منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مصطلح المرجعية ومرجعية المصطلح في الثقافة العربية والإسلامية المعاصرة

د. الطيب رحماني

0

مصطلح المرجعية ومرجعية المصطلح

في الثقافة العربية والإسلامية المعاصرة

بقلم: د. الطيب رحماني

 

من المصطلحات التي باتت تسترعي اهتمام الباحثين في الفكر والأدب في ظل عصر العولمة وضعف الحدود والموانع الحاجزة للمؤثرات الأجنبية مصطلح المرجعية، وفي الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة أصبح المصطلح رائجا باعتبارها وسيلة دفاعية يشهره الغيورون على الخصوصية والهوية ويعملون على ترسيخ مفهومه في الأوساط العلمية خصوصا وفي مختلف المحافل والمناسبات، وهذا يستدعي الوقوف مع المصطلح وتحديده والبحث في جذوره النصية الإسلامية…وتجلياته في المنتج النقدي العربي الإسلام بشكل عام.

تعريف المرجعية:

يقول ابن فارس: “الراء والجيم والعين أصل كبيرٌ مُطرد يدلُّ على رَدّ وتَكْرار، تقول رجَع رجُوعاً إذا عَاد” [1]، وفي القرآن الكريم: «إلى الله مرجعكم جميعا»[2] والمرجع “الرجوع، والمرجِع الأصل، والمرجع أسفل الكتف، والمرجع ما يرجع إليه في علم أو أدب أو كتاب”[3]، أما المرجعية فمصدر صناعي مصوغ للدلالة على “ما يرد ويعاد عليه من أصل ومبدأ كلي جامع يحسم  الخلاف وينهي النزاع”[4].

والمرجعية يمكن أن تتفرع إلى عدة أصول ومصادر تقتبس منها لتتشكل في إطار عام للتفكير والإبداع يغلب أن يكون صلبه ذاتيا محافظا على هوية وخصوصية أصحابه[5]، ولا مانع أن يتعزز هذا الإطار بالانفتاح على فروع أخرى أجنبية في حدود الإفادة مما يعد مشاعا بين الأمم والحضارات.

والمرجعية بهذا المفهوم تشكل الخلفية الفكرية لكل نشاط إنساني ينضبط بحدودها ومتطلباتها، بما في ذلك الإبداع والتفكير، ومنه إنتاج المصطلحات وتداولها واستعمالها نقدها…

مرجعية المصطلح النقدي:

بما أن المصطلح جزء من الإنتاج الفكري الإنساني، فلا يعدم أن يكون نابعا من مرجعية معينة قد تتعدد مصادرها وفروعها، وقد تميل إلى مصدر مخصوص يغطي على غيره من المصادر والفروع…وكل مصطلح يحمل في طياته مؤشرات تحيل على المصدر الذي منه أخِذ، سواء أكان أصيلا في تخصصه العلمي، أم واردا عليه من تخصصات أخرى، وهذه المؤشرات بعضها دلالي وبعضها لفظي، وهي تشكل روابط تشد المصطلح إلى أصوله، وقد أضحت جزءا من اهتمامات علم المصطلح[6]، نظرا  لما يفيده الكشف عنها من توضيح للبنية الدلالية للمصطلح وظروف نشأته وشروط تسميته[7]، وإبراز حجم تأثير الأفكار التي يؤمن بها الواضع ويدافع عنها.

والمصطلح النقدي كغيره من مصطلحات التخصصات الأخرى يحمل شيئا من هذه المؤشرات الدلالية واللفظية المُحِيلة على مرجعيته، وقد تجلى ذلك في نصوص النقد القديم، حيث استعملت ألفاظ اصطلاحية تدل على تأثر النقاد في ذلك العصر بمرجعيات معينة، فعلى سبيل المثال أشار الدكتور الشاهد البوشيخي إلى أن النقد العربي تأثر بثلاثة أصول رئيسية هي الأصل الطبيعي والأصل الصناعي والأصل العلمي حيث أخذت من هذه الأصول مصطلحات دالة عليها كالفحل والخنذيذ والسُّكَّيت…التي تدل على عناصر من الطبيعة البدوية الصحراوية التي كان يعيش فيها الشاعر والناقد العربي القديم…[8]

مفهوم المرجعية الإسلامية:

وردت مادة رجع أو ما يرادفها في القرآن الكريم بمعنى العَوْد والرَّد، وكلاهما يكون إلى جهة عليا تمثل الحَكَم الفيصل الذي يحسم الأمور ويعيدها إلى نصابها، ومن ذلك قوله تعالى :”إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير”[9] وقال أيضا: “فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله وإلى الرسول إن كنتم تومنون بالله واليوم الآخر”[10] “ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم”[11]

ومعاني هذه الآيات تشير إلى تراتبية المراجع التي يُرد إليها الأمر، وفي مقدمتها المصدرين المقدسين (القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة) اللذين لا يجوز معهما تردد، لأنهما وحي من حكيم عليم خبير بما يصلح وما لا يصلح، وقد أطلق عليهما الدكتور القرضاوي مصطلح “المرجعية العليا” حيث قال:”…تحددت المرجعية العليا في الإسلام للمصدرين الإلهيين المعصومين: القرآن والسنة اللذين أمرنا باتباعهما وأن نرد إليهما ما تنازعنا فيه” [12]، ويليهما ما تفرع عنهما من جهود واجتهادات العلماء التي تحتمل الخطأ كما تحتمل الصواب، وآثار مختلفة ناتجة انطلاقا من إعمال العقل والإرادة الصادقة في المصدرين الأولين…وهذه التراتبية تطابق الترتيب الذي خطه علم أصول الفقه لمصادر التشريع في الإسلام، وهي المصادر ذاتها التي تمثل روافد المرجعية الإسلامية، والتي تعتبر بدورها “إطارا جامعا حاضنا يوجه الاهتمامات ووجهات العمل مهما اختلفت فئات وتيارات الأمة”[13]

والمرجعية الإسلامية ـ بهذا المفهوم ـ ينبغي أن تكون ملازمة للإنسان المسلم في كل حركاته وسكناته وذلك باستحضار ما تحيل عليه هذه المرجعية من قيم ومبادئ هي بمثابة الروح للجسد، وقد وسم الدكتور محمد الكتاني هذه القيم بعبارة “القيم المرجعية” لأهميتها [14]، ويظهر تأثيرها في كل إنتاج من انتاجاته مهما كان صغيرا أو كبيرا، وقد كان الرعيل الأول من المسلمين مستشعرا هذا الأمر لأجل ذلك أطلق عليه بعض المفكرين تسميات دالة مثل “جيل التلقي” و”الجيل الفريد” وشهد له بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم [15]، فظهر تأثير المرجعية التي يحملها في ما خلفه من تراث علمي منصبغ بالصبغة الإسلامية الخالصة، يقول الدكتور عزيز أحميد :”..العلوم العربية كلها كانت موجهة بسائق من الدين، ودائرة في فلكه، ومحكومة بمقاصده وغاياته…”[16]، بينما أخذت أفواج الأجيال اللاحقة تبتعد شيئا فشيئا عن هذه المرجعية، إلى أن وجد في العصر الحديث من يسعى إلى محاربتها واستنبات مرجعيات بديلة عنها لا تمت لخصوصيات الأمة بصلة. وهذا يفرض على الأمة إعادة تشكيل وعيها داخل فضاء معرفي يستظل بمرجعيات تجدد باستمرار فهمها للنص الديني، في ظل المستجدات الحياتية المتأثرة بالظروف الزمانية والمكانية”[17]

وقد بدأت تباشير الاحتكام للمرجعية الإسلامية للتجديد والبناء تلوح في الأفق، مع طلائع الصحوة الإسلامية التي غطت مختلف المجالات والتخصصات العلمية والفكرية، وقد كان للنقد ومصطلحه نصيب، فتنادى أدباء ونقاد إلى مأدبة القرآن والسنة الشريفة، وما تفرع عنهما بهدف الانطلاق والتأسيس لأدب ونقد إسلاميين أصيلين، والتركيز على “أهمية المرجعية الإسلامية والتحذير من خطورة المذاهب الفكرية الهدامة…” [18] وقد أفصحت مجهودات كثير منهم عن مصطلحات نقدية ذات حظ وافر من التأثر بلغة القرآن الكريم والحديث الشريف مبنى ومعنى.


[1] –  مقاييس اللغة، أحمد بن فارس/ رجع، ت عبد السلام هارون، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي، القاهرة، ط1، 1366هـ

[2] – المائدة، 107.

[3] – المعجم الوسيط/ رجع، مجمع اللغة العربية، جمهورية مصر العربية، مكتبة الشروق الدولية، 1425هـ/2004م.

[4] – في مفهوم المرجعية واستعمالات الفكر العربي والإسلامي المعاصر، سعيد شبار، دراسات مصطلحية، ع 2، 1423هـ/2002م. ص 86.

[5] – المصدر نفسه، ص نفسها.

[6] –  مصادر المصطلح اللساني العربي الحديث وتأثيرها في توليده، عبد الرزاق بن عمر، ضمن أعمال المؤتمر الدولي الثالث عشر للنقد بجامعة اليرموك، في موضوع المرجعيات في النقد والأدب واللغة، ، 27-29 تموز 2010م، ط1، عالم الكتب الحديث، إربد، الأردن، 1432هـ/ 2011م، ج 1، ص 226.

[7] –  آليات توليد المصطلح وبناء المعاجم اللسانية، خالد اليعبودي، دار ما بعد الحداثة، فاس، ط1، 2006م.ص 27.

[8] – مصطلحات النقد العربي لدى الشعراء الجاهليين والإسلاميين: قضايا ونماذج ونصوص، الشاهد البوشيخي، عالم الكتب الحديث، إربد، الأردن، ط1، 1430هـ/2009م، ص76-77.

[9] –  هود، 4.

[10] –  النساء، 58.

[11] –  النساء، 82.

[12] –  المرجعية العليا في الإسلام للقرآن والسنة، يوسف القرضاوي، مكتبة وهبة، القاهرة (بدون تاريخ)، ص 8.

[13] –  في مفهوم المرجعية واستعمالات الفكر العربي والإسلامي المعاصر، سعيد شبار، دراسات مصطلحية، ع2، ص 87.

[14] –  أنظر كتابه: القيم المرجعية في الإسلام، دار أبي رقراق، الرباط، ط 2، 1431ـ2011.

[15] – أنظر: معالم في المنهج القرآني، طه جابر العلواني، دار السلام، القاهرة، مصر، ط1، 1431هـ/2010م، ص 128.

[16] –  أثر المرجعية الحديثية في المصطلح السيبويهي، دراسات مصطلحية ع 1، 1422هـ/2001م، ص 145.

[17] –  مشكلات الحضارة: مشكلة الثقافة، مالك بن نبي، ترجمة عبد الصبور شاهين، دار الفكر، دمشق، سورية، ط4، 1984، ص 17.

[18] –  قضية المصطلح في النقد الإسلامي الحديث من أجل قراءة منهجية، محمد أمهاوش، أعمال الملتقى الدولي الأول للأدب الإسلامي بوجدة، 1994، ص 77.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.