الدنيا مبتدأ والآخرة خبر
د. فؤاد هراجة
(باحث في الفلسفة والأخلاق)
كثيرون هم نحن المهووسين بأخبار العالم وما يقع فيه من حوادث واختراعات وإنجازات وحروب وحكايات… ؛ ولقد كنا قبل غزو وسائل التواصل الاجتماعي لأيدينا وأبصارنا وأسماعنا، ننتظر الأخبار ساعة بساعة ونهرع إلى الشاشات فور رؤيتنا للشريط الأحمر المكتوب عليه أسفل الشاشة بالبنط العريض ”خبر عاجل“.
وقتئذ ما كان يثير انتباهنا هي الأحداث الدولية الكبرى، وما كان يشغل اهتمامنا مآلاتها التي ستخلفها. بَبْدَ أننا اليوم مع وسائل التواصل الاجتماعي انتقلنا من ”الماكرو أخبار“ إلى ”الميكرو أخبار“ وأصبحت كل رنة (notification) أَذَانٌ في أُذُنِ صاحبها «أَنْ حَيَّ على الجديد، حَيَّ على الخبر». هكذا وبعدما كانت الحياة الدنيا إلى زمن قريب، رغم جَِدً الناس وكَدِّهِم واجتهادهم فيها مجرد زينةٍ ولعبٍ ولهوٍ وغرورٍ ومتاعٍ زائلٍ، فإنها أضحت اليوم مع سُعَارِ وهوس التواصل الاجتماعي والنبش الدائم والمتواصل في أتفه التفاهات، أضحت أي الحياة الدنيا أحط من اللعب واللهو، لأن في اللهو متعة ولكل لعب قواعد تحكمه وعطيه معنى، أما حال حياتنا اليوم فقد أصبحت بدون وجهة ولا طعم ولا معنى.
لقد كان الإنسان سابقا كالصقر يكفيه أن يقوم بطلعة وجولة واحدة ليستطلع بسرعة ما يرغب فيه ويقصد هدفه ثم يتفرغ لعشه وفراخه وشريك حياته، أما اليوم استحال الإنسان كالدودة التي تدخل جسما وتغلق على نفسها فيه بحيث تنسيها كينونتها فيه كل العالم وهي تتلذذ به ثم بالعفن والفساد الذي تتبادله معه، حتى إذا فسد هذا الجسم انتقلت إلى عفن آخر حتى تموت. وسط هذه العوالم التواصلية التي تبدو في ظاهرها منفتحة، لا يزداد هذا الإنسان (الذي هو أنا) إلا انغلاقا على نفسه، والأخطر لا يزيده هذا الانشغال بالسفاهة والتفاهة إلا غرقا في بحر غفلته عن مصيره بعد الموت، غاب عنه خبر الآخرة وانحجبت عنه تفاصيل لقائه بربه.
فما أحوج إنسان العصر الذي ابتلعته أنباء الدنيا إلى تفقد كتاب الله الكريم الذي يِحدثه عن النبأ العظيم، ويذكره أن الله أقرب إليه من حبل الوريد، ويُعَلِّمه أن الحياة الدنيا ما هي إلا لحظة قصيرة جدا «وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ ٱلرِّيَٰحُ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ مُّقْتَدِرًا». ولئن كان هذا حال الدنيا من أولها إلى آخرها، من نزول آدم إلى قيام الساعة، فماذا تمثله حياتي أنا المسكين داخل هذه البرهة الزمنية «وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوٓاْ إِلَّا سَاعَةً مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ۚ قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ»
إن الإنسان الرقمي ما أغفله! وما أحوجه إلى خبر الآخرة في زمن تحولت فيه الدنيا من مبتدأ إلى خبر، وأضحت مبلغ الناس من العلم ومنتهى ظنهم.
القرآن وحده ينتشلنا من غيابات جب الدنيا بلهوها وأنبائها التافهة ويفتح لنا بوابة الآخرة حيث مجيء الموت والنفخ في الصور والخروج من الأجداث كالجراد المنتشر، وزلزلة الأض، ووقوع الواقعة، وحديث الغاشية، يوم تدك الأرض دكا، وتبدل الأرض غير الأرض، ويحشر الناس، ويقفون صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمان وقال صوابا، يوم يدعون إلى السجود فلا يستطيعون، يوم يأتي ربك والملائكة صفا صفا، يوم تطوى السماء كطي السجل للكتاب، يوم يعرض الناس لا تخفى منهم خافية، يوم يؤتى كل إنسان كتابه ويقال له ” كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا“، يوم توضع الموازين بالقسط، وينصب الصراط، وتتكلم الأيدي والأرجل وكل الجوارح ينطقُها الله الذي أنطق كل شيء لتشهد على صاحبها وهو يقول لها : « ويحكن عليكن كنت أناضل»، يوم يأتي كل واحد منا ربه فردا فيجد ما وعده ربه حقا، يوم ينصب الصراط فوق جهنم وتكاد تميز من الغيظ، نزاعة للشوى تدعو كل من أدبر وتولى، يوم يساق الذين كفروا إلى نار جهنم زمرا، ويساق الذين آمنوا إلى الجنة زمرا، يوم يقسم الناس إلى مكذبين ضالين نُزُلهم من حميم، وأصحاب اليمين يفيأون الجنة، وامقربين يتنعمون بالفردوس الأعلى وزادهم الله لذة النظر إلى وجهه الكريم…، حينها، إما خلود في الجنة وإما خلود في النار.
هذا هو خبر الآخرة الذي يتوجب على كل عاقل أن يبحث عن تفاصيله كل يوم، ولن يجده إلا في نافذة كتاب الله المهجورة أمام هوس أخبار الدنيا التي أصبحت هي من تبحث عنا وتتعلق بنا. كتاب الله الذي وظيفته الهداية وغايته الإخبار عن المعاد، يجعلك تنظر في العمل الذي يوصل إلى أعلى مراتب الجنة ويحقق درجة النظر إلى وجه الله عزوجل « وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة» من جهة، وهو الكتاب أيضا الذي يطلع عن الأفعال التي يتوجب اتقاءها صونا للنفس من الحساب العسير وعذاب السعير؛ لمثل هذا فاليعمل العاملون.
وزبدة القول، أنه لا مناص من تعهد القرآن الكريم حتى تنغرس فينا حقيقة واحدة وجهها الأول «والآخرة خير وأبقى» ووجهها الثاني أن الدنيا مبتدأ والآخرة خبر، ولا معنى للمبتدأ بدون خبر. وهذا ما يفرض علينا ضرورة الاهتمام بالمآل ويدفعنا إلى جعل ما بين أيدينا من وسائل التواصل والإعلام منابر للتذكير بالآخرة ولقاء الله، عوض جعلها منصات الغفلة عن لقاء الله. إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا.