منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حائط باب دكالة والنقاش العمومي: من الفعل الرمزي إلى صناعة الوعي

عز الدين صمبة

0

حائط باب دكالة والنقاش العمومي:

من الفعل الرمزي إلى صناعة الوعي

بقلم: عز الدين صمبة

لم تكن واقعة باب دكالة حدثا عاديا جرى في فضاء عمومي وانتهى، بل كانت لحظة كاشفة أظهرت كيف يمكن لفعل محدود في حجمه أن يتحول إلى مدخل واسع لإعادة تشكيل النقاش وإعادة هندسته داخل المجتمع المغربي. فخطورة المشهد لا تكمن في الفعل ذاته، بل في ما أطلقه من دينامية نقاش، وفي ما فتحه من تحولات هادئة في بنية المواقف، وما رافقه من اصطفافات متحركة يمكن رصدها في تفاعلات الفضاء الرقمي.

وهنا تتحدد الفكرة المركزية في أن الحدث لا يشتغل بوصفه واقعة معزولة، بل بوصفه نقطة إدخال إلى مسار أطول من التأثير.

أولا: من الفعل إلى صناعة النقاش

قبل الواقعة، كان النقاش حول هذا النوع من القضايا محكوما بهدوء نسبي، ومحصورا داخل دوائر ضيقة، يغلب عليه منطق الرفض الواضح والمباشر، خاصة في سياق التوترات المرتبطة بفلسطين وما يرافقها من حساسية رمزية قوية داخل الوعي الجمعي.

لكن بمجرد وقوع الحدث، انتقل الموضوع من الهامش إلى المجال العمومي الواسع، واتسعت دائرة التفاعل بشكل لافت. وهذا هو التحول الأول والأساسي هو تعبير ضمني عن تحويل قضية كانت مستقرة في موقعها الأخلاقي الواضح إلى قضية قابلة للنقاش العمومي المفتوح.

وهذا الانتقال ليس بسيطا، لأنه يغير طبيعة الاشتغال على الفكرة نفسها. فحين يصبح الشيء قابلا للنقاش، فإنه يكون قد خرج من منطقة ” الحسم“ ودخل منطقة ” إعادة التشكيل“.

ثانيا: من وحدة الرفض إلى تفكك السرديات

إن أبرز ما كشفته مرحلة ما بعد الواقعة ليس فقط استمرار الرفض، بل ظهور تشققات خطابية دقيقة داخل هذا الرفض نفسه. إذ لم يعد الموقف الواحد يتكلم بصوت واحد، بل بدأت تتجاوره سرديات متعددة، بعضها يبرر، وبعضها يفسر، وبعضها يحاول إعادة التأويل. ويمكن رصد أهم هذه السرديات في ما يلي:

سردية التعايش: التي تقدم الفعل باعتباره جزءا من انفتاح اجتماعي ينبغي استيعابه بدل رفضه.

سردية الحرية الفردية: التي تركز على حق الممارسة داخل الفضاء العام بمعزل عن السياق الرمزي للصراع.

سردية المقارنة التاريخية: التي تستحضر ممارسات مقابلة في السياقات الإسلامية أو غيرها لتخفيف حدة الرفض.

سردية الضرورة والظرفية: التي ترى أن الفعل مرتبط بسياق خاص لا ينبغي تعميم دلالته.

سردية ”التطبيع الرمزي الهادئ“: التي لا تدافع مباشرة، لكنها تشتغل على تخفيف الصدمة وتحويل الاستثناء إلى أمر قابل للتقبل التدريجي.

هذا التعدد لا يعني فقط اختلاف وجهات نظر، بل يشير إلى بداية تفكك الإجماع الأخلاقي الصلب الذي كان يحيط بالموضوع. وهنا يكمن التحول الأخطر: الانتقال من رفض محسومإلى رفض محل نقاش.

ثالثا: من رد الفعل إلى إعادة تشكيل الوعي

الخطأ التحليلي الشائع هو اعتبار قوة الرفض الاجتماعي نهاية للمسار. لكن في منطق التأثير التراكمي، قد يكون الجدل نفسه هو الأداة الأهم لإعادة التشكيل، حتى عندما يبدو جدلا رافضا في ظاهره.

فبمجرد دخول المفاهيم الجديدة إلى النقاش العمومي مثل التعايش”، والحياد الرمزي للفضاء العام، وحرية الطقوس، وتعدد التأويل، تبدأ بنية الوعي في التحرك ببطء.

والأخطر هنا ليس التغيير السريع، بل التغيير الذي يحدث دون إعلان. إذ تتحول الفكرة من كونها مرفوضة بداهة إلى كونها قابلة للتفكير، ثم قابلة للنقاش، ثم قابلة للتطبيع التدريجي داخل اللغة اليومية.

رابعا: من الحدث إلى بناء أرضية مستقبلية

لا يمكن قراءة ما حدث باعتباره لحظة صدام فقط، بل باعتباره اختبارا اجتماعيا لقياس حدود التفاعل وحدود الرفض. فالمجال العمومي، سواء في المدرسة أو العمل أو الفضاء الرقمي، أصبح مسرحا لنقاش لم يكن بهذه الدرجة من الوضوح سابقا.

وهنا يشتغل الحدث كأداة استكشافية، لا يهدف فقط إلى خلق رد فعل، بل إلى قياس قابلية المجتمع لاستقبال مفاهيم معينة، ومعرفة أين يمكن توسيعها مستقبلا.

وبهذا المعنى، يتحول النقاش نفسه إلى أرضية اشتغال مستقبلية، يتم البناء عليها تدريجيا بدل الاكتفاء بالصدمة الأولى.

خامسا: من الصدمة إلى الهدوء الماكر

في مثل هذه الديناميات، غالبا ما تنتهي مرحلة الصدمة الأولى لتبدأ مرحلة أكثر هدوءا وأعمق أثرا. لا يتم فيها خلق ضجيج جديد، بل يتم الاشتغال على إعادة توزيع المعنى داخل النقاش القائم نفسه.

تُقوى بعض الأصوات، تُعاد صياغة بعض المفاهيم، وتُخفف حدة بعض الأحكام، ويُدفع بالاستثناء تدريجيا نحو أن يصبح جزءا من الممكن الاجتماعي.

وهنا يحدث التحول الحاسم الذي يكون فيه الانتقال من الفعل الصادم إلى التطبيع الرمزي الهادئ، وهو تطبيع لا يعلن نفسه، بل يتسلل عبر التكرار والاعتياد وإعادة التأويل.

الخلاصة

لا يقاس الخطر الحقيقي بحجم الحدث، بل بعمق المسارات التي يفتحها داخل الوعي الجماعي. لذلك فإن قوة الرفض، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها إذا لم ترافقها يقظة تحليلية تتابع كيف يُعاد تشكيل النقاش نفسه من الداخل. فلسنا اليوم أمام واقعة معزولة، بل أمام نمط اشتغال يعتمد على التراكم البطيء وبناء الأثر عبر الزمن. ومن هنا تصبح المعركة الأساسية ليست فقط في رد الفعل، بل في فهم كيف يتحول النقاش ذاته إلى أداة لإعادة تشكيل الإدراك العام.

غزة رمز العزة…

فلسطين حرة أبية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.