منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

﴿لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ – الجزء الخامس- (٩) سلسلة “نتغير لنغير”

د. فاطمة الزهراء دوقيه

0

﴿لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ – الجزء الخامس- (٩) سلسلة “نتغير لنغير”

د.فاطمة الزهراء دوقيه

﴿لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٩) سلسلة “نتغير لنغير”

  ﴿لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ – الجزء الثاني-  (٩) سلسلة “نتغير لنغير” 

﴿لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ – الجزء الثالث- (٩) سلسلة “نتغير لنغير”

﴿لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ – الجزء الرابع- (٩) سلسلة “نتغير لنغير”

ثانيا: الميزات

ومما يثمره تشكل العقل المسلم على تصور الإسلام الكوني الاعتقادي التوحيدي بخصائصه ولبناته المعرفية والمنهجية، أن يطبعه بميزات تميزه عن غيره، وتشكل هويته وطبيعة تفكيره، نلخصها فيما يلي[1]:

* فكر متحرر: يقول الله تعالى:﴿لَاۤ إِكۡرَاهَ فِی ٱلدِّینِۖ قَد تَّبَیَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَیِّۚ فَمَن یَكۡفُرۡ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَیُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا﴾ البقرة:٢٥٦. إن العقل المسلم قد تبين له الرشد والحق من الغي والضلال؛ فتحرر من الأفكار المسبقة التي تعيق حركة بحثه عن الحقيقة، ومن الضلالات والخرافات والأوهام وتقليد الآباء، وقد ذم الله تعالى التقليد؛ في مثل قوله:﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ البقرة:١٧٠. وبسلوكه طريق العلم والمعرفة يتحرر من الخوف والجهل والأمية، وبتمثله للمنهج يتحرر من الخضوع للفوضى والعبث، وحالة التمني وانتظار المعجزات، والانحناء للصدف العمياء، ويدفع القدر بالقدر، ويتبصر بسنن العمل والحركة التي يسير الكون والعالم والتاريخ بموجبها[2].

إن الفعل الحقيقي للإيمان بالله وتوحيده تحرير الإنسان بكل جوانبه وأبعاده من اتباع الهوى والضلال، والانحراف عن مقتضيات الحق، إنه يصد النفس عن ميلها، ويردها إلى طريق رشيد، لأن الائتمار والانتهاء يرجعان إلى أوامر الله لا إلى دواعي ميلها، فلا يكون لها إذن سلطان يوجه الفكر إلى ما تريد هي أن تميل إليه أو تهواه [3].

وهذا التحرير هو الذي يصفه تعالى بالإخراج من الظلمات إلى النور؛كقوله:﴿الۤرۚ كِتَـٰبٌ أَنزَلۡنَـٰهُ إِلَیۡكَ لِتُخۡرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡ إِلَىٰ صِرَ ٰ⁠طِ ٱلۡعَزِیزِ ٱلۡحَمِیدِ﴾ إبراهيم:١. ويروى أن ربعي بن عامر قال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام …

* عقل واسع النظر: ويجد العقل نفسه في مجال النظر المعرفي يصل إلى أكبر مدى ممكن؛ إذ تنفسح له مادة العلم ومعطياته بأكثر ما يمكن؛ بأن يبسط نظره على عالمين: عالم مشهود منظور وهو هذا الوجود الواقعي المحسوس من خلال الأسماء وتعليمها:﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَاۤءَ كُلَّهَا﴾ البقرة:٣١، وعالم غيبي يتصل بما وراء المادة، يطلع عليه في الكتاب المسطور من خلال الكلمات:﴿فَتَلَقَّىٰۤ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦكَلِمَـٰتࣲ﴾ البقرة:٣٧. لقد أمر بفعل قراءتين وقد أُقدر على فعلهما، فقال سبحانه:﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِی خَلَقَ * خَلَقَ ٱلۡإِنسَـٰنَ مِنۡ عَلَقٍ* ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ* ٱلَّذِی عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ* عَلَّمَ ٱلۡإِنسَـٰنَ مَا لَمۡ یَعۡلَمۡ﴾ العلق:١-٥. إنهما: قراءة تدبرية في هذا الكتاب المسطور وكلماته النازلة لينتج علوم التيسير، وقراءة تفكرية في الكتاب المنظور لينتج علوم التسخير والعمران.

بهذا الاتساع في النظر يصبح للعقل مصدران للمعرفة، أكسبه القدرة على تجاوز العالم المادي إلى العالم اللامادي، فيتسنى له تقدير الحقائق وكشفها بشمول، لأنه يتوفر على أكبر قدر من المعطيات الوجودية. بينما إذا اقتصرت حركته على المحسوس المادي، ستسقط معطيات كثيرة من مكونات الوجود، بل من معطيات التكوين في نطاق عالم المادة نفسه، فهل في هذا العالم ينخرط كل ما هو موجود بالفعل في نطاق المعلوم بالحس؟ أليس فيه موجودات وتفاعلات واقعية، ولكن الحس الإنساني لا يدركها؟ [4].

* موحَّد المعرفة: إذا كان الإيمان بالله وتوحيده يورث العقل سعة النظر وشمول المعرفة، فذلك في سبيل وحدة المعرفة؛ فمعرفته الاعتقادية تنسب الخلق والأمر جميعا إلى واحد أحد، الذي تتجلى وحدانيته في اتساق سنن الخلق، وفي شمول أقداره السارية على كل شيء في الوجود:﴿أَوَلَمۡ یَرَوۡا۟ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَیۡءࣲ یَتَفَیَّؤُا۟ ظِلَـٰلُهُۥعَنِ ٱلۡیَمِینِ وَٱلشَّمَاۤىِٕلِ سُجَّدࣰا لِّلَّهِ وَهُمۡ دَ ٰ⁠خِرُونَ * وَلِلَّهِ یَسۡجُدُ مَا فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَمَا فِی ٱلۡأَرۡضِ مِن دَاۤبَّةࣲ وَٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةُ وَهُمۡ لَا یَسۡتَكۡبِرُونَ﴾ النحل:٤٨-٤٩[5]..

إن مما يقتضيه التوحيد أن يرى العقل الكون وما يجري فيه من أحداث محكوماً بقانون موحد، هو قانون الله تعالى وسنته في تدبير الكون، وأن يُرى الإنسانُ موحَّداً في وسائل انفتاحه على هذا الكون ليدرك حقيقته، فالله هو الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، ورتب وسائله في الإدراك لتفضي متظاهرةً إلى الحقيقة نفسها. وهذا النظر هو ما يورث معنى الوحدة في تفسير الأحداث الذي تُرد به الكثرة من الظواهر المتنوعة إلى السبب الموحد، ويتخذ من ذلك مبدأ للفهم تُفسر به الأحداث لتعرف حقيقتها. أما لو رئي الكون وأحداثه شتاتاً ينتمي كل قسم منه إلى مدبر، فإن ذلك يجعل العقل يتيه في معرفة الأسباب الحقيقية التي تحكمه، ويسقط حينئذ في الخرافات والأساطير يفسر بها أحداث الكون [6]. وقد أبطل الله تعالى هذا النظر والاعتقاد حين قال:﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدࣲ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنۡ إِلَـٰهٍۚ إِذࣰا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهِۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضࣲۚ سُبۡحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا یَصِفُونَ﴾ المؤمنون:٩١، وقال:﴿لَوۡ كَانَ فِیهِمَاۤ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا یَصِفُونَ﴾ الأنبياء:٢٢، فالآيتان تقومان دليلاً على وحدانية الله، وأنه لا يجوز أن يكون مدبر الكون إلا واحداً، وهو الله سبحانه المنزه المتصف بصفات الكمال المتفرد بالتدبير[7]، ولا شك أن المقصود بفساد السماء والأرض المفترض في الآية الأخيرة اختلال نظامهما وانتفاء النفع منهما وبطلان الانتفاع بما فيهما؛ فمن صلاح السماء نظام كواكبها، وانضباط مواقيت طلوعها وغروبها، ونظام النور والظلمة. ومن صلاح الأرض مهدها للسير، وإنباتها الشجرَ والزرع، واشتمالها على المرعى والحجارة والمعادن والأخشاب، وفساد كل من ذلك ببطلان نظامه الصالح.

فلا جرم أن دلت مشاهدة دوام السماوات والأرض على انتظامهما في متعدد العصور والأحوال على أنّ إلهَها واحد غير متعدد [8]. بينما لو كان متعددا لحصل التنازع والتغالب، ولتميز صنع كلٍّ عن صنع الآخر، بحكم اللزوم العادي، فلم يحصل بين أجزاء العالم هذا الالتئام، الذي باعتباره صار الكل بمنزلة شخص واحدٍ، ويختل الِانتظام الذي به بقاء الأنواع وترتب الآثار[9]. ولو اعتقد الإنسان هذا التعدد، يحصل الاختلال والفساد كذلك؛ بأن يكون حاله كما وصف تعالى:﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلࣰا رَّجُلࣰا فِیهِ شُرَكَاۤءُ مُتَشَـٰكِسُونَ﴾ الزمر:٢٩ [10]، ووصف:﴿مُّذَبۡذَبِینَ بَیۡنَ ذَ ٰ⁠لِكَ لَاۤ إِلَىٰ هَـٰۤؤُلَاۤءِ وَلَاۤ إِلَىٰ هَـٰۤؤُلَاۤءِۚ وَمَن یُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥسَبِیلࣰا﴾ النساء:١٤٣؛ فالعقل المشرك لا تتأتى له الوحدة المعرفية؛ لأنه يكون موزعاً بين شركاء متشاكسين، حائراً بينهم، لا تنضبط له الحقيقة لسبب موحد وقانون واحد، بل تضيع بين هذا وذاك. حتى إذا اقتصر على التفسير المادي، فسيجد نفسه لا محالة عاجزًا عن تفسير ما ليس خاضعاً لقوانين المادة. ومن شأن هذا الحال أن يوقع صاحبه في فساد عظيم، واضطراب شديد، وتناقض في المعارف، مما ينعكس سلبا على حياته تذبذبا وتيهاً [11]، وضنكاً في العيش، لقوله تعالى:﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِی فَإِنَّ لَهُۥمَعِیشَةࣰ ضَنكࣰا وَنَحۡشُرُهُۥ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ أَعۡمَىٰ﴾ طه:١٢٤. ولذا، كان من ضرورات انتظام عقل الإنسان وحدة معرفته، ولن يجدها “من كل وجوهها إلا في الدين، ولا تقوم هذه الوحدة قاعدة متينة للاعتقاد إلا في العقيدة الدينية، فإذا ضل الناس عن الدين الصحيح تصدعت في حياتهم عناصر العلم والمعرفة”[12]..

ومما يقتضيه الإيمان بوحدانية الله من صور توحيد المعرفة أن تُرى منافذ الإدراك لدى الإنسان “من وحي وعقل وحس موحدةً بتدبيرها من قبل الله الواحد، فإنها حينئذ ستكون متساندة في البحث عن الحقيقة، يقوم كل منها بوظيفة مكملة للوظيفة التي يقوم بها الآخر، وذلك في غير ما تعارض يلغي فيه أي منها طريقًا للمعرفة، بل هو التكامل الذي يقوم فيه كل بوظيفته… فوحدانية الله تعالى حينما تعُر النفوس، تصير بها المنافذ إلى معرفة الحقيقة في ذات المؤمن بها موحدة متكاملة، وتصير بالتالي المعارف الحاصلة بها متآلفة منسجمة، ويؤول الأمر إلى أن يكون علم الإنسان موحد المصادر، فالحس والعقل فيما هو مشهود، والبصيرة والوحي فيما هو مغيب، تتحد كلها وتتناثر في رحاب الإيمان، لا يستبد الإنسان بعقله عن وحي يعلمه مغيبات الأشياء، ولا يستغني بالوحي عن معالجة الكون الظاهر بنظره وتأمله، بل العلم بعضه من بعض، يدعو الوحي لإعمال العقل، ويؤيد العقل مقررات الدين الموحدة، ولعل هذا المعنى هو الذي يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقۡفُ مَا لَیۡسَ لَكَ بِهِۦعِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولࣰا﴾ الإسراء:٣٦، فالعلم الذي يأتي به الوحي يصدقه الحس والعقل، فتتم بذلك وحدة المعرفة”[13].

ولخص الترابي القول في وحدة الاعتقاد التوحيدي الإسلامي الذي يطبع العقل بوحدة المعرفة بأن “العقيدة الدينية معرفة موحَّدة الأصول، تهتدي بكتاب مفصل من الله، وتقع على النفس موقعاً مطمئنا لأنها تجاوب اتجاه الفطرة الغائر تحت سطوح الوعي، وتتمكن من العقل لأنها تصَوُّرٌ موحد متسق تقربه خواطر الفكر”[14] ..


[1]– يراجع الإيمان والعمران، النجار، ص ٥٦- ٦٥.

[2]– مدخل إلى الحضارة الإسلامية، خليل، ص ٥٠-٥١.

[3]– الإيمان والعمران، ص ٥٩-٦٠.

[4]– نفسه، ص ٥٧-٥٨.

[5]– الإيمان وأثره في الحياة، حسن الترابي، ط دار القلم، الكويت، ١٩٧٩م، ص ٢٧٩.

[6]– انظر الايمان والعمران، ص ٦٤.

[7]– يراجع نظم الدرر، البقاعي، ١٢/٤٠٣-٤٠٤.

[8]– انظر التحرير والتنوير، ١٧/٣٩.

[9]– محاسن التأويل، القاسمي، ٤٢٥٩.

[10]– يراجع ما سبق تناوله من دلالات لهذه الآية في المقال السابق.

[11]– يراجع الإيمان والعمران، ص ٦٤-٦٥.

[12]– الإيمان.. أثره على الحياة، ص ٢٨٢.

[13]– الإيمان والعمران، ص ٦٥.

[14]– الإيمان.. أثره على الحياة، ص ٢٨٣.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.