منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الكنز(قصة قصيرة)

الكنز(قصة قصيرة)/حسن الإلياسي

0

الكنز(قصة قصيرة)

بقلم: حسن الإلياسي

وهو في حضرة الموت، نادى ولده هاشما و أخبره قائلا ببطء شديد مع سُعال قوي يتخلل كلامه بين الحين والآخر: يا بني، لم يتبقّ لي إلا دقائق معدودة، و لدي وصية أود أن أصيك بها قبل أن توافيني المنية. إن لي كنزا ثمينا دفنته يداي قبل سنين كثيرة و أريد الآن وقد ضعُف البدن وحان الأجَل أن أهبه كله لك و لقبيلتي. وصيتي لك ألا تترك كنز والدك دفينا. أخرجه و خذ منه نصيبك، و أعطِ لكل حظَّه منه. توقف الشيخ الهرِم، وهاشم لازال ينظر إليه نظرة من لا طاقة له على التصديق. فتح فاه جاحظ العينين و نطَقَ: كنز؟! أين؟! ما كان من الشيخ من شدة العجز إلا أن أومأ بسبابته اليمنى إلى الحصير الذي ينام عليه. فهِم الابن ذلك، فأخرج صحيفة عليها سِمة القدامة. أراد فتحها ليقرأ ما تحويه. فمنعه والده و قال بجفنين مسدَلين تقريبا و نبرة منهكة جدا: إذا متُّ فلك أن تطَّلع عليها. شغَل أمر الوصية الولد وإن لزِم مكانه و لما رأى أن الموعد آن لخروج الروح أعان والده على نطق الشهادتين فنطقهما و جمَد بدنا بلا حراك في بيته المنسي العتيق. خرج هاشم على القبيلة يذيع نبأ الموت بين أهلها و كذلك أمر الوصية والكنز. فأقبلت جموع كثيرة على مد البصر من الرجال لتعزيته في هذا المُصاب وإلقاء النظرة الأخيرة على الفقيد. وجيء بعدها بالمغسِّل فقام بواجبه بالمجَّان. في الغد، و بعد التغسيل والتكفين وأداء الصلاة حمِل الشيخ على النعش على أكتاف أربعة من رجال القبيلة الأصحاء في الطريق إلى المقبرة. ولم يغِب عن هاته الجنازة أحد، فالكل سار فيها. دُفن الرجل في مُقامه المعدِّ سلفا وعادت الجماعة أدراجها يقصد كل رجل منها بيته وأهله. وليلة ذلك اليوم على هذا التلِّ العالي وبتلك الدار الضيِّقة التي لم يعتدِ الشيخ من قبل أن تجتمع عند عتبة بابه كل هذه النعال، كان تناول العشاء و بعد ذلك، قرأ هاشم الفحوى بصوته المرتفِع: بالصحراء حيث الحرُّ الشديد و الأنجم المتلألئة و الكثبان العالية هناك، يا ولدي، أخفيت عنك و عن القبيلة صندوقا لم أغلِّقه من قبلُ كي تفتحه سريعا حين تجده، فيه من الذهب و اللجين و الأحجار الكريمة ما يرفع عنك وعن غيرك الفاقة، و يصدُّك عن السؤال و ذله. يا ولدي، إذا بلغت الصحراء وجدت نخلة عظيمة باسقة، معمِّرة، لا يستفيد منها عابر السبيل تمرا ولا بلحا ولكن ظلا وارفا يقيه حرَّ الصبح والظهيرة. تحت هاته النخلة تجد كنزي. إذا أخرجته فلتتخذ للقسمة رجلا عادلا لا يظلم أحدا، تأخذ منه نصيبك راضيا غير ساخِط. وأصيك في الخِتام ألا تنفق مالك في غير حاجة ولا منفعة لئلا تغدوَ بعد حين سائلا يقف عند الأبواب. والسلام. قال شيخ القبيلة: دعوا أمر القسمة لي. و سأرسل في الغد إلى المكان المعلوم هاشما برفقة رجلين منا مع ثلاثة أفراس يحتملون طول الطريق، و حرارة الصحراء. فوافق الجميع على ما قال الشيخ. وفي الصبح الباكر، انطلق الثلاثة قاصدين الصحراء. وبعد ساعات طِوال، وصلوا و الشمس تغيب. فنزلوا من على الصهوات و استلقوا على الرمال الخالصة اللون. لما أشرقت شمس يوم جديد، قاموا و ركبوا على ظهور الأفراس مرة ثانية. واصلوا الطريق. من حين لآخر كانت الريح تقذف بالرمل على العيون. كان العطَش قويا و الزاد من الماء قليلا. بعد حين رأى هاشم من على مسافة طويلة نخلة بالأوصاف التي ذكرها الفقيد في الصحيفة. فاتجه مع رفيقيه إليها. لقدِ انتابَ القومَ فرح غامر. فطفِقوا يتبادلون الأماني. بدأتِ الأيادي الستُّ تحفر و تحفر، و لحسن الحظ لم يكن الهدف بعيدا، فسرعان ما وجدتِ الأيادي نفسها على سطح صلب. سارع الجميع إلى إخراج الصندوق الثقيل. القلوب تخفِق بقوة، و الأنفس لا تملك صبرا. و بثقة كبيرة، تقدّم أكبر القوم ففتح الصندوق. فألفى قِربة مكسورة، و عمامة، و سِلهاما ممزقا!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.