الماء بين الإنعام والانتقام | سلسلة خطبة الجمعة
بن سالم باهشام
خطيب مسجد أم الربيع بالمغرب خنيفرة سابقا
عباد الله، يقول سبحانه وتعالى في سورة الأعراف: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأعراف: 180]، وأسماء الله سبحانه وتعالى الحسنى منها: ما هو أسماء جمال، ومنها أسماء جلال، ومنها أسماء كمال. وأسماء الكمال: كالأول والآخر، والمحيي والمميت، والضار والنافع، وأسماء الجمال مثل: الرحمن الرحيم، والعفو الغفور، والمنعم، وأسماء الجلال: كالمنتقم والجبار والمتكبر.
عباد الله، إن القرآن الكريم كلامُ اللهِ، وقدْ تجلَّى اللهُ فيه لعبادِهِ بصفاتِهِ، فتارةً يتجلَّى في صفات الهيبةِ والعظمةِ والجلالِ؛ فتخضَعُ الأعناقُ، وتنكَسِرُ النُّفوسُ، وتخْشَعُ الأصواتُ، ويذوبُ الكِبْرُ؛ كما يذوبُ الملحُ في الماءِ. وتارةً يتجلَّى في صفاتِ الجمالِ والكمالِ، وهو كمالُ الأسماءِ، وجمالُ الصفاتِ، وجمالُ الأفعالِ الدالُّ على كمالِ الذاتِ؛ فيستنفذُ حُبُّه من قلبِ العبدِ قُوةَ الحبِّ كلِّها، بحسبِ ما عَرَفَهُ من صفاتِ جمالِه ونعوتِ كمالِه، فيصبحُ فؤادُ عبدِه فارغًا إلَّا من محبَّتِه، فإذا أرادَ منه الغيرُ أن يُعلِّقَ تلكَ المحبة به أَبَى قلبُه وأحشاؤُه ذلكَ كلَّ الإباءِ، فتبقَى المحبةُ له طبعًا لا تكلفًا.. وإذا تجلَّى بصفاتِ الرحمةِ والبرِّ واللُّطفِ والإحْسانِ، انبعثَتْ قوَّةُ الرجاءِ من العبدِ، وانبَسَطَ أمَلُهُ، وقويَ طمعُهُ، وسارَ إلى ربِّه، وحادِي الرجاءِ يحدُو ركابَ سيرِه. وكلَّما قوِيَ الرَّجاءُ، جدَّ في العملِ. وإذا تجلَّى سبحانه بصفاتِ العدلِ والانتقامِ والغضبِ والسخطِ والعقوبةِ، انقمعتِ النفسُ الأمَّارةِ بالسوء، وبطلتْ أو ضعفتْ قُوَاها: من الشهوةِ، والغضبِ، واللهوِ، واللعبِ، والحرصِ على المحرماتِ، وانقبضتْ أعِنَّةُ رعوناتِها؛ فأحضَرَت المطيةُ حظَّها من الخوفِ والخشيةِ والحذرِ. وهكذا سائر التجليات وأثرها على العبد، وعندما ننظر مثلا إلى مخلوق من مخلوقات الله تعالى وهو الماء على سبيل المثال لا الحصر، نجد الحق سبحانه جعله نعمة لكل كائن حي، كما جعله نقمة لكل جبار متكبر عنيد.
عباد الله، قال تعالى في سورة الأنبياء: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ، أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) [الأنبياء: 30]، فالماء من أعظم مخلوقات الله عز وجل، ومن أولها في الوجود، وقد جعله الله أساس الحياة وعنصرها الذي تقوم عليه وتبدأ منه، وقال سبحانه في سورة النور: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ، يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ، إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [النور: 45]. وقد ورد ذكر كلمتي “ماء، والماء” في القرآن الكريم “59” مرة، وورد ذكر الماء في كلمات أخرى “ماءك، ماءها، ماؤكم، ماؤها”، 4 مرات، وبذلك يكون مصطلح “الماء” قد ورد ذكره في القرآن الكريم “63” مرة.
عباد الله، لقد أنزل الله تعالى الماء الذي جعله أساس الحياة، من السماء بقدر، قال سبحانه في سورة المؤمنون: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ، وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) [المؤمنون: 18]. أي أنزلناه بحكمة وتدبير؛ لا أكثر فيُغرق ويُفسد، ولا أقل فيكون الجدب، ولا في غير أوانه فيذهب بددا بلا فائدة.
عباد الله، إن الذي أنشأ الماء من عناصره، وأنزله من سحائبه؛ هو الله سبحانه وحده لا شريك له، وهو الذي قدر أن يكون عذبا فكان، ولو شاء لجعله أجاجا مالحا لا يستساغ، أو لا ينشئ حياة، فهلا يشكر الناس فضل الله الذي أجرى مشيئته بما كان؟. قال تعالى في سورة الواقعة: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ) [الواقعة: 68‑70].
عباد الله، إن المطر هو مصدر جميع مياه الأرض، قال تعالى في سورة الزمر: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ، ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا، ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) [الزمر: 21]. وماء المطر يتوقف عليه كيان الزراعة، قال تعالى في سورة الأنعام: (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ، فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا، وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ، انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ، إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [الأنعام: 99].
عباد الله، لقد جعل الله دورة المياه الأرضية ثابتة ما دامت قد وجدت الحياة، وإنه لا سبيل إلى زيادة الماء قطرة، ولا أن تنقص منه قطرة، فالماء يتبخر من الزرع والنبات، وما تستهلكه كل الأحياء من ماء إنما يعود إلى الأرض ثانية كاملا غير منقوص في مخلفاتها، أو في بقايا أجسامها، وإن جبال الجليد والثلوج عندما تسيل، فإنها لا تضيف جديدا على الماء؛ لأنها أصلا من ماء الأرض، وهذه الدورة المائية الثابتة والمقدرة قد سبقت بها وإليها آيات القرآن الكريم. ومن رحمته سبحانه وتعالى أن جعل الماء على كيفية وهيئة تُمكّن من الانتفاع به على الوجه الأكمل، فينزل الله المطر من السماء، فيغسل به الأرض ويطهرها، وينقي الهواء من الدخان والغبار والتلوث، فتتجدد الأرض، وتصفو السماء، ويطيب الهواء.
عباد الله، إن من حكمته سبحانه وتعالى في خلق الماء أن جعل منه ما يجري على وجه الأرض كالأنهار، وما هو مستقر فوق ظهرها كالبحار، وما يستقر في باطن الأرض كمياه الآبار، ومن رحمته سبحانه أن جعل فيه العذب والمالح الأجاج، وجعل العذب – وهو مياه الأنهار- يجري حتى لا يتعفن، كما لا يتعفن ما يموت فيه من الحيوانات البرية، وجعل الماء المخزّن في الأرض قريبا يمكن تناوله والوصول إليه، كما قال سبحانه في سورة المؤمنون: (وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) [المؤمنون: 18]، يعني الماء المختزن، وهذا تهديد ووعيد؛ أي في قدرتنا إذهابه وتغويره، ويهلك الناس بالعطش وتهلك مواشيهم، وهذا كقوله تعالى في سورة الملك: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا) [الملك: 30] أي: غائرا، (فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ) [الملك: 30]. والآيات القرآنية كثيرة في بيان الحديث عن الماء وأهميته ومواضيعه، فكم هو ثمين هذا الماء؟ وكم من نعم أنعم بها المنعم جل جلاله علينا، لا نشعر بأهميتها إلا بعد ضياعها؟ وصدق رب العزة حيث قال في سورة الأنبياء: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) [الأنبياء: 30]، ولولا الله الذي أنعم علينا بنعمة الماء الذي خلقه سبحانه وتعالى، ما كان الإنبات ولا النبات ولا الحياة.
عباد الله، كما جعل المنعم سبحانه وتعالى الماء نعمة على كل الكائنات الحية، جعله سبحانه وتعالى بصفته الجبار المنتقم نقمة على كل جبار متكبر عنيد لا يومن بيوم الحساب، فالماء مصدر للحياة، ونوع من أنواع إنهاء حياة الظلمة والانتقام منهم.
عباد الله، من هؤلاء القوم المتجبرين الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، فعاقبهم الله بالماء، قوم نوح عليه السلام الذين عصوا رسول ربهم الذي دعاهم بكل الطرق، واستعمل معهم كل الوسائل، ولبث فيهم ما لم يلبث أي نبي في قومه طيلة عمر البشرية، لقد لبث فيهم وهو يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاما، فلم يزدادوا إلا تعنتا واستكبارا، قال تعالى في سورة نوح: (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا) [نوح: 5 – 10]، وفي سورة القمر يعرض سبحانه مشهد التنكيل والتعذيب والطوفان العظيم الذي أصاب قوم نوح الذين كذبوا رسولهم وعثوا في الأرض فسادا، قال تعالى في سورة القمر: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ * فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ * وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ) (القمر: 9 16).
عباد الله، لقد جاء التعبير في سورة القمر، بعبارة دلّت فيها على أن السماء كانت كخزان عظيم، مملوء بالماء، ولهذا الخزان أبواب، وفتح الله هذه الأبواب، فانهمرت المياه على مقاديرها، منصبّة انصبابًا كأنها شلالات موزّعة توزيعًا منتظمًا على مواقعها في الأرض، بماء منهمر، منصبّ بشدة وتتابع. أما الأرض فجاء التعبير فيها بالتفجير، والتفجير في الأرض يدل على أشد صور تدفّق الماء وتدافعه من باطن الأرض إلى ما فوقها، والتعميم في إسناد التفجير إلى كل الأرض، يوحي أولًا بأن سطح الأرض قد تفجر ماء، ولفظ “عيونًا” الذي جاء تمييزًا، قد حدد الصورة التي فجّرت الأرض على وفقها، وهي صورة عيون مائية متفجرة موزّعة على ساحة الأرض، والقرآن يرسم روعة الصورة الأدبية “وفجرنا الأرض عيونًا”: فجّر الجبار المنتقم الأرض تفجيرًا على صورة عيون مائية متدفقة متدافعة منبعثة بقوة. فمن دون تراخٍ التقى الماء المنهمر من السماء، والماء المتفجر من الأرض، على أمرٍ من أمر الله تعالى قد قُضي وقُدّر للتقدير الشامل لكل الدقائق والتفاصيل، قبل الأمر به، وقبل قضائه وإمضائه، وهو إهلاك قوم نوح الذين كفروا به.
عباد الله، نلاحظ في الآيات في قوله تعالى: “ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر، وفجرنا الأرض عيونًا فالتقى الماء على أمر قد قدر”، حركة كونية ضخمة تصوّرها ألفاظ وعبارات مختارة تبدأ بإسناد الفعل إلى الله مباشرة “ففتحنا”، فيحس القارئ يد الجبار المنتقم، تفتح “أبواب السماء” بهذا اللفظ، وبهذا الجمع “بماء منهمر” غزير متوالٍ، وبالقوة ذاتها، والحركة نفسها: “وفجرنا الأرض عيونًا”، وهو تعبير يرسم مشهد التفجير كأنه ينبثق من الأرض كلها، وكأنما الأرض كلها قد استحالت عيونًا. والتقى الماء المنهمر من السماء بالماء المتفجر من الأرض، “على أمر قد قدر”، التقيا على أمر مقدّر، فهما على اتفاق لتنفيذ هذا الأمر المقدر، طائعان للأمر، محققان للقدر، حتى إذا صار طوفانا يطُم ويعُم، ويغمر وجه الأرض، ويطوي الدنس الذي يغشى هذا الوجه، وقد يئس الرسول نوح عليه السلام من تطهيره، وغُلب على أمره في علاجه، امتدت اليد القوية المنتقمة من العصاة، والرحيمة بالرسول الكريم الذي دعا دعوته، فتحرك لها الكون كله، فامتدت له هذه اليد بالنجاة وبالتكريم.
عباد الله، لقد دلَّ القرآن الكريم على أنه لم ينج من الطوفان إلا نوح عليه السلام، ومن كان معه في السفينة، أما الطغاة في الأرض، فقد أرسل الله لهم من جنوده من هو أشد منهم طغيانا ليهلكهم، لهذا نسب سبحانه وتعالى الطغيان للماء الذي طغى، وارتفع على كل شيء فوق الأرض؛ لا عصيانا وإنما استجابة لأمر الجبار المقتدر، قال تعالى في سورة الشعراء: (فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ، ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِين) [الشعراء: 119، 120]، وقال تعالى في سورة الحاقة: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ ) [الحاقة:11]، أي لما عَتا، وجاوز حدَّه، حتى علا على كل شيء، وارتفع فوقه، وذلك في زمن نوح عليه الصلاة والسلام، وهو الطوفان.
عباد الله، وتوالت الأعوام والقرون بعد نوح عليه السلام، وطال الأمد، وقست القلوب، وانبرى من يدعي الألوهية والربوبية، فقال في سورة النازعات: (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى) [النازعات: 24، 25]، وقال تعالى في سورة القصص: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) [القصص: 38]، وافتخر بالماء الذي يجري من تحته، فقال تعالى في سورة الزخرف: (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ) [الزخرف: 51]، فعاجله الله تعالى وأجرى هذه المياه من فوقه عقابا له وإذلالا، قال تعالى في سورة البقرة: (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) [البقرة: 50]، وقال تعالى في سورة يونس: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا، حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً، وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) [يونس: 90 – 92].
عباد الله، إذا كان الماء نعمة من الله لنا؛ فلنحمد الله عليه، ولنصرفه في طاعة الله، ولا نعصي الله به، فنعري زوجاتنا وبناتنا ونساءنا في الشواطئ والمسابح، ونبني الفنادق الفارهة على شواطئ البحار لارتكاب الفواحش، وترويج أنواع الرذيلة، وننسى أن المنعم، هو كذلك المنتقم، فهو قادر على أن يعاقبنا بهذا الماء الذي نعصي الله عليه، وما زلزال “وتسونامي توهوكو” منا ببعيد، وقد كان زلزالا عنيفا، قبالة سواحل شرق اليابان يوم 11 مارس2011، نجم عنه موجات تسونامي في المحيط الهادي، ويعد هذا الزلزال أعنف الزلازل في تاريخ اليابان منذ بدء توثيق سجلات الزلازل قبل 140 عاما، حتى قال المعهد الإيطالي للجيوفيزياء ودراسات البراكين: إن الزلزال الذي ضرب اليابان، أدى على ما يبدو إلى إزاحة محور دوران الأرض عشرة سنتمترات، وهو على شكل موجات مستعرضة، وقد قام هذا الزلزال برفع مستوى البحر لدى الشاطئ إلى ارتفاع 10 أمتار نتيجة كمية المياه الهائلة القادمة من عرض المحيط باتجاه الشاطئ الياباني، ومن المحتمل أن يرتفع مستوى البحر بسبب هذا الزلزال عند سواحل 25 دولة واقعة ضمن منطقة الخطر في المحيط الهادئ. وهكذا لم يُبق البحر الطاغي أحدا من العراة على تلك الشواطئ، كما دمر الكثير من الفنادق الشاهقة والمحيطة بالبحار، (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) [الحشر: 2]، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.