منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العشر من ذي الحجة انطلاقة لتحرير المساجد المؤممة؛استشرافا لتحرير المسجد الأقصى |  سلسلة خطبة الجمعة

بن سالم باهشام

0

 سلسلة خطبة الجمعة

العشر من ذي الحجة انطلاقة لتحرير المساجد المؤممة

استشرافا لتحرير المسجد الأقصى

بن سالم باهشام
خطيب مسجد أم الربيع بخنيفرة سابقا.

عباد الله، قال تعالى في سورة الجن: ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18]، أي أن المساجد والتي هي بيوت الله، ما شيدت إلا لعبادة الله وحده، فلا تعبدوا فيها غيره، وأخلصوا له الدعاء والعبادة فيها؛ فإن المساجد لم تُبْنَ إلا ليُعبَدَ اللهُ وحده فيها، دون من سواه، وفي هذا وجوب تنزيه المساجد من كل ما يشوب الإخلاص لله، ومتابعة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم. وتعظيم من الله تعالى لبيوته سبحانه وتعالى أنه أضاف المساجد إليه إضافةَ تشريف وتكريم، وأثنى على الذين يسبحون له فيها بالغدو والآصال، ووعدهم بجزيل الثواب يوم الحساب، وعظيم الأجر، قال تعالى في سورة النور: ﴿  فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ، رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ، وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور 36: 38].

عباد الله، إن الله تعالى شهد بالإيمان لمن عمر المساجد بإقام الصلاة فيها، وأكثر من اعتيادها، قال تعالى في سورة التوبة: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ، فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة:18]، وتوعد – سبحانه وتعالى – من عطل المساجد من ذكره، ومنع الناس من دخولها لعبادته فيها، وحاول هدمها وتخريبها، ماديا ومعنويا، قال تعالى في سورة البقرة: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا، أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ، لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:114].

عباد الله، إنه لا شيء أجمل في حياة المسلم؛ من مثل هذا الاجتماع في بيوت الله خمس مرات في اليوم والليلة، يؤدون الصلاة المفروضة في وقتها. وفي مكان واحد، بعد صوت مؤذن واحد، وخلف إمام واحد، متجهين بعبادتهم إلى إله واحد، تجاه قبلة واحدة. إن هذا المشهد الإسلامي العظيم، لدليل على الوحدة والتآلف والمحبة ومحض الإيمان، لأن كل جماعة في مسجد ما؛ تجدها وتسمعها وتراها لا تلهج إلا بذكر الله، تالية لكتابه، مسبحة بقدسه، مكبرة له، محمدلة لوجهه، موحدة له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. وكل هذه الأقوال والأفعال هي من ثمرات الصلاة مع الجماعة في المساجد. ويبقى بعد ذلك أجر الله الكريم، وثوابه العظيم، ويكفي في تحقيق هذا الأجر- إن شاء الله تعالى- قوله جل جلاله في سورة النحل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾ [النحل: 128]، وقوله تعالى من سورة الكهف: ﴿ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ﴾ [الكهف: 30].

عباد الله، إن المكث في المسجد عبادة مهجورة، يغفل عنها كثير من الناس، وتتأكد في الأزمنة الفاضلة؛ لأنها طاعة تقود إلى طاعات، ويحصل بها كثير من الأجور والحسنات. ويزداد ثوابها وأجرها، وتكثر فوائدها في بيئة الغفلة، وفي زمن أممت فيه المساجد، إلى درجة أنها تفتح وتغلق في أوقات محددة، قبل وبعد الصلوات الخمس، ومن فضائل المكث في المسجد، لإحياء هذه السنة المهجورة، والتي ستكون إن شاء الله محفزا لعمارتها في الأوقات التي تفتح، استشرافا لتحريرها، محبة المكث في المسجد وخصوصا بعد الصبح وبعد المغرب إلى العشاء، ووقت فتحها قبل وبعد وقت الظهر والعصر والمغرب، وسيظهر للعبد ثمرة هذا المكث يوم القيامة، إذ من السبعة الذين يظلهم الله تعالى يوم القيامة، يوم لا ظل إلا ظله، رجل قلبه معلق بالمساجد، كما جاء في الصحيحين. عَن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ… وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَسَاجِدِ) [أخرجه البخاري(660)و (1423) و (6479)، ومسلم (1031) (91)]، وفي رواية لمسلم (وَرَجُلٌ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ، إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ)، [صحیح مسلم ،1031]، وما تعلق قلب العبد بالمسجد إلا لحبه إياه، وحبه المكث فيه، ومن أحب المسجد فقد أحب ما يحب الله تعالى؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فيما رواه مسلم : (أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا)،[صحیح مسلم (671)]، كما أن من فوائد المكث في المسجد، أنه يعد في صلاة ما دام صاحبه ينتظر الصلاة، والملائكة تدعو له؛ ودعاء الملائكة مستجاب؛ فإنهم (لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ )[سورة التحريم: آية 6]،  وروى البخاري، ومسلم. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضَي الله عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (المَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ، مَا لَمْ يُحْدِثُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ، لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا الصَّلَاةُ) [أخرجه البخاري (659)، ومسلم (649)].

عباد الله، كما أن من فوائد المكث في المسجد، أنه مكفر للخطايا، كما روى الترمذي  وقال حديث حسن صحيح. في الحديث القدسي في اختصام الملأ، وفيه: (فَقَالَ الله تعالى: « يَا مُحَمَّدُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلأ الْأَعْلَى؟ قُلْتُ: فِي الكَفَّارَاتِ، قَالَ: مَا هُنَّ ؟ قُلْتُ: مَشْيُ الْأَقْدَامِ إِلَى الجَمَاعَاتِ، وَالجُلُوسُ فِي المَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ)[ أخرجه الترمذي (3233) وقال حديث حسن صحيح]. ومن فوائد المكث في المساجد، أن الماكث معدود في الرباط الذي ذكره الله في سورة آل عمران: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [ سورة آل عمران: الآية 200 ]، وفي الحديث الذي رواه مسلم، عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضَي اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ ([صحیح مسلم (251)].

عباد الله، كما أن من فوائد المكث في المسجد، أن فيه تأسيا بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقد كان عليه الصلاة والسلام، يمكث في المسجد بعد الفجر، كما في الحديث الذي رواه مسلم، عن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِي الله عَنْهُ: (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ) وفي رواية: (كَانَ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ أَوِ الْغَدَاةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامَ) [صحیح مسلم (670)]، فالجلوس في المسجد بعد الفجر إلى طلوع الشمس وارتفاعها من سنة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ومن فوائد المكث في المسجد، أنه طارد للهموم والغموم والوساوس، بحيث أن أكثر ما يُصيب العبد منها من تسلط الشيطان عليه، فإذا جلس في المسجد، وجد فيه راحة لا يجدها في غيره؛ إذ يكون متهيئًا لقراءة القرآن، ولصلاة النافلة في الأوقات المباحة، وللتطوع بأنواع الذكر، وكل ذلك مما يريح القلب، ويجلب الطمأنينة والسكينة٢٨].؛ فإن الصلاة راحة المؤمن، وبالذكر يطمئن القلب، قال تعالى في سورة الرعد: ( أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُ الْقُلُوبُ) [سورة الرعد: آية 28].

فيا عباد الله، ابذلوا ما في وسعكم، لإحياء هذه السنة المهجورة في زمن الغفلة، واحرصوا على هذه العبادة وداوموا عليها دون انقطاع، فإن الله يحب من العمل أدومه وإن قلّ، واعلموا أن ما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله، انقطع وانفصل، واستحضروا الفوائد التي ستحظون بها، فإنها عبادة فيها من لذة الإيمان، وطهارة النفس، وتزكيتها، وطمأنينتها ما لا يوصف، ومن جَرَّب عَرَف. إنها لحظات خلوة مع الله في جلوة، وسكون تفيض منه الرحمة والسكينة، فلا تحرموا أنفسكم من هذا الخير، وكونوا من أهل المساجد، عسى أن تكونوا ممن يحبهم الله ويظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

 وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون إلى يوم الدين، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.