منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

صلاح الفرد وبناء مجتمع العمران الأخوي، رهين بذكر الموت والاستعداد له|سلسلة خطبة الجمعة

الشيخ بن سالم باهشام

0

صلاح الفرد وبناء مجتمع العمران الأخوي،
رهين بذكر الموت والاستعداد له
سلسلة خطبة الجمعة

الشيخ بن سالم باهشام

خطيب مسجد أم الربيع بخنيفرة سابقا

 

عباد الله، يقول الحق عز وجل في سوره طه: ( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى؛ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ، وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى)[طه: 123 – 127]، إنها السعادة الدنيوية والأخروية معا، أو الشقاء الدنيوي والأخروي، والسعادة لا تتأتى ولا تتحقق بكثرة مال ولا منصب ولا جاه ولا جمال، وإنما تتحقق باتباع منهج الله في الحياة التي هي فرصة الامتحان، فمن سمع وأطاع في هذه الفترة المحدودة من الحياة، سعد دنيا وأخرى، قال تعالى في سورة النحل: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل: 97].

عباد الله، كيف السبيل العملي لتحقيق السعادتين الدنيوية والأخروية؟ كيف السبيل إلى تحقيق مجتمع أخوي؛ لا يستكبر فيه الغني على الفقير، ولا صاحب الجاه والسلطان على الوضيع، ولا الذكر على الأنثى، ولا يحسد الفقير الغني، كل واحد يعيش في سعادة، ويلتقون في الآخرة على سرر موضونة، حيث لا غل ولا حسد بينهم، كما لم تكن في الدنيا؟ إننا لا نستطيع الإجابة على هذه التساؤلات، إلا إذا عرفنا الهدف من رسم الإسلام منهاجا خلقيا، وحض الإنسان على اتباعه، كما لا نعرف الجواب على هذه التساؤلات، إلا إذا عرفنا تركيبة هذا الإنسان العجيب الصنع، والذي جمع الله فيه بين متناقضين: الروح والجسد.

عباد الله، إن الإسلام حين يرسم منهاجا خلقيا للإنسان، ويحضه على اتباعه والتزامه، إنما يهدف بذلك إلى أمرين اثنين:

أولهما: تحقيق آدمية الإنسان كاملة.

ثانيهما: بناء مجتمع العمراني الأخوي.

عباد الله، فيما يتعلق بالهدف الأول الذي يحقق آدمية الإنسان كاملة، فالله عز وجل الذي خلق الإنسان، – وهو أعلم بمن خلق -، قال في محكم كتابه في سوره الملك: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك: 14]، أودعه نوازع وغرائز متعارضة، أودعه نوازع الخير بالنفخة العلوية التي تشبه الجانب الملائكي، وأودعه نوازع الشر، وهي جانب الحمأ المسنون الذي يشبه الجانب الحيواني، وفي اجتماعهما والتوفيق بينهما يتحقق الابتلاء الإنساني على هذه الأرض، ولقد بين القرآن الكريم، والنبي صلى الله عليه وسلم – بما علمه الله تعالى -، مواطن الضعف الإنساني كلها، وعالج الإسلام هذه النوازع التي في الإنسان برفق ويسر، ترغيبا وترهيبا للإقلاع عنها، والتخلص من آثارها، وبنى شخصية إنسانية نظيفة السلوك، صادقة اللسان، عفيفة الجوارح، طاهرة الأدران، تعيش على وجه الأرض، وتنظر إلى ما عند الله والدار الآخرة، وتوازن في وجودها الدنيوي؛ بين المادة والروح، إلى كل ذلك في تسام مستمر، ومحاولات جهادية دائبة نحو الأفضل، والله عز وجل وهو الرحيم بعباده، يأخذ بيد المقبل عليه ليوصله إلى بحبوحة رضاه، قال عز وجل في سورة العنكبوت: ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت: 69]، والنبي صلى الله عليه وسلم صاحب الخلق العظيم، والذي زكاه خالقه سبحانه وتعالى وقال في حقه في سوره القلم: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم: 4]، كان مثالا ونموذجا في محاولة هذا الترقي، فقد كان يقول في دعائه فيما رواه الإمام مسلم في صحيحه، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ يُكَبِّرُ ثُمَّ يَقُولُ: (…اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، اصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ)، [أخرجه مسلم (771) (202)، من طريق أبي النضر هاشم بن القاسم، بهذا الإسناد. وانظر (729)]. وروى الترمذي، عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مَالِكٍ – رضي الله عنه – قَالَ: كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ: (اَللَّهُمَّ جَنِّبْنِي مُنْكَرَاتِ اَلْأَخْلَاقِ، وَالْأَعْمَالِ، وَالْأَهْوَاءِ، وَالْأَدْوَاءِ)، و”الأدواء”: جمع داء، وهي الأسقام [حديث صحيح، رواه الترمذي (3591)، والحاكم (1 / 532)]. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ حسَّنْتَ خَلْقِي، فَحسِّنْ خُلُقِي). [مسند الموصلي 9/ 112 برقم (5181)، قال شعيب الأرنؤوط: حديث صحيح بشاهده].

عباد الله، الهدف الثاني الذي من أجله رسم الإسلام منهجا خلقيا للإنسان، وحضه على اتباعه والتزامه، أن الأخلاق الإسلامية ترتكز أساسا على النظر للإنسان على أنه جزء من الجماعة لا يتجزأ، وأخلاق الفرد نحو الجماعة، ترتكز على أمرين اثنين:

أولهما: بذل الفرد وعطاؤه وتضحيته في سبيل الجماعة، والقيام بكل ما يستطيعه من خير وفائدة نحو المجتمع.

 ثانيهما: إمساكه عن الظلم والاعتداء قولا وفعلا، وعلى هذين المرتكزين، تقوم الأخوة الإسلامية التي تبني صفا واحدا كالبنيان المرصوص، يتنازل الواحد فيه لأخيه عن ماله ومتاعه.

عباد الله، إن هذه الأخوة الإيمانية، تستبعد فكرة المنافع الشخصية في التعامل، وترسي قاعدة الإنسانية وتكريم بني آدم، روى البخاري في صحيحه، عَن النُّعْمَان بْن بَشِيْر رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ؛ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى). [رواه البخاري (6011)، ومسلم (2586/ 66).].

عباد الله، يا أيها الأحباب الكرام، يا أيتها الأحزاب السياسية، ويا أيتها الجمعيات المدنية، ويا أيتها الحركات الإسلامية، ما حظكم من هذا التصور الذي لا يختلف فيه مسلمان؟ وما دوركم في السعي لتحقيق هذا العمران الأخوي، وخطابي لهذه المؤسسات؛ لا يعني القدح في واحدة منها، أو نقد واحدة منها، وإنما أخاطبها لأنها هي التي تؤطر المجتمع، وهي التي نادت بذلك ورضيت به، فلابد من مخاطبتها لأنها مسؤولة عن ذلك، وتقتضي منها هذه المسؤولية؛ وقفة تقييمية ثم تقويمية، قصد الترقي إلى درجات أعلى، ومدارج أسمى.

عباد الله، كيف السبيل ليصبر الفرض على أذى أخيه في إطار التعامل، يكون شعاره ما رواه البخاري في الأدب المفرد، بسند صحيح، عن ابْنِ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِي – صلى الله عليه وسلم- قَالَ: ( الْمُؤْمِنُ الَّذِى يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَفْضَلُ مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِى لاَ يُخَالِطُ النَّاسَ وَلاَ يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ)، [الحديث بهذا اللفظ، رواه البخاري في” الأدب المفرد” (388) بسند صحيح].

عباد الله، إنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلَح به أولها، فهذه الأمة التي تربت على يد الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، فربطهم بالآخرة، وحثهم على الإكثار من ذكر الموت، وعلى وجوب الاستعداد له قبل نزوله، فقال فيما رواه الطبراني، عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمَحَارِبِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يَا طَارِقُ، اسْتَعِدَّ لِلْمَوْتِ قَبْلَ الْمَوْتِ). [الطبراني في معجمه الكبير ج8/ص314 ح8174]، وروى أبو نعيم الأصبهاني، في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، قال عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود رحمه الله: ( ما أحد يُنزّل الموتَ حق منزلته، إلا عد غدا ليس من أجله، كم من مستقبل يوما لا يستكمله؟ وراج غدا لا يبلغه؟ لو تنظرون إلى الأجل ومسيره، لأبغضتم الأمل وغروره)، [ج4 صفحة 244]، وقال رحمه الله: (إن من كانوا قبلنا؛ كانوا يجعلون للدنيا ما فضل عن آخرتهم، وإنكم تجعلون لآخرتكم ما فضل عن دنياكم). وكتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله، إلى بعض أهل بيته: (أما بعد؛ فإنك إن استشعرت ذكر الموت، بَغّض إليك ما كان، وحبب إليك كل باق)،  ولما توفي الشيخ أبو إسحق إبراهيم بن أحمد بن علي بن مسلم البكري الجُبُنْيَانيّ القيرواني المالكي، المتوفى بجُبنيانة قرية من قرى القيروان، وكانت وفاته في 7 محرم سنة 369 هـ الموافق[979 م]، وكان رحمه الله من أولياء الله الصالحين، وجدوا رقعة تحت حصير مكتوبة بخطه فيها: (رجل وقف به هاتف فقال له: حسِّن عملك، فقد دنا أجلُك)، قال ولده عبد الرحمن: (إنه كان إذا قصر في العمل، أخرج الرقعة، فنظر فيها ورجع إلى جِدّه)، فيا من ينفق الأموال الطائلة للحصول على الجاه الزائل والمزيف، ويامن يسعى بكل جهده، وكل الطرق الحلال والحرام، لجمع المال، ويامن يجتهد بكل الوسائل للحصول على مناصب غير قادر على أداء حقها، أما لك في ما ذكر معتبر؟

عباد الله، قد يتساءل الواحد منكم، كيف يكون لذكر الموت والاستعداد له، أثر فعال في تحسين الأخلاق والصبر على أذى الآخرين، إن نحن عرفنا أن الإكثار من ذكر الموت ينهض الحال ويشجع على العمل؟ الجواب على هذا التساؤل، نستخلصه من كلام العالم الجليل يوسف بن عمر بن مسرور، أبو الفتح القواس البغدادي الزاهد، من رواة الحديث، ولد سنة 300 هجرية. ومات في ربيع الآخر سنة 385 ه. لما قيل له: (فلان يتكلم فيك، فلم يشطط غضبا، ولم ينطق فحشا، بل جعل الموت أمام عينيه، فحسّن أخلاقه فقال رحمه الله: إنما مثلي ومثله، كمثل رجل حمل لضرب عنقه، فقذفه رجل في الطريق، فقال لنفسه: أنتَ تُحمل للقتل، تسأل عمن يقذفك؟ وأنا سائر إلى الموت، لا أدري متى يأتيني، أسأل عمن يتكلم في؟ في الموت ما يشغلني عن ذلك).

عباد الله، لقد حسن الموت أخلاقهم، وزهدهم في الدنيا ومتاعها الزائل، وزهدهم فيما في أيدي الناس. وبهذا السلوك، أحبهم الله، وأحبهم الناس، روى ابن ماجه في سننه، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه قَالَ: – جَاءَ رَجُلٌ إِلَى اَلنَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – فَقَالَ: (يَا رَسُولَ اَللَّهِ! دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اَللَّهُ، وَأَحَبَّنِي اَلنَّاسُ. [فـ] قَالَ: اِزْهَدْ فِي اَلدُّنْيَا يُحِبُّكَ اَللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ اَلنَّاسِ يُحِبُّكَ اَلنَّاسُ) [رواه ابن ماجه في سننه ج2/ص1374 (ح4102)، وسنده حسن” إذ له شواهد؛ ولذلك حسَّنه غير واحد كالنووي، والعراقي والهيثمي].

عباد الله، إنهم لم يكونوا رحمهم الله مكتفين بذكر الموت، بل كانوا يأخذون العبرة بالوسائل والأدوات التي تذكرهم بالموت، فكانوا يستنطقونها وإن لم تكن تتكلم، فهذا بهاء الدين السبكي، دخل على الشيخ برهان الدين الإبناسي يعوده، وكانت تجاههما نعش، فنظر السبكي إلى النعش فقال للإبناسي: يا شيخ برهان الدين، أتدري ما يقول هذا النعش؟ فقال: إنه يقول:

اُنظر إليّ بعقلك   ***  أنا المعد لحمـــــــــــــــلك.

أنا سرير المنايا ***    كم صار مثلي بمثلك.

وكان رحمهم الله، رغم هذه الاجتهادات، يعلقون افتقارهم إلى الله عز وجل، فيتضرعون إليه سبحانه وتعالى، موقنين أنه يجيب المضطر إذا دعاه، فيسألونه دوام حالة ذكر الموت على قلوبهم، فهذا يزيد بن ميسرة رحمه الله كان يقول: (اللهم اجعل مخافتك في قلوبنا، وأدم على قلوبنا ذكر الموت).

عباد الله، إذا كان لذكر الموت هذا الأثر في تحسين الأخلاق، وشحذ العزائم للعمل الصالح، ورفع الهمم، فما هي الوسائل التي تعين على ذكر الموت، ونصح بها الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه أصحابهّ؟

عباد الله، إن مما يساعد على ذكر الموت، هو الاطلاع على أخبار الموتى وأحوالهم بعد الموت، والتدبر فيما آل إليه أمرهم، وفيما يتوقع لهم بعد الموت، روى الامام مسلم في صحيحه، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (زُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الموت) [رواه مسلم في “صحيحه” (ح 976)].

عباد الله، إذا وقفنا وقفة محاسبة، كم من مرة زرنا هذا الشهر المقبرة؟ فهذا الرسول صلى الله عليه وسلم المعصوم، لا تغنيه مكانته عند الله من زيارة المقابر، إذ كان يزورها حتى في الليل، بل وحتى وهو في مرض الموت.

عباد الله، وحتى إذا غلبتني نفسي الأمارة بالسوء والدنيا الغرور، أنا العبد الضعيف، فالإنسان ضعيف بنفسه، قوي بأخيه، فلماذا لا أعقد علاقة أخوة مع أصدقاء لي، نحدد برنامجا شهريا على الأقل لزيارة المقابر جماعة، ونطلع في كتب السنن على آداب الزيارة، ثم نلتزم بذلك، وبعد الزيارة، نعقد جلسة تقييمية لأثر الزيارة في نفوسنا، ونطلع على أحوال السلف الصالح، وكيف يكون حالهم بعد الزيارة، لنرى هل نحن على طريقهم أم لا؟ ويزيد الحبيب المصطفى، والمربي المعصوم، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في توجيهاته إلى ما فيه خير الدنيا والآخرة، ويقول وهو يخاطب أبا ذر الغفار رضي الله عنه فيما رواه الحاكم، وقال: رواته عن آخرهم ثقات، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (زُرِ الْقُبُورَ تَذْكُرُ بِهَا الْآخِرَةَ، وَاغْسِلِ الْمَوْتَى، فَإِنَّ مُعَالَجَةَ جَسَدٍ خَاوٍ مَوْعِظَةٌ بَلِيغَةٌ، وَصَلِّ عَلَى الْجَنَائِزِ لَعَلَّ ذَلِكَ أَنْ يُحْزنكَ، فَإِنَّ الْحَزِينَ فِي ظِلِّ اللهِ يَتَعَرَّضُ كُلَّ خَيْرٍ). [أخرجه الحاكم (1/533، رقم 1395) وقال: رواته عن آخرهم ثقات، والبيهقي في شعب الإيمان (7/15، رقم 9291)].

فيا أيها الأحباب الكرام، بهذا يمكن الاتعاظ، وبهذا يمكن أن تتغير الأحوال، وبهذا يمكن أن نصحح المسير، فتعالوا بنا لنختم ببعض مواقف سلفنا الصالح، فهذا عبد الله بن عقبة رحمه الله يقول: (عدت رجلا مريضا، فلما قدمت عنده قلت: كيف تجدك؟ فأنشد يقول:

خرجت من الدنيا وقامت قيامتي *** غداة أقل الحاملون جنازتي.

وعجل أهلي حفر قبري وصيروا *** خروجي وتعجيلي إليه كرامتي.

كأنهم لم يعرفوا قط صورتي ***  غداة أتى يومي علي وساعتي.

عباد الله، وهذا ثابت البناني رحمه الله تعالى قال: (دخلت المقابر لأزور القبور، وأعتبر بالموتى، وأتفكر في البعث والنشور، وأعظ نفسي لعلها ترجع عن الغي والغرور، فوجدت أهل القبور صموتا لا يتكلمون، وفرادى لا يتزاورون، فأيست من مقالهم، واعتبرت بأحوالهم، فلما أردت الخروج، إذ أبصرت من يقول لي: يا ثابت، لا يغرنك صموت أهلها، فكم فيها من نفس مغربة أو متهمة).

عباد الله، يروى أن بعض المتعبدين، أتى قبر صاحب له كان يألفه، فوقف عند رأسه، وأنشد يقول:

مالي مررت على القبور مسلما ***  قبر الحبيب فلم يردّ جوابـــــــي.

أجب مالك لا تجيب منـــــــــــــــــاديا ***  أمللت بعدي خلة الأصحاب.

قال: فهتف بي رجل من جانب القبر يقول لي:

قال الحبيب وكيف لي بجوابكـــم *** وأنا رهين جــــــــنادل وتراب.

أكل التراب محاسني فنسيتــكم *** وحُجبت عن أهلي وعن أصحابي.

وتمزقت تلك الجلود صفائــــحا *** يا طالما لبـــــــست رفيع ثياب.

وتساقطت تلك الثنــــــايا لؤلؤا *** ما كان أحسنــــها لرد جواب .

وتساقطت تلك العيون على الثرى *** يا طالما نظرت بهـــم أحبابي.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون إلى يوم الدين، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.