منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فضل الصحابة والتابعين في حفظ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبليغها

الأستاذ رشيد بغدادي

0

فضل الصحابة والتابعين

في حفظ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبليغها

بقلم: الأستاذ رشيد بغدادي

مكانة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قلوب صحابته رضوان الله عليهم أكبر من أن توصف وأغرب من أن تصدق. اختارهم الله لصحبته فكانوا خير معين على دعوته جهادا وتبليغا وتسليما. فقد حرصوا على صحبته ومجالسته والتعلم على يديه والتأسي به، حذرهم الله من مخالفته في أمور دينهم (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم)(1) أو تقديم رأيهم و كلامهم على رأيه و كلامه ( يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله )(2)أو رفع أصواتهم عليه (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي)(3). أو إعيائه بالسؤال إلا ما كان من علم نافع (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم )فهو بشر لا كالبشر ،حبه فرض وعدم الإيمان به كفر وعدم التأدب معه سوء أدب ونفاق. فالصحابة رجال تقاة ومخلصين والذين صدقوا الله ما عاهدوا الله ورسول الله عليه وحفظوا لنا الدين حتى تلقاه منهم كبراء التابعين الذين دونوا وقيدوا كل ما تعلموه، فهذه الأمة تحيى بالعلم وترتقي به .

1 – خصائص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم

من معجزاته صلى الله عيه وسلم أنه كان لا يقرأ ولا يكتب إلا أنه كان أفصح العرب، كانت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم موجزة وذات دلالة وقد أوتي جوامع الكلم، تحتوي عباراته القصيرة التي يسهل حفظها وتذكرها على كنوز كثيرة، لذلك كان يقول صلى الله عيه وسلم “بعثت بجوامع الكلم “(4) و”الجوامع جمع لجامعة والكلم جمع لكلمة، والكلمة الجامعة هي القليلة اللفظ الكثيرة المعنى، وإضافة جوامع للكلم من إضافة الصفة للموصوف”(5).قال ابن حجر: “وجوامع الكلم: القرآن فإنه تقع فيه المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة وكذلك يقع في الأحاديث النبوية الكثير من ذلك “. (6) وهي ميزة رسول الله صلى الله عليه وسلم امتاز بها عن غيره وتركها سنة لأمته قال الزهري:” وبلغني أن جوامع الكلم أن الله يجمع الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين أو نحو ذلك .”(7)

عن أسامة ابن زيد عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت:” كان كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كلاما فصلا يفهمه كل من يسمعه،وقالت كان يحدثنا حديثا لو عده العاد لأحصاه ، وقالت إنه لم يكن يسرد الحديث كسردكم”(8) ، وللبخاري عن أنس عن النبي أنه كان “إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه فإذا أتى على قوم  فسلم عليهم سلم ثلاثا”

وهذا شأن العظماء الذين أسروا قلوب أتباعهم بخطابات مليئة بالحكم التي ما تزال تشكل إلهاما لكثير من المؤرخين والباحثين والمتخصصين والناس أجمعين في جميع العصور.أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلامه وحي “وما ينطق عن الهوى”(9) ولا يقول إلا الحق ، وتقريراته حكمة وأفعاله تربية وتوجيه لأمته ، فسنته صلى الله عليه وسلم وجب اتباعها وهي مصدر تشريع للأمة وبها يفهم ما نُزِّل للناس من أمور دينهم من صلاة وصيام وزكاة وحج …

2 – اهتمام الصحابة بالحديث الشريف

   أ – ضبط الصحابة للحديث الشريف وتعظيمه

كان جلوس رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الصحابة حلقة من حلقات العلم و إجلالا للحديث النبوي وتأدب المتعلم مع المعلم، كان إذا تكلم  ” أطرق جلساؤه، كأنما على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا ” (10)

وكانوا حتى يتبين لهم ما أشكل عليهم لم يكونوا يترددون في مراجعته للاستيضاح والفهم ، حتى يسهل حفظه بعد ذلك.عن حفصة رضي الله عنها قالت :قال النبي صلى الله عليه وسلم :”إني لأرجو ألا يدخل النار أحد إن شاء الله  ممن شهد بدرا والحديبية ” قالت: يارسول الله أليس قد قال الله ” وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا” قال: ألم تسمعيه يقول ” ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا” أحمد وابن ماجه .(11)

فقد وردت أحاديث نبوية شريفة بألفاظ مختلفة في الحديث الواحد على لسان الصحابة ، وهذا لا يقدح في عدلهم ولا في حفظهم بل كانوا يصححون حديث بعضهم بعضا وينتقدون الخاطئ منه وقد سمي هذا فيما بعد بعلم نقد الحديث وجعلوا له طرقا لتمييز الحديث الصحيح عن غيره. وقد عد العلماء تعدد الحديث واختلاف ألفاظه ولو ذكر بالمعنى صحيحا عند أكثر العلماء مادام “لا يختل به المعنى” (12). وقد استدركت السيدة عائشة رضي الله عنها طائفة من الأحاديث على عمر بن الخطاب وعبدالله بن عباس وعلي بن أبي طالب وعبدالله بن عمر وأبي هريرة وغيرهم كثير من مشاهير الصحابة  .(13)

كان الصحابة يسألون عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرصهم على استدراك ما فاتهم من خير ويراجعونه فيما بينهم كما كان يتناوب عتبان بن مالك وعمر بن الخطاب على تبادل ما استجد من أخبار وأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ” كنا نكون عند النبي صلى الله عليه وسلم، فنسمع منه الحديث، فإذا قمنا تذاكرناه فيما بيننا حتى نحفظه” (14)

كانوا يعظمون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يحابون به أحدا، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال:” قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  “لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل”  فقال ابن لعبد الله بن عمر لا ندعهن يخرجن فيتخذنه دغلا قال فزبره ابن عمر وقال أقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول لا ندعهن”. (15)

نُعت الصحابة بكثرة ملازمتهم للنبي صلى  الله عليه وسلم وحرصهم على الإفادة منه واهتمامهم بحديثه وتأدبهم معه والوقار بالسمع والانصات في مجلسه ومراجعتهم لأقواله بعد انصرافه، وهذه طرق تفقههم في الدين وتعلمهم والرسول صلى الله  عليه وسلم بين ظهرانهم. وقد برز كثيرمنهم في حفظ الحديث النبوي حتى ناهز بعضهم الآلاف كأبي هريرة وعبد الله بن عمر والسيدة عائشة وغيرهم ، وعرفوا بكثرة روايتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم. فهم عدول في ذلك و اشتهروا بقوة الضبط والذاكرة عند التابعين إلى درجة استذكارهم للحديث  الشريف ولو مر عليه الحول منذ ذكره .

    ب – كتابة الصحابة للحديث الشريف

يتبين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي أخرجه البخاري في صحيحه الذي قال فيه :”ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثا عنه مني إلا ما كان من عبدالله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب”، الكتابة خصها رسول الله صلى الله  عليه وسلم بعض أصحابه و قد نهاهم عن ذلك من قبل عند نزول الوحي لكي لا يختلط عليهم آي القرآن وأقواله ، وكانت الكتابة وسيلة أخرى وإضافة لجمع الحديث فيما بعد عندما خيف ذهاب العلم بموت الصحابة رضوان الله عليهم وتصنيف العلماء كتبهم وتبويبها حتى يسهل فهم الدين والتفقه فيه.

      و”هناك ما ذُكر أن سبب الإذن في كتابته كان خشية النسيان أو عدم فهم المعنى المراد حال السماع “(16)   فقد أخرج الإمام أحمد وغيره من طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده – يعني عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قلتُ يا رسول الله، إنا نسمع منك أحاديث لا نحفظها أفلا نكتبها؟ قال: بلى فاكتبوها (17)

 3 – عناية التابعين بالحديث النبوي الشريف

 حفظ الله أحاديث نبيه صلى الله عليه وسلم في قلوب وعقول الصحابة رضوان الله عليهم وفي السطور بالكتابة سميت بالصحف التي تركوها كمصدر لمصنفات ومسانيد لمن بعدهم ،وزاد العلماء الحديث تنقيحا وتهذيبا حتى إنهم كانوا لا يقبلون الحديث ولا يعدونه صحيحا إلا عن راو عدل أي ثقة غير كاذب ولا فاسق ولا مجهول ولا صاحب بدعة ،وأخذ الحديث بسند متصل إلى الصحابة الكرام، ثم ضابط لألفاظه يستحضره إذا تعين،ولا يكون معلل المتن أو السند أي ليس فيه “علة تقدح في صحته، ولا شاذا يخالف الراوي من هو أوثق منه.

        وشروط مثل هاته تقلل الخطأ وتثبت النقل الصحيح والوعي بجسامة مهمة كتابة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخوف النقل عنه الحديث المكذوب ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتبر فاعله شريكا في جرم الكذب عليه. وزاد البخاري شرط معاصرة الراوي  لمن نقل عنه الحديث خلاف الإمام مسلم الذي اكتفى باللقاء حتى قال عنه جمهور علماء الحديث أن كتاب الجامع الصحيح للبخاري أصح كتاب بعد كتاب الله، ويُراجَع في هذا ما أورده النووي في مقدمة شرحه لمسلم وابن الصلاح في علوم الحديث وابن السبكي والحافظ ابن كثير و ابن حجر في الفتح.

فهو إذن علم اختص به المسلمون عن غيرهم ، وجعلوا لجمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقا تهتم بالنظر في متن الحديث وتمحيص معانيه وعلى أن لا تشوبه شائبة مخالفة العقل والواقع ، كما اهتموا برواة الحديث تعديلا وتجريحا وجعلوهم سندا وسلسلة متصلة إلى الصحابة رضوان الله عليهم ومنهم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إنه جهد كبير يقابله ثناء الأمة عليهم وهوعلم غزير ومنجهية تدل على تفوق كبير في زمانهم لا ينكرها إلا جاحد من أمثال المستشرقين والعلمانيين العرب الذين أصبحوا بدون هوية ، ويتقنون الطعن من طرف خفي على علماء الأمة ومقدساتها. ويبحثون عن ثغرة لإسقاط هيبة العلماء ومن ثم الشرع الحنيف، وأنى لهم ذلك !

  4 – رقي الأمة في اتباع سنة نبيها صلى  الله عليه وسلم

    قديما أنكر بعض علمائنا الأجلاء بعض الأحاديث التي أوردها البخاري في صحيحه، ولكن الحافظ ابن حجر أحصاها ورد عليهم في إجابة علمية من عالم متخصص في علم الحديث على نقد علمي لعالم في هذا الفن، ولا أدق من مراجعة وتصحيح من في مرتبتهم وفي مجالهم ،صحيح أن لا أحد معصوم عن الخطأ من غير الأنبياء، ولكن المتطاولين اليوم على الجامع الصحيح لو تكبدوا عناء البحث في كتب أهل الاختصاص لوجدوا ما يزيل حيرتهم ولوجهوا سهامهم للآثار السلبية التي يخلفها الظلم اليوم ،الوباء الحقيقي الذي ابتليت به الأمة في بلدانها والتي يرزأ تحته عموم الناس ولعملوا على إزاحته ابتداء إن أمكن ذلك وأنى لهم ذلك؟.

     ماذا يضير الحداثيين وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم معطلة في زمن الاستبداد ؟ ، أهي رأس المشاكل التي تعاني منها الشعوب الإسلامية في معاشهم اليومي؟ أم هو صمت العلماء عن اتخاذ الحكام الطغاة أحاديث الطاعة والبيعة لتثبيت عروشهم وسيفا على الرقاب لخضوع العباد؟، وماذا عن أحاديث رسول الله صلى الله  عليه وسلم الخاصة بطاعة ولي الأمر المشروطة بإقامة الدين ؟، وأحاديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأحاديث الشورى والعدل ؟ وغيرها كثير مما استثناه العلماء وحكام هذا الزمان.

      إن عزة الأمة في شرعها وقدوتها في رسولها وصحابته. قال صلى الله عليه وسلم” …فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ” (18) . ما أحوجنا اليوم إلى إبراز جمالية هذا الدين والثناء على جهد من كان لهم الفضل في الحفاظ على تراثنا وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغوها كما سمعوها.


الهوامش

(1) سورة النور – الآية 63

(2)سورة الحجرات- الآية 1

(3) سورة الحجرات – الآية 2

(4) رواه البخاري

(5) الشيخ طه محمد الساكت مقال في شرح الحديث

(6) فتح الباري 128/12

(7) القواعد والضوابط المستخلصة من التحرير .ص124

(8) متفق عليه

(9) سورة النجم – الآية 3

(10) أخرجه أحمد ، وأبو داود وغيرهم

(11) د علي الصلابي

(12) شرح علل الترمذي

(13) كتاب “الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة” للإمام الزركشي

(14) الجامع للخطيب

(15) ) فتح المنعم شرح صحيح مسلم

(16) كتابة الحديث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته وأثرها في حفظ السنة النبوية[أحمد بن معبد عبد الكريم].

(17) أخرجه الإمام أحمد في مسنده  والمستدرك للحاكم وتقييد العلم للخطيب

(18) الشمائل للترمذي 352

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.