منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

غُرْبَةُ “كزانتزاكيس” في “واد لو”

غُرْبَةُ "كزانتزاكيس" في "واد لو"/ عبد الهادي المهادي

0

غُرْبَةُ “كزانتزاكيس” في “واد لو”

بقلم: عبد الهادي المهادي

 

“قلتُ لشجرةِ اللوز: حدّثيني عن اللهِ يا أخت، فأزهرتْ شجرة اللوز”

رفقة أفراد أسرتي، وصلتُ “واد لو” ليلا، قُـبَيْل أذان العشاء بقليل، بعدما قضَّيْنا سَحابَةَ نهارِنا في شاطئ “قاع أسراس”، حيثُ كنا نُقيم. رَكنْتُ سيارتي قريبا من “الكورنيش” وقد هجم عليّ شعورٌ ـ أعرفه جيدا ـ وغزاني بعنف، فما اختطفْـتُه بنظراتٍ سريعةٍ وأنا في الطريق جعلني شبه مُسْتَيْقِنٍ بأن الزمنَ القصيرَ القادمَ سيكونُ ثقيلا على عقلي وفؤادي حَدّ الوَجَعِ. قاوَمتُ نفسي، وبحذرِ الخائفِ منَ الموْج الهادرِ غادرْتُ السيارةَ ودخلتُ في تيّار الغادين والرائحين.

غارقا كنتُ في عـارِ الحُضورِ وسط هَـوَسِ التّشْييء وهَـبَـلِـه. سؤالٌ واحدٌ كان يَقْرَعُ رأسي بعنف: كيف حصلَ وأن قادتني قدمايَ إلى زاويةٍ كان يُمكن بسهولة تلافيها؟

حسب الاتفاق، كان من المُقرَّرِ أن نسيرَ ذهابا وإيابا، مرّةً أو اثنتين، في الكورنيش الطويل، ثم نجلسُ في مطعمٍ لتناول وجبة عشاء خفيفة، ثم نغادر.

لكن بضعَ خطواتٍ كانت كافيةً لأَغُـطَّ في كآبةٍ كنتُ أتوقّعُها، قادتني سريعا إلى إحساسٍ حقيقيٍّ بالغثيان، وكدِتُ ـ حرفيا ـ أن أفرغَ مَعدتي على قارعة الطريق. استوقفتُ زوجتي، وانفردتُ بها، وبأبْـخَـلِ الكلمات وأيْـسَـرِها ذَكّرْتُها ـ وهي عَليمَةٌ ـ أن جُلّ المَشاهِد من حولي تَخلقُ في داخلي “حالة” نفسية تَحَمُّلُها فوق طاقتي وقدرتي. شرحتُ لها أن وجودي معهم الآن صار مَفْسَدَةً للهدف الصغير الذي من أجلهكان مَـقْـدَمُـنا:

ـ “فلتستمتعوا بوقتكم إذا، واتركوني لحالي، سأذهبُ لمقهًى بسيطٍ في أقصى المدينة، وأعودُ إليكم بعد أن تَشبعوا وتتعبوا”؛ قلتُ لها.

كانت على دراية عميقة بـ”حالتي” فلم تُمانع.

بحرٌ هادرٌ من الخَلق، جُلّهم مَـنْـقُـوعٌ ـ إلى آخر شعرة في رأسه ـ في الاحتفاء بالأشياء والجسد، وتنافسٌ مَحْمومٌ فيمَنْ يكون الأبهى والأجمل والأكثر إثارة للنظر؛ الجميعُ يريد أن يكونَ جذّابا، خلّابا، فاتِنا، وبنفس معايير “BARBI”.

إنّه العَمَى!

كيف يستطيع “بعض العقلاء” من معارفي وأصدقائي، ممَّن يختارون هذا المصيف مكانا للاستجمام، أن يتحمّلوا كلّ هذا الهرج والبهرج ذي التَّوَتّرِ العالي… كيف؟!

فتاةٌ بدينةٌ جدّا، يكاد الشحم ينفجر سائلا من جنباتِها، لو اكتسَتْ بما “يُواتيها” لانْتَصَبَتْ قَسيمَةً مَليحَةَ، ولكنَّ شيطانَ الخِفَّةِ والنّزقِ أوحى لها بأنَّ جسدَها مَسْبوكٌ، مُهلكٌ، قتّال، في الوقت الذي لا يكشف “التقليد الأعمى البغيض” إلا عن بناءٍ عشوائيٍّ مُقزّز.

شابٌ مُتباه، ينطلقُ بدراجته النارية على عجلة واحدة، يراوغ المارّة، ظانّا أن الجميع ينظر إليه باندهاش وإجلال، في الوقت الذي لا يرون فيه سوى صورة قرد بَشِعٍ يَنِطّ.

امرأة تُشرف على السبعين، تركب ـ رفقة أبنائها وأحفادها ـ قطارا سياحيا صغيرا، ينطلق في جولة قصيرة، بينما ترفع عقيرتها بزغاريد قوية، ثمّ تضرب الدُّفَّ وتُغنّي “دابا يحن مولانا”!

فتياتٌ ونساءٌ “يرتدين” قِطعا ثوبية، تكشف أكثر مما تُخفي، بألوان وتصاميم لا تشبه بعضها بعضا أبدا، ولا يصحّ ـ لو كان الذوق سليما ـ أن تُلبس سوى في غُرف نوم مغلقة.

شبابٌ في مقتبل العٌمر يقعدون جماعاتٍ على قارعة الطّريق وجماجمٌهم تتحرَّك بسرعة، وكأن بهم مَسّا، أو كمتفرّجين في مباراة لكرة المضرب، وعيونهم الشّرهة لا تكاد تطرف من شدّة البحلقة في الأجسام البَضّة.

في المقهى أخرجتُ الكتاب الذي اخترتُه مصحوبا لي في سفرتي، كنتُ قد قرأته أيام الطّلب، عام 1998، ولكن الشوق دفعني لإعادة قراءته، لأنني كنتُ على يقين أن خِـبْـراتٍ كثيرةً اكتسبتُها في الحياة شحنتني بفَهمٍ وذوْقٍ عالييْن ستمَثِّل الإعادة بالنسبة لي اكتشافا جديدا للكتاب؛ وذلك ـ بالفعل ـ عينُ ما كان وحَقُّه.

لم أُوَفّقْ في العودة إلى أجواء الكتاب، فقد تَشوّشَ رأسي وغادَرَتْني حلاوةٌ كنتُ أجدها طرية في لساني، خاصةً وقد اكتشفتُ أن الكثير من الناس؛ مارّةَ وجالسين يَرْمُقُونَنِي باندهاش حقيقي.
[ ذكّرني هذا المشهد بسابقةٍ أخرى، حيث جلستُ على الشاطئ أقرأ الكتاب المترجم “جنون الفلاسفة”، وإذا بشابّ يقتحم عليّ خلوتي ليتعرّف على الكتاب لأنه “قَـشَـعَ” كلمة “فلاسفة”؛ كان عشّاقا لا يصبر على فتنة المعرفة، وعلمتُ أنه أستاذٌ لمادة الفلسفة بإحدى ثانويات تطوان.]

لقد اجترَحْتُ خطيئةً عُظمَى كوني زُرْتُ “واد لو” ليلةَ صيفٍ، بينما كنتُ يومَها غارقا في عالَمِ الروائيِّ اليونانيِّ الأعظم نيكوس كزانتزاكيس وشخصياتِه وتجاربِه وصوَرِه وحِكمِه ونقدياتِه ووجدانياتِه التي سَكَبَها زُلالاً في سيرته المَوْسُومَةِ بـ “تقرير إلى غريكو”.

مُشاهداتي الخاطفة ليلتَها اقتلعتني بقسوة من حقل زاهٍ، مُمتدّ الأفق، حرثَه نيكوس بِرَوِيّةٍ، وزرعَه بكل ما في جُعْبَتِهِ من ألم وأمل، راغبا في ألا يَتْرُكَ للموت، يوم يزورُه، وكان ينتظرُه، سوى جرابٍ من جلد. وبنفس القسوة، وأكثر، طوّحَتِ بي في صحراء بليدة باردة.

في صباح ذلك اليوم، وقبل أن تُخْلَقَ الشمسُ مُعلنة عن ميلاد يوم جديد، كنتُ قد غافلتُ أهل البيت وخرجتُ أتأبّطُ كنزي قاصدا مقهًى متواضعا قُبالة البحر، لم يكن قدِ استيقظَ بَعْدُ أحدٌ سوى النوارسِ ومن يَطْوي الطريقَ في اتّجاه المُصطافات المتوسّطيّة الجميلة. جلستُ أرتشف الحِكَمَ سطرا سطرا، وأقَطّرُها في جَوْفِي غير مُهتمّ بكأس الشاي الذي برد على مَهْلٍ من طول انتظار.
ماذا يكون هذا الذي يجعلك في بضع دقائقَ تعيشُ لحظاتٍ شعوريَّةً وجدانيّةً متناقضَةً بين الفرَح والحُزْنِ، أو يدفعُك لتُغْلِقَهُ فجأة، وأنت تُعَـلّمُهُ بأصبعك، وتُرْسِلُ نظرَك بعيدا في السماء مُتأمّلا مُتفكّرا فيما قرأتَه للتّو، وتُجاهدُ نفسَك على حفظه واستظهاره؟ !

ماذا يكون هذا الذي تكتشفُ أن الكثيرَ من مفاهيمِه وصُوَرِهِ وخبراتِه تُصبح ـ هنا والآن ـ جزءا من جهازك المَفاهيميّ وآلياتِـك التّصوّريّةِ والتَّصْويرِيَّةِ والتّـفْـسيريَّة؟ !

[ اعترفتُ ذات مرّة أنّ حُزني يكون عميقا يوم أحصل على كتاب بديع. أعمل جهدي حينها على تأخير الانتهاء منه، لأنني أعلم ـ يقينا ـ أن الزّمن سيُعاكسني كثيرا في التّكرّم بمثله أو بما يشابهه… وليس أمامي الآن ـ وأنا أكتب هذه الانطباعات ـ غير كتاب “المتنبي” لمحمود شاكر: أعيده ـ أيضا ـ ماتعا، ومفيدا… ومُخلخلا.]

رجعتُ إلى مقامي البدوي، وقد هجرني الوَلَعُ. استسلمتُ للأمر، وطويتُ القرطاس، وتركتُ الأيام تفعل فعلها الطوعي، وما عدتُ إلى كزانتزاكي إلا بعد أن نبتَ في نفسي الحنين إليه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.