منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

شجرة المعرفة والثمار المحرمة

شجرة المعرفة والثمار المحرمة/ د. حسن محمد أحمد محمد.

0

شجرة المعرفة والثمار المحرمة

د. حسن محمد أحمد محمد.

كاتب وباحث أكاديمي (السودان)

        كان آدم، عليه السلام، هو أول من ابتلي بآلام المعرفة واكتوى بنيرانها، فالمعرفة (العلم) هي التي جلبت له حسد الملائكة وعداوة إبليس؛ يقول تعالى:

(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) البقرة: 30-31.

لم ينته الأمر عند حد الحسد الملائكي، وإنما تعداه إلى العداوة والبغضاء التي نالها من قبل عدوه اللدود، وهو إبليس؛ يقول تعالى:

(قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) البقرة: 33-36.

جاء في تفسير الإمام القرطبي لقوله تعالى: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا) قال: كان الله أعلمهم أنه إذا كان في الأرض خلق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء، فلذلك قالوا: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا) …، وقيل: إن الملائكة قد رأت وعلمت ما كان من إفساد الجن وسفكهم الدماء؛ وذلك لأن الأرض كان فيها الجن قبل خلق آدم فأفسدوا وسفكوا الدماء، فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة فقتلهم وألحقهم بالبحار ورؤوس الجبال، فمن حينئذ دخلته العزة.

ومن الواضح الجلي أن هذا التفسير لا سند يدعمه ولا حجة تقويه، إلا الإسرائيليات، وهي ليست بحجة ذات ثقل يعتد به ويعول عليه؛ وعليه فإن من الأوفق الأخذ بفكرة الحياتين التي قال بها مصطفى محمود في كتابه (الروح والجسد)، فهو يرى أن الإنسان قد عاش حياته كاملة، في مكان وزمان ما، قبل أن يهبط بآدم إلى الأرض؛ والدليل قوله تعالى:

  • (قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ) غافر: 11.
  • (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) الأعراف: 172.
  • (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) الأحزاب: 7.
  • (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) آل عمران: 33-34.
  • (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) آل عمران: 42-43.

إن معاني الآيات السالفة الذكر تشير إشارة، تكاد تكون قاطعة الدلالة، إلى وجود حياة سابقة للحياة الدنيوية، كما أنها تبث في النفس الطمأنية القلبية وتشعرها بأن الإنسان، في حياته الدنيوية، سيسير وفق اختياره الذي سبق وأن اختاره في حياته الأولى بمحض إرادته وكامل الحرية التي منحت له فأصبح اختياره ملزم له، فقد كان في الحياة السابقة مخيرًا بينما هو في الحياة الدنيا مسير وفق اختياره السابق، وما نراه اليوم، وما تناقلته الألسن والأقلام عبر التاريخ،  يؤكد، بما لا يدع مجالاً للشك، حقيقة وجود حياة سابقة سبقت وجود آدم على الأرض، وتنفي الفكرة السائدة والمسيطرة والمرتبطة بنظرية التطور أو النشوء والإرتقاء التي نادى بها داروين، وما علينا إلا أن ننعم الفكر وندقق النظر في قوله تعالى:

(وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى) النجم: 1-6.

وقوله تعالى: (وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا).

يقول القرطبي، في تفسيره، قوله تعالى: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) يعني جبريل، عليه السلام، في قول سائر المفسرين”. وجاء في تفسير ابن كثير: “يقول تعالى مخبراً عن عبده ورسوله محمد،  صلى الله عليه وسلم، أنه علمه الذي جاء به إلى الناس (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) وهو جبريل عليه الصلاة والسلام”.

فسنجد أن آدم علمه جبريل بينما محمد، صلى الله عليه وسلم، علمه رب العزة تبارك وتعالى. فهل يستوي من علمه رب العزة تبارك وتعالى ومن علمه جبريل!!؟؟؛ فإن كان الذي علمه جريل لم يكن في حاجة لمفهوم التطور فمن باب أولى ألا يكون من علمه الله في حاجة إلى مثل هذا المفهوم، الذي سيطر على أذهان الخاصة قبل العامة، وغيره من المفاهيم والنظريات التي لم تثبت صحتها وتحتاج إلى الكثير من الأدلة والبراهين حتى تتمكن من اثبات وجودها ناهيك بصحتها.

ولسنا هنا بصدد الحديث عن داروين نظريته أو عن مفهوم التسيير والتخيير أو الإختيار والجبر، عند الإنسان، بقدر ما نحن معنيون بالحديث عن أناس تعرضوا للكثير من الأذى لا لشئ سوى سلوكهم المعرفي المتقدم والمختلف عن سواهم زمرة المجتمع؛ فلم يسلموا من الإضطهاد والقتل والتشريد؛ بدءً من الرسل والأنبياء، الفقهاء، الفلاسفة والمفكرين، الصوفية، العلماء، الأدباء والشعراء، … وغيرهم ممن خرج على العرف وخالف منظومة العادات والتقاليد المتعارف والمتفق عليها من قبل المجتمع، فطالتهم يد العقوبة، لا لذنب اغترفوه وإنما بسبب تفكيرهم الذي جلب لهم الكثير من العنت والمشقة وحتى القتل، في أحايين كثيرة.

يقول سلامة موسى في كتابه (حرية الفكر): “لم نسمع قط أن إنسانًا تقدم للقتل راضيًا أو كدّ نفسه حتى مات في سبيل أكلة شهية أو عقار يقتنيه. وإنما سمعنا أن ناسًا عديدين قد تقدموا للقتل من أجل عقيدة آمنوا بها …، وسمعنا عن ناس ضحوا بأنفسهم في سبيل اكتشاف أو اختراع”. ويواصل سلامة حديثه: “وهذا هو معنى استشهاد الأنبياء والعلماء والفلاسفة وغيرهم في سبيل آرائهم الجديدة”. وليست من شك في أن المحن والجرائم التي حاقت بأهل المعرفة أشهر من أن تخفى وهي من الكثرة بحيث لا تحصى ولا تعد.

الرسل والأنيباء:

لا حاجة بنا للخوض كثيرًا في هذا الحديث؛ وتكفي الإشارة إلى ذلك الكم الهائل الذي أوردته الكتب  السماوية المقدسة في شأن الرسل والأنبياء عليهم، وعلى نبينا، أفضل الصلوات أزكى التسليم، وما تعرضوا له من إضطهاد وتعذيب وقتل. فإذا كان هذا هو حال أصحاب الرسالات السماوية والمؤيدين بالقوة الربانية الإلهية، فما بال أولئك النفر من ذوي الفكر والعلم!!؟؟. لابد أن شأنهم كان أضعف وأحقر من أن يؤبه بهم ويرثى لحالهم؛ يقول تعالى:

(فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ) النساء: 155.

 الفقهاء وأهل العلم:

على الرغم من أن الشرائع السماوية والأعراف الإنسانية تنهى عن التعرض للناس بالأذى، دون جناية سبب، إلا أن التاريخ يحمل إلينا العديد من أخبار الظلم التي حاقت حتى بالفقهاء من أهل العلم والمعرفة. فقد تعرض الإمام مالك للأذى نتيجة بعض الفتاوى التي أغضبت أهل الحكم والسياسة، حيث أفتى، الإمام، بعدم لزوم طلاق المكره، وكان الحكام يكرهون الناس على الحلف بالطلاق عند البيعة، فرأوا أن الفتوى تنقض بيعتهم التي يبايعها من حلف بالطلاق. وبسبب ذلك ضرب بالسياط وانخلعت كتفه بسبب الضرب الذي أوقعه عليه جعفر بن سليمان والي المدينة.

أما الإمام بن حنبل فقد احتمل الكثير من الأذى والألم بسبب تمسكه بآرائه الفقهية،  وكان قوي العزيمة ثابت الرأي قوي الحجة؛ الأمر الذي تسبب له في محنته المشهورة. والمعروفة بخلق القرآن وكان ابن حنبل على خلاف ما يقولون ولم يعترف بقولهم، وكان في ذلك كالطود الثابت الراسخ، لم يركن إلى ما قاله المأمون، فكان نتيجة ذلك أن طبق عليه العقاب ومنع من التدريس وعذِّب وسجن على يد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي نائب المأمون، ثم سيق مكبلاً بالحديد حيث يقيم المأمون خارج بغداد، غير أن المأمون مات قبل وصول ابن حنبل. وتولى بعده أخوه، المعتصم، الذي سلك طريقه، فسجن أحمد وأمر بضربه بالسياط عدة مرات حتى كان يغمى عليه في كل مرة من شدة الضرب، واستمر في ضرب أحمد وتعذيبه نحو ثمانية وعشرين شهرًا. ولم يغير أحمد ولم يرجع عن قوله فأطلق سراحه وعاد إلى التدريس. ولكن ما إن مات المعتصم حتى تولى الواثق بالله الخلافة فأعاد المحنة لأحمد ومنعه مخالطة الناس ومنعه من التدريس أكثر من خمس سنوات، إلى أن توفي الواثق، فتولى بعده المتوكل، فأبطل تلك البدعة وترك للناس أحرارًا.

 الفلسفة والفلاسفة:

لقد عانى الفكر الفلسفي الحر، مرّ المعاناة، من السلوك الإضهادي، سواء أكان ذلك من قبل رجال السياسة أو كهنة المعابد الدينية. فهذا هو سقراط (469-399 ق.م) أمير الفكر اليوناني ومعلم الإنسانية قد جعل من حياته وآراؤه موته آيقونة تاريخية حينما تجرع كأس المنية بشجاعة نادرة وباهرة تمسكًا بأفكاره ودفاعًا عنها، فخلد اسمه في سجل الخلود. وكذلك فعل كل من تلميذه أفلاطون (427؟-347؟ق.م).، وتلميذه أرسطو (384-322ق.م)، اللذان عانيا الكثير من الإرهاب النفسي والإضطهاد الفكري. كذلك تعرض الفلاسفة المسلمون للإضطهاد بسبب أفكارهم وآراءهم المختلفة؛ فقد نال الكندي[1] مكانة ممتازة لدى كل من المأمون والمعتصم، ولكنه لقي الإهانة والأذى من المتوكل. وأيضًا اتُّهم ابن رشد بالزندقة فأحرقت كتبه ونفاه المنصور، ودام في منفاه أربع سنوات، ثم عفا عنه وأذن له بالعودة قبيل وفاته بقليل.

ويمثل الإمام ابن حزم نموذجًا آخر لإضطهاد العقول فقد عانى الأمرين من الفتنة التي شبت بقرطبة، ولقي عذابًا كثيرًا؛ فظل يعاني النفي والتشريد بعيدًا عن قرطبة، ويحن للعودة إليها، …، وقد عاش حياة مليئة بالمحن والمصائب، … وحسده فقهاء عصره حنقوا عليه وألبوا ضده الحاكم والعامة، إلى أن أحرقت مؤلفاته ومزقت علانية بإشبيلية؛ وفي ذلك يقول:

فإن تحرقوا القراس لا تحرقوا الذي  * تصمنه القرطاس بل هو في صدري

كذلك لقيت كتب الإمام الغزالي ذات المصير في المغرب العربي.

العلم والعلماء:

يعد الإيطالي، جاليليو، واحدًا من العلماء الأفاضل الذين وقع عليهم ظلم الكنيسة واطهادها لذوي الرأي والحكمة؛ فقد جلب الذكاء الذي اتصف به جاليليو وسخريته من خصومه كثيرًا من العداء له، وفي أوائل عام 1616م استدعي جاليليو إلى روما للفصل رسميًا في صحة آرائه، وبالرغم من تبرئته من التهم التي أشيعت عنه، لكنهم أمروه بعدم التعرض أو الدفاع عن نظرية كوبرنيكوس، بل وعليه أن يعالج نظرية كوبرنيكوس وينفي صحتها ، ولكنه في عام 1632م نشر عمله العلمي الأشهر (حوار يتناول نظامين عالميين رئيسيين) صرح فيه بأن نظرية كوبرنيكوس هي الأمثل، فاستُدْعيَ إلى روما وأتهم بعصيان الأوامر، وأجبر على التخلى عن نظريته وحوكم بالسجن المؤبد. ولم يشفع له غير تقدم سنه وتدهورت صحته، فحبس في داره إلى أن لقي ربه.

التصوف والمتصوفة:

لم تنجُ هذه الفئة من العلماء من السلوك الهمجي فحل القتل والتشريد والتعذيب بعدد من رجالات الصوفية، دون جنية اعترفوها سوى إختلاف السلوك الفكري والمنهج العقلي؛ حيث تعرض الحسين بن منصور الحلاّج الصوفيُّ للحبس ومن بعد إلى الصلب والقتل والحرق أيضًا. كذلك أودى الحسد بحياة السهروردي الذي وشى به الفقهاء عند صلاح الدين وقالوا له إنه سيفسد عقيدة الملك الظاهر، وطعنوا في عقيدة السهروردي فأمر صلاح الدين ابنه بقتله، فحبسه حتى مات جوعًا في سجنه؛ وقد تمثل كل من الحلاج والسهروردي بهذين البيتين:

إِلى حَتفي سَعى قَدَمي * أَرى قَدَمي أَراقَ دَمي

فَما أَنَفَكُّ مِن نَدَمِ * وَهانَ دَمي فَها نَدَمي

محنة الشعراء:

لقد تسببت ألسن الشعراء لهم في الكثير من الأذى  وعرتضهم للمحن والمصائب التي كان أهونها القتل، فها هو بشر بن برد يفقد حياته بتهمة الزندقة ولم يرحموا شيبته وسنه التي بلغت السبعين؛ وهو القائل:

الأَرضُ مُظلِمَةٌ وَالنارُ مُشرِقَةٌ * وَالنارُ مَعبودَةٌ مُذ كانَتِ النارُ

وقد ندم الخليفة، المهدي، على قتله فيما بعد، ولكن هيهات أن يجدي الندم بعد انقطاع الأمل وانقضاء الأجل.

محنة الأدباء:

تطول قائمة الأدباء وفرسان الكلمة الذين تسلط عليهم سيف الظلم الذي لا تعرف الرحمة إليه سبيلا، فعذب الكثير منهم حتى كان الموت أشهى أمانيهم وأحبها إلى نفوسهم، ونكتفي هنا بنموذجين هما عبد الحميد الكاتب وابن المقفع، ويُعد عبد الحميد من أبرز الكتاب في تاريخ النثر العربي؛ فهناك شبه إجماع بين المؤرخين والنقاد على أنه كان صاحب مدرسة جديدة في كتابة الرسائل في النثر العربي، وقد قتل على يد أبي العباس، المعروف في التاريخ بالسفا، بعد تعذيب شديد، فكان يحمى الطست على النار ثم يوضع على رأسه حتى قضى نحبه. ويالهفي على ابن المقفع وشبابه وغزارة علمه، وقد قطعت أوصاله ورمت في التنور وهو ينظر؛ وذلك حين اتهم بالزندقة لأنه، كما قيل، كان يمر على معابد المجوس ويردد هاتين البيتين:

أَمُرُّ عَلى الدِيارِ دِيارِ لَيلى * أُقَبِّلَ ذا الجِدارَ وَذا الجِدارا

وَما حُبُّ الدِيارِ شَغَفنَ قَلبي * وَلَكِن حُبُّ مَن سَكَنَ الدِيارا

وكان يقول أيضًا:

يا بيت عتكة التي أتعزل * حذر العدا وبه الفؤاد موكل


[1]/ يعقوب بن إسحاق الكندي هو أول من وقف معارضًا بشدة مقولة الكيميائيين بإمكان تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن ثمينة. وألف في ذلك رسالة في بطلان دعوى المدعين صنعة الذهب والفضة وخدعهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.