منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سنة الأضحية: أحكام وآداب.

سنة الأضحية: أحكام وآداب./ محمد فاضيلي

0

سنة الأضحية: أحكام وآداب.
بقلم: محمد فاضيلي

الْخُطْبَةُ الأُولَى

الحمد لله معز من أطاعه واتقاه، وفق من شاء من عباده لما يحب ويرضاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر المسلم في العيد بالأضحية تقربا لطاعته ورضاه، وحذره من الوقوع ضحية المعاصي ونهاه، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ومصطفاه، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى أن نلقاه.

أحبتي في الله، أيها الشباب الكريم، أخواتي الفاضلات، أحييكم بتحية الإسلام: وتحية الاسلام، سلام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وطبتم وطاب سعيكم وممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلا، وأسأل الله الحليم الكريم جل وعلا، الذي جمعنا في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الاخرة مع سيد الدعاة المصطفى ﷺ في جنته ودار مقامته. إنه ولي ذلك ومولاه.

والله، إني أحبكم في الله، وأسأل الله جل جلاله أن يجمعنا بهذا الحب في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، اللهم اجعل عملنا كله صالحا، واجعله لوجهك خالصا، ولا تجعل فيه لأحد غيرك شيئا. اللهم انفعني واخوتي الحاضرين بما يجري على لساني من كلام.

أَمَّا بَعْدُ: أيُّها المسلمون: أنتم في شهر ذي القعدة، ثم يليه شهر ذي الحجَّة، وهو أعظم الأشهر حرمة عند الله تعالى، فيه العشرة الأيَّام الأولى قبل عيد الأضحى، التي هي أفضل أيَّام العام، والعمل الصالح فيها أعظم أجرًا ممَّا سواها، واليومان التاسع والعاشر يومان عظيمان، بل هما أعظم الأيام عند الله -عزَّ وجل-، فالتاسع هو يوم عرفة وهو يوم القر، والعاشر يوم عيد الأضحى وهو يوم الحج الأكبر.
فقد روى الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما بسند صحيح من حديث عَبْد اللَّه بْن قرط الْأَزْدِيّ الثمالي عن النبيِّ -ﷺ- قال: “إنَّ أعظمَ الأيَّامِ عندَ اللَّهِ تبارَكَ وتعالَى يومُ النَّحرِ ثمَّ يومُ القُرِّ1 “2 .

والحديث عن عظمة هذين اليومين وما فيهما من البركات يطول جدًّا، ولا يتَّسع له هذا المقام، ويوم النحر يتضمن منسكين عظيمين، صلاة العيد والأضحية. ولكن سأتكلَّم اليوم عن منسك يتعلق بيوم النحر. والباقي للجمعة المقبلة ان شاء الله تعالى.

فالأضحية هي شاةٌ يُتقرَّب بذبحها إلى الله تعالى بعد صلاة العيد، وهي سُنّة مؤكدة لمن يمتلك القدرة المالية عليها، أي من يملك ثمنها. فالأضحية عبادة مُستحبّة لكنها غير واجبة. ومع ذلك، يجب أنْ تجتمع مجموعة شروط في المسلم حتى تصبح الأضحية سُنّة مؤكدّة عليه. ومن بينها:

استحضار النية عند شراء الأضحية، ومما يؤسف عليه أن بعض الناس لا يستحضرون ذلك فتختلف نياتهم وقد تفسد أو تبطل، لقوله -ﷺ-: (إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكل أمرئ ما نوى ..) . فالأعمال صالحة أو فاسدة أو مقبولة أو مردودة بالنيات، والنية لابد أن تصحح في جميع العبادات ومنها عبادة الذبح والنحر.

ومن هذه الأخطاء التي لابد أن تصحح:

أولا: الاكثار من التذمر والتسخط بقولهم بأن كبش العيد كلفنا الكثير، ولم يعلم أن هذه الأضحية هي لله، فلو كانت لمصلحة دنيوية لتكلف فيها الكثير وبذل فيها الغالي والنفيس، وفرح بذلك، ولم يدر هذا المسكين أن الله غني عن العالمين، بل هذه الأضحية هي لزيادة إيمانه وتقواه ودخول الجنة برحمة مولاه، قال تعالى: (لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ۗ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ)4 .

ثانيا: يقولون نريد أن نفرح بها الأولاد، فهذه النية كذلك لا تصح فلابد من أن تنوي أولا بها وجه الله تعالى ثم يأتي الفرح مقترنا دون إشراك، فهم سيفرحون لا محالة، فلينتبه للألفاظ فالأضحية تكون لله تعالى.

ثالثا: يتركون شراء الأضحية خوفا من الناس، فيترك شراء الأقل من أجل ألا يسخر منه الناس، فالله -عز وجل- لا يكلف نفسا إلا وسعها، فأنت تستطيع شراء أضحية على قدر استطاعتك. المهم تكون نيتك دائما لله خالصة قال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وبذلك أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)5.

رابعا: شراء الأضحية للمباهات والمفاخرة على الآخرين رياء وسمعة، فقد جاء في الحديث أن رسول الله -ﷺ- قال: (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر)، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: (الرياء، يقول الله عز وجل لهم يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء)6 ، فشراء الأضحية عمل وعبادة لا يجوز لك أن تتباها بها أو تفتخر بها على الناس وترائي بها.

خامسا: الأضحية عبادة وليست عادة، بعض الناس يعتقد أن الأضحية عادة من العادات وجد عليها الآباء والأجداد، يذبحون وينحرون فأصبح مثلهم دون استحضار نية أنها عبادة وأنها سنة أبينا إبراهيم -عليه السلام، وفعلها النبي -ﷺ- وهي من شرائع الإسلام، فقد جاء عن انس بن مالك -رضي الله عنه- قال: (ضحى النبي -ﷺ- بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما)7 .

أسأل الله لي ولكم الفِقْه في الدين، والتمسُّك بالكتاب المبين، والاقتِداء بسيِّد المرسلين، والسير على نهج أسلافنا الصَّالحين. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهَ وَتُوبُوا إِلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

أمَّا بَعْدُ: فاتقوا الله تعالى عباد الله، وعظموا شعائره، فإن ذلك من تقوى القلوب.

يجب أن تكون الأضحية من بهيمة الأنعام خاصة: وهي الثني من الإبل والبقر والمعز، والجذع من الضأن. فمن الإبل ما تم له خمس سنين، ومن البقر ما تم له سنتان، ومن المعز ما تم له سنة، ومن الضأن ما تم له نصف سنة.
ويجب أن تكون سالمة من العيوب الظاهرة البيّنة، وهي المذكورة في حديث رسول الله -ﷺ-: (العَرجاءُ البَيِّنُ ظَلَعُها8، والعَوراءُ البَيِّنُ عَوَرُها9، والمَريضةُ البَيِّنُ مَرضُها10، والعَجفاءُ التي لا تُنقي11)12 .

واعلموا رحمني الله وإياكم أن الإبل والبقر فالواحدة عن سبعة، أمَّا الغنم فالشَّاة عن مضحٍّ واحد، ويضحِّي الرَّجُل بالشَّاة الواحدة عنه وعن أهل بيته وإن كثر عددُهم، وإن تفاوتتْ درجة قرابتهم. يقول أبو أيّوب رضِي الله تعالى عنه-: “إنَّ الرَّجل كان يضحِّي بالشَّاة عنْه وعن أهل بيْته في عهد النَّبيِّ -ﷺ-“.
ويحرم على المضحي أن يبيع شيئا من أُضْحِيَته من لحم أو شحم أو دهن أو جلد أو غيره؛ لأنها مال أخرجه لله فلا يجوز الرجوع فيه كالصدقة، ولا يعطي الجزار شيئا منها في مقابلة أجرته أو بعضها؛ لأن ذلك بمعنى البيع، إلا إذا أعطاه من باب الهدية.

فاحرص أخي المضحي عند شرائك للأضحية أن تكون طيبةً سليمة، تجتمع فيها الصفات المستحبة، ويحرص على اختيار أكمل الأضاحي؛ لأن ذلك من تعظيم شعائر الله، وعملٌ سيجد المسلمُ أجره عند الله يوم القيامة، فليُكتب في صحيفة أعمالك أنك اخترت الطيب الحسن.

فاللهم صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَارْضَ اللهم عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابِةِ الأَكْرَمِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
اللَّهُمَّ إنَّا نسأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الإِنَابَةَ إليكَ وَالْوَجَلَ مِنْكَ، وَالرَّجَاءَ لَكَ، وَالثِّقَةَ بِكَ، وَالتَّوَكُّلَ عَلَيْكَ، وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ، وَالدُّعَاءَ الْمُسْتَجَابَ، اللَّهُمَّ لاَ تَدَعْ لَنَا ذَنْبًا إِلاَّ غَفَرْتَهُ، وَلاَ هَمًّا إِلاَّ فَرَّجْتَهُ، ولاَ دَيْنًا إلاَّ قضيْتَهُ، وَلاَ مريضًا إلاَّ شفيْتَهُ، وَلاَ حَاجَةً في رضاك إِلاَّ قَضَيْتَهَا ويسَّرْتَهَا يَا ربَّ العالمينَ.
اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأَلُكَ الْمَغْفِرَةَ والثَّوَابَ لِمَنْ بَنَى هَذَا الْمَسْجِدَ وَلِوَالِدَيْهِ، وَلِكُلِّ مَنْ عَمِلَ فِيهِ صَالِحًا وَإِحْسَانًا، وَاغْفِرِ اللَّهُمَّ لِكُلِّ مَنْ بَنَى لَكَ مَسْجِدًا يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُكَ.. اللهم أنقذ المسجد الاقصى من الصهاينة المعتدين.

أحبتي في الله! هذا وما كان من توفيق فمن الله جل وعلا، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه…

وصل اللهم وسلَّم على نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

——————————————————————
1-سُمِّي بذلك؛ لأنَّ الحَجيجَ يَقِرُّونَ فيه بمِنًى بعدَما أدَّوْا أعمالَهُمْ، وليس لهم أنْ يُغادِروا مِنًى في هذا اليومِ.
2-صحيح أبي داود. الصفحة أو الرقم: 1765.
3-«إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»، (أخرجه الشيخان) «البخاري ومسلم».
4-الحج 35.
5-الأنعام 165-164.
6-أخرجه أحمد (23630) واللفظ له، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (6831)، والبغوي في ((شرح السنة)) (4135).
7-أخرجه البخاري (5565)، ومسلم (1966.
8-العرجاءُ البيّن ظلعُها، وهي التي لا تستطيع معانقة السليمة في الممشى، فإن كان فيها عرج يسير لا يمنعها من معانقة السليمة أجزأت.
9-العوراءُ البيّنُ عورُها، وهي التي انخسفت عينها أو برزت، فإن كانت لا تبصر بعينها ولكن عورها غير بيّن أجزأت.
10-المريضةُ البيّنُ مرضُها، وهي التي ظهر عليه آثار المرض مثل الحمى التي تقعدها عن المرعى، ومثل الجرب الظاهر المفسد للحمها أو المؤثر في صحتها، ونحو ذلك مما يعده الناس مرضا بينا.
11-الكسيرةُ أو العجفاء (يعنى الهزيلة) التي لا تُنقي، أي ليس فيها مخ، فإن كانت هزيلة فيها مخ أو كسيرة فيها مخ أجزأت إلا أن يكون فيها عرج بين.
12-أخرجه الترمذي (1497)، والنسائي (4371)، وأحمد (18675) واللفظ له.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.