداول،
– معرفة طريقة البلوكتشين وأهميتها في هذا العصر،
– الميزان الشرعي لمخاطر هذه العملات في ضوء مراعاة الفكر الاقتصادي.
والحمد لله رب العالمين.