دعوات الإمام النووي في مقدمات كتبه
بقلم: يعقوب زروق
مقدمة:
أفتتح الحديث عن الإمام النووي رحمه الله وكتبه بهذه الرؤيا التي رئيت له بعد وفاته ورواها العلماء الأعلام رحمهم الله جميعا. قال العثماني قاضي صفد في ترجمته من «طبقات الشافعية» له: سمعت الخطيب جمال الدين محمود بن جملة، الخطيب بالجامع الأموي يقول بحضرة جماعة من مشايخ العصر: إنه سمع من شخص يخاطبه وهو بين النائم واليقظان: إن الله أفاض على النووي في قبره فيضا، فصرف ذلك الفيض إلى كتبه، فمن ثم شاعت وذاعت[1])
كنت قد كتبت عن الإمام النووي رحمه الله وترجمت له في مقال بعنوان(الإمام النووي العالم الرباني الذي تهابه الملوك) رضي الله عنه تحدثت فيه عن علمه وربانيته وجهاده. وتحدثت بإيجاز عن بعض كتبه، مضمونها وفحواها، وما قيل عنها . وقد أثارني وأنا أطالع بعضها ما دأب عليه رحمه الله في مقدماته من دعاء خاشع لنفسه ووالديه وللقراء والمحبين والمسلمين. فآثرت ان أخصه بمكتوب أتتبع فيه هذه الأدعية راجيا المولى عز وجل أن ينفع بها. فإن الدعاء هو العبادة ومخها. أعرف بالكتاب تعريفا مختصرا وأورد ما قاله هو عن غرضه وقصده من الكتاب وأحيانا منهجه فيه. ثم أذكر ما في مقدمته من دعاء.
والله المستعان.
أولا: كتاب الأذكار:
هذا كتاب خاص بأذكار وأدعية اليوم والليلة جمع فيه رضي الله عنه ما أثر من أذكار وأدعية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن صحابته رضوان الله عليهم وعن الصالحين. يقول رحمه الله مبينا غرضه منه:
” وقد صنف العلماء رضي الله عنهم في عمل اليوم والليلة والدعوات والأذكار كتبا كثيرة معلومة عند العارفين، ولكنها مطولة بالأسانيد والتكرير، فضعفت عنها همم الطالبين، فقصدت تسهيل ذلك على الراغبين، فشرعت في جمع هذا الكتاب مختصرا مقاصد ما ذكرته تقريبا للمعتنين”[2]
ويقول في دعائه في مقدمته:
” والله الكريم أسأل التوفيق والإنابة والإعانة والهداية والصيانة، وتيسير ما أقصده من الخيرات، والدوام على أنواع المكرمات، والجمع بيني وبين أحبابي في دار كرامته وسائر وجوه المسرات. وحسبي الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم، ما شاء الله لا قوة إلا بالله، توكلت على الله، اعتصمت بالله، استعنت بالله، وفوضت أمري إلى الله، واستودعت ديني ونفسي ووالدي وإخواني وأحبائي وسائر من أحسن إلي وجميع المسلمين، وجميع ما أنعم به علي وعليهم من أمور الآخرة والدنيا، فإنه سبحانه إذا استودع شيئا حفظه ونعم الحفيظ.” قلت آمين وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه كما صليت وسلمت وباركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم والحمد لله رب العالمين.
ثانيا: رياض الصالحين:
وهو كتاب تزكية جمع فيه الحديث الصحيح مما يتعلق بأمور التزكية والزلفى إلى الله سبحانه كالإخلاص والتوبة وغيرها.
يقول رحمه الله موضحا موضوع الكتاب وقصده منه:
” فرأيت أن أجمع مختصرا من الأحاديث الصحيحة، مشتملا على ما يكون طريقا لصاحبه إلى الآخرة، ومحصلا لآدابه الباطنة والظاهرة. جامعا للترغيب والترهيب وسائر أنواع آداب السالكين: من أحاديث الزهد ورياضات النفوس، وتهذيب الأخلاق، وطهارات القلوب وعلاجها، وصيانة الجوارح وإزالة اعوجاجها، وغير ذلك من مقاصد العارفين[3]” وهذا دعاؤه في مقدمة كتاب رياض الصالحين:
” وأرجو إن تم هذا الكتاب أن يكون سائقا للمعتني به إلى الخيرات حاجزا له عن أنواع القبائح والمهلكات. وأنا سائل أخا انتفع بشيء منه أن يدعو لي ، ولوالدي، ومشايخي، وسائر أحبابنا، والمسلمين أجمعين. وعلى الله الكريم اعتمادي، وإليه تفويضي واستنادي، وحسبي الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.
قلت: رحم الله الإمام النووي وجزاه عنا خير الجزاء وغفر له ولوالديه ومشايخه وأحبابه والمسلمين أجمعين. وصل اللهم وسلم وانعم وتكرم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.
ثالثا:التبيان في آداب حملة القرآن:
هذا كتاب خص به معلم القرآن ومتعلمه وما يحتاجان إليه من الآداب والأخلاق التي لا يسع صاحب القرآن إلا اتباعها رعاية لما في صدره من كلام الله تعالى.
يقول رحمه الله شارحا ما يريد منه: ” …ورأيت أهل بلدتنا دمشق – حماها الله تعالى وصانها وسائر بلاد الإسلام – مكثرين من الإعتناء بتلاوة القرآن العزيز: تعلما وتعليما، وعرضا ودراسة، في جماعات وفرادى، مجتهدين في ذلك بالليالي والأيام، زادهم الله حرصا عليه، وعلى جميع أنواع الطاعات، مريدين وجه الله ذي الجلال والإكرام، فدعاني ذلك إلى جمع مختصر في آداب حملته، وأوصاف حفاظه وطلبته، فقد أوجب الله سبحانه وتعالى النصح لكتابه، ومن النصيحة له بيان آداب حملته وطلابه، وإرشادهم إليها، وتنبيههم عليها”.[4]
ويقول رحمه الله داعيا:
” وعلى الله الكريم توكلي واعتمادي، وإليه تفويضي واستنادي، وأسأله سلوك سبيل الرشاد، والعصمة من أهل الزيغ والعناد، والدوام على ذلك وغيره من الخير في ازدياد، وأبتهل إليه – سبحانه – أن يوفقني لمرضاته، وأن يجعلني ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته، وأن يهديني بحسن النيات، وييسر لي جميع أنواع الخيرات، ويعينني على أنواع المكرمات، ويديمني على ذلك حتى الممات، وأن يفعل ذلك كله بجيمع أحبابي، وسائر المسلمين والمسلمات، وحسبي الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قلت: آمين يا رب العالمين وصل اللهم وسلم على صاحب الخلق العظيم من كان خلقه القرآن وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.
رابعا: روضة الطالبين وعمدة المفتين:
وهذا كتاب فقه في المذهب الشافعي اختصر فيه ونقح كتاب (شرح الوجيز) للإمام أبي القاسم الرافعي .
يقول النووي رحمه الله مبينا عمله في هذا الكتاب : ” فألهمني الله سبحانه – وله الحمد – أن أختصره في قليل من المجلدات، فشرعت فيه قاصدا تسهيل الطريق إلى الانتفاع به لأولي الرغبات، أسلك فيه – إن شاء الله – طريقة متوسطة بين المبالغة في الاختصار والإيضاح” .[5]
ويقول داعيا في المقدمة:
واستمدادي المعونة والهداية والتوفيق والصيانة في جميع أموري من رب الأرضين والسماوات. أسأله التوفيق لحسن النيات، والإعانة على جميع أنواع الطاعات. وتيسيرها والهداية لها دائما في ازدياد حتى الممات. وأن يفعل ذلك بوالدي ومشايخي وأقربائي وإخواني وسائر من أحبه ويحبني فيه وجميع المسلمين والمسلمات، وأن يجود علينا برضاه ومحبته ودوام طاعته وغير ذلك من وجوه المسرات وأن لا ينزع منا ما وهبه لنا ومن به علينا من الموهوبات، وأن ينفعنا أجمعين، وكل من يقرأ هذا الكتاب به، وأن يجزل لنا العطيات، وأن يطهر قلوبنا وجوارحنا من جميع المخالفات، وأن يرزقنا التفويض إليه والاعتماد عليه والإعراض عما سواه في جميع اللحظات.
اعتصمت بالله، توكلت على الله، ما شاء الله، لا حول ولا قوة إلا بالله. وحسبي الله ونعم الوكيل، وله الحمد والنعمة، وبه التوفيق والعصمة.
خامسا: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج.
هذا الكتاب هو شرح لصحيح مسلم رحمه الله.
يقول رحمه الله: “وأما صحيح مسلم رحمه الله فقد استخرت الله تعالى الكريم الرؤوف الرحيم فى جمع كتاب شرحه متوسط بين المختصرات والمبسوطات لا من المختصرات المخلات ولا من المطولات المملات”.[6]
ويقول في دعائه في مقدمته:
” وأنا مستمد المعونة والصيانة واللطف والرعاية من الله الكريم رب الارضين والسموات مبتهلا إليه سبحانه وتعالى ان يوفقنى ووالدى ومشايخى وسائر اقاربى واحبابى ومن احسن الينا بحسن النيات وان ييسر لنا الطاعات وان يهدينا لها دائما فى ازدياد حتى الممات وان يجود علينا برضاه ومحبته ودوام طاعته والجمع بيننا فى دار كرامته وغير ذلك من انواع المسرات وان ينفعنا اجمعين ومن يقرأ فى هذا الكتاب به وان يجزل لنا المثوبات وان لا ينزع منا ما وهبه لنا ومن به علينا من الخيرات وان لا يجعل شيئا من ذلك فتنة لنا وان يعيذنا من كل شيء من المخالفات انه مجيب الدعوات جزيل العطيات اعتصمت بالله توكلت على الله ما شاء الله لا قوة الا بالله لا حول ولا قوة الا بالله وحسبى الله ونعم الوكيل وله الحمد والفضل والمنة والنعمة وبه التوفيق واللطف والهداية والعصمة.
قلت: آمين يا رب العالمين وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وجزى الله أسيادنا المحدثين بما حفظوا لنا سنته وأظهروا لنا حجته ونفعوا بذلك أمته.
سادسا: بستان العارفين.
هذا كتاب في الرقائق والزهد والتزكية تحدث فيه عن أعمال الظاهر والباكن وعن الأولياء وكراماتهم.
يقول رحمه الله مبرزة قصده ومنهجه فيه : “وها أنا شارع في جمع كتاب يكون مبينا لسلوك الطريق التي قدمت وسبيلا إلى التخلق بالأخلاق الجميلة التي وصفت، أذكر فيه إن شاء الله تعالى جملا من نفائس اللطائف وحقائق المعارف…وأذكر فيه إن شاء الله تعالى من الآيات الكريمات والأحاديث النبويات وأقاويل السلف المنيرات، ومستجاد لمأثور عن الأخيار من عيون الحكايات والأشعار المستحسنة الزهديات”.[7]
ويقول داعيا: “وأسأل الله الكريم توفيقي لحسن النيات والاعانة على جميع أنواع الطاعات وتيسيرها والهداية لها دائما في ازدياد حتى الممات، وأسأله ذلك لجميع من أحبه ويحبني لله تعالى وسائر المسلمين والمسلمات وأن يجمع بيننا وبينهم في دار كرامته بأعلى المقامات وأن يرزقنا رضاه، وسائر وجوه الخيرات، اعتصمت بالله، استعنت بالله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، حسبنا الله ونعم الوكيل، اللهم إني أسألك بكل وسيلة، وأتشفع إليك بكل شفيع أن تنفعني وأحبابي والمسلمين أجمعين، بهذا الكتاب نفعا عاما بليغا، يا من لا يعجزه شيء، ولا يتعاظمه أمر وهذا حين شروعي في مقصود الكتاب.”
قلت: آمين يارب العالمين وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
سابعا: المجموع شرح المهذب:
وهو من أهم كتب الفقه الشافعي، وهو شرح لكتاب المهذب لأبي إسحاق الشيرازي، (476 هـ) وهذا كتاب جليل القدر، اعتنى به فقهاء الشافعية.
يقول رحمه الله مبرزا عمله في المجموع: ” … وأما المهذب فاستخرت الله الكريم الرؤوف الرحيم في جمع كتاب في شرحه سميته بالمجموع والله الكريم أسأل أن يجعل نفعي وسائر المسلمين به من الدائم غير الممنوع، أذكر فيه إن شاء الله تعالى جملا من علومه الزاهرات، وأبين فيه أنواعا من فنونه المتعددات فمنها تفسير الآيات الكريمات، والأحاديث النبويات، والآثار الموقوفات، والفتاوى المقطوعات، والأشعار الاستشهاديات، والأحكام الاعتقاديات والفروعيات[8]…”.
ويقول داعيا:
” واستمدادي في كل ذلك وغيره اللطف والمعونة من الله الكريم الرؤوف الرحيم وعليه اعتمادي وإليه تفويضي واستنادي: أسأله سلوك سبيل الرشاد. والعصمة من أحوال أهل الزيغ والعناد. والدوام على جميع أنواع الخير في ازدياد. والتوفيق في الأقوال والأفعال للصواب. والجري على آثار ذوي البصائر والألباب. وأن يفعل ذلك بوالدينا ومشايخنا وجميع من نحبه ويحبنا وسائر المسلمين إنه الواسع الوهاب. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه متاب. حسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.
قلت: آمين يارب العالمين وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه كما صليت وسلمت وباركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم والحمد لله رب العالمين.
الهوامش:
[1] – بدر الدين أبو الفضل محمد بن أبي بكر الأسدي (798 – 874 هـ) . بداية المحتاج في شرح المنهاج. دار المنهاج للنشر والتوزيع، جدة – المملكة العربية السعودية. الطبعة: الأولى، 1432 هـ .ج 1. ص 44
[2] – أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت 672هـ). الأذكار. تحقيق: عبد القادر الأرنؤوط .. دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان. طبعة 1414 هـ . ص 3
[3] – النووي . رياض الصالحين. تعليق وتحقيق: الدكتور ماهر ياسين الفحل . دار ابن كثير للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق – بيروت الطبعة: الأولى، 1428 هـ . ص 6. و 7
[4] – النووي .التبيان في آداب حملة القرآن. حققه وعلق عليه: محمد الحجار. الطبعة: الثالثة 1414 هـ . دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع – بيروت – لبنان.
[5] – النووي. روضة الطالبين وعمدة المفتين. تحقيق: زهير الشاويش. المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان. الطبعة: الثالثة، 1412هـ . ج 1 . ص 5
[6] – النووي . المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج. دار إحياء التراث العربي – بيروت الطبعة: الثانية، 1392
[7] – النووي. بستان العارفين. دار الريان للتراث. ص 5
[8] – المجموع شرح المهذب. ج 1. ص2