الانتحار الاستراتيجي للغرب، تساؤلات مشروعة
د. رشدي بويبري
أصابت عددا من المحللين والمتابعين الحيرة من السلوك الاستراتيجي والسياسي للأنظمة الغربية تجاه الحرب المستعرة على الشعب الفلسطيني في غزة منذ أكثر من سنة، فقد انحازت هذه الدول كعادتها للإسرائيليين، لكنها في هذه المعركة تجاوزت سلوكها التقليدي ذاك بكثير، فقد وضعت معظم إمكاناتها العسكرية والسياسية والإعلامية والديبلوماسية لفائدتهم، وبصورة غير مسبوقة. ورغم أن العدو الذي تحاربه هذه الجبهة العريضة من الأنظمة “الديموقراطية” الغربية لا يعدو أن يكون حركة مقاومة ضد الاستعمار، محلية ومحدودة القدرات وتتمركز داخل مدينة صغيرة محرومة من أي دعامات استراتيجية، إلا أن الجهد الهائل الذي بذلته، وما تزال، هذه الدول في مساندة الكيان الصهيوني يحير العقول فعلا. فقد أظهر رصد وتحليل البيانات الملاحية من موقع “رادار بوكس”، خلال هذا الأسبوع، تسجيل ما يزيد على 6 آلاف رحلة عسكرية في المنطقة مرتبطة بالدول الغربية خلال عام من الحرب الإسرائيلية على غزة، مع إقامة جسر جوي دائم بدعم غربي هائل لإسناد إسرائيل في قصف القطاع المحاصر بأطنان من القنابل.
تُرى لماذا يحرص الساسة الغربيون، في كل امتحان يتعرضون له، على التنكر لمبادئهم المعلنة وقيمهم التي طالما أنفقوا الثروات لترويجها وتصديرها إلى المجتمعات الأخرى على أنها قيم كونية؟ لم لا يتوانون لحظة على مناقضة المصالح الاستراتيجية لشعوبهم، وخاصة حين يتعلق الأمر بتقديم خدمات للكيان الصهيوني والانجرار خلف سياساته مهما بدت موغلة في الهمجية؟ هل هناك فعلا تشابك مصالح مع هذا الكيان المغروس قسرا وظلما وسط أمة الإسلام؟ أم أن الروح الصهيونية سكنت عقول وقلوب هؤلاء السياسيين؟ هل هذه المعركة المستعرة ضد الشعب الفلسطيني، منذ سنة ونيف، معركة تكتيكية هدفها تحقيق مكاسب ميدانية أو إقليمية وإرساء وضع جديد وفق معادلة جديدة؟ أم أنها معركة مصيرية واستراتيجية للجميع؟
لعل الإجابة عن هذه التساؤلات، وغيرها، تمنحنا القدرة على استقراء واقع هذه المعركة ومداها، ولعلها تفسر لنا هذا الانتحار الاستراتيجي للغرب، والذي يتسارع بصورة غريبة. قد تسعفنا في التحليل مقاربات متعددة، كالمقاربة السياسية والتاريخية وغيرها، مما لا يسع هذا المقال الموجز إيراده بتفصيل. فالمعالجة التاريخية تنبئنا أن هناك معيارا دقيقا نقيس به هوية المعارك، هل هي استراتيجية أم تكتيكية؟ هذا المعيار هو حجم الأرصدة الموظفة في المعركة وطبيعتها، فإن كانت الأرصدة المادية والمعنوية التي يتم اعتمادها كبيرة واستراتيجية، فالمعركة بعيدة المدى، زمانا ومكانا، وأهدافها تتجاوز المستوى التكيتيكي إلى المدى الاستراتيجي.
أما من الزاوية السياسية فسأكتفي بعرض تصريحين بليغين لأحد الشخصيات السياسية الفرنسية البارزة التي لعبت دورا مهما في هذا الدعم الغربي المنقطع النظير للصهاينة، إنه مانويل فالس (Manuel Valls) رئيس الوزراء الفرنسي المنتهية خلال. فقد اعتبر في حوار له مع قناة أوروبا واحد (Europe 1)، قبل ثلاثة أسابيع، بأن سبب هذا الدعم الغربي مردُّه إلى أن: “إسرائيل تقاتل من أجلنا (نحن الغرب)”، فهي إذن معركة واحدة ضد أعداء مشتركين. وفي حوار آخر له مع قناة ((BMTV يكشف عن هؤلاء الأعداء بقوله: ” معركة إسرائيل هي نفس معركتنا ضد الإسلاميين … وإذا سقطت إسرائيل فنحن بدورنا سنسقط”. هذا على الأقل شخص صريح، لا يتلعثم في تعبيره، أو كما يقول الفرنسيون: “ne mâcher pas ses mots”، وتصريحاه ذاك ينبئاننا عن طبيعة تقدير الساسة الغربيين للحرب ضد غزة ومعها لبنان، فهي حرب استراتيجية ومصيرية بالنسبة للمعسكر الغربي برمته، وهو ما يفسر كل هذه التعبئة التي أبان عنها في دعم الاحتلال الصهيوني وتبرير وحشيته والتعمية عن فظاعاته بحق الأبرياء.
هناك مبدأ تاريخي نفيس تمخضت عنه التجربة الإنسانية خلال تاريخها الطويل، ومفاده أن الدول والحضارات حين تدركها مرحلة أفولها واندحار ريادتها، وتتراءى لها نهايات هيمنتها، تتعرى من كل المساحيق وتُسقِط كلّ الأقنعة وتنكشف صورتها الحقيقية متوحشة وهمجية، تقاوم انهيارها بلا هوادة، وهو ما يسرع من وتيرة سقوطها ويجله مدويا ومكلفا.