نضال ومقاومة علماء المالكية بتونس وإفريقيا الغربية ضد الانحراف السياسي والاجتماعي والديني
محمد أبو يوسف باكريم
نضال و مقاومة علماء المالكية بتونس وإفريقيا الغربية
ضد الانحراف السياسي والاجتماعي والديني
إعداد: محمد أبو يوسف باكريم
مقدمة: الإطار الإشكالي والمنهجي.
شهد التاريخ الإسلامي في شمال إفريقيا وجنوب الصحراء تلازماً وثيقاً بين وظيفة العلم الشرعي ووظيفة التغيير الاجتماعي والسياسي. ولم يكن “العالِم” في هذه الربوع مجرد حليس للمحراب أو مفسر للمتون، بل كان صمام أمان مجتمعي، وجدار صدٍّ أمام انحرافات السلطة السياسية وتجاوزاتها، وأمام مظاهر التحلل الاجتماعي والديني.
تتبدى إشكالية هذا البحث في تتبع الأدوار النضالية لعلماء القيروان (تونس) باعتبارها الحاضرة الأم، وامتداداتها الفكرية والحركية في بلاد الشنقيط (موريتانيا) والسودان الغربي (مالي والسنغال). كيف واجه هؤلاء العلماء تغوّل السلطة وانحرافاتها العقائدية والسياسية؟ وما هي الأدوات المنهجية (الفتوى، القضاء، المقاطعة، الثورة المسلحة) التي استُخدمت لإعادة التوازن الاجتماعي والديني؟
يعتمد هذا البحث على المنهج التاريخي الاستردادي لتتبع الأحداث، مصحوباً بالمنهج التحليلي النقدي لنصوص الفتاوى والوثائق التاريخية المقارنة، لإثبات فرضية مفادها: أن الفقه المالكي في هذه الأقاليم كان فقهًا حركيًا إصلاحيًا ولم يكن فقهًا تبريريًا تخديريًا.
المحور الأول: مدرسة القيروان ونقد السلطة .
تعتبر القيروان منذ تأسيسها على يد عقبة بن نافع سنة 50 هـ، معقلاً من معاقل أهل السنة والجماعة، وقد تميز علماؤها بمسافة نقدية واضحة من السلطة الحاكمة، خاصة في الفترات التي شهدت انحرافاً عن الأصول الشرعية أو جوراً مالياً واجتماعياً.
1. الإمام سحنون بن سعيد والصلابة ضد الجور الأغلبي .
أقامت الدولة الأغلبية (184 – 296 هـ) حكماً وراثياً شابته في بعض الفترات مظاهر من الجور والظلم المالي والمصادرات. وهنا برز الإمام سحنون بن سعيد (ت 240 هـ) صاحب “المدونة” كرمز للمقاومة السلمية والانتقاد العلني. عندما عُرض عليه قضاء القيروان، اشترط شروطاً صارمة تضمن استقلالية القضاء تماماً عن الأمير الأغلبي، ومنها عدم التدخل في الأحكام وتنفيذ الحق على أقارب الأمير وحاشيته [1].
وقد سجلت المصادر التاريخية مواقفه في منع الأمراء من بسط أيديهم على أموال الأوقاف والبيت العام، ومقاومته لبدعة “خلق القرآن” التي حاول بعض أمراء الأغالبة المتأثرين بالمعتزلة فرضها، مما جعل من جامع القيروان حصناً لحرية الفكر ومقاومة الإملاءات السياسية الفوقية [2].
2. المواجهة الكبرى: علماء المالكية في مواجهة الدولة الفاطمية (العبيدية).
مثّل الدخول الفاطمي (الشيعي الإسماعيلي) إلى إفريقية (تونس) سنة 296 هـ الصدمة الأكبر للبنية الدينية والاجتماعية في القيروان. واجه علماء المالكية انحرافاً عقائدياً وسياسياً مركباً، حيث حاولت السلطة الجديدة فرض مذهبها بالحديد والنار، وسبَّ الصحابة علناً على المنابر، وتغيير أحكام المواريث والعبادات [3].
انتقل العلماء هنا من النقد الشفهي إلى المقاومة المدنية الصارمة عبر آليتين:
المقاطعة الشاملة (العزل الاجتماعي): أفتى علماء القيروان بحرمة الصلاة خلف أئمة الفاطميين، وحرمة تولّي الوظائف لديهم، بل وحرمة دفع الضرائب والمكوس لهم لأنها سلطة “غير شرعية”، وسجلت المصادر التاريخية أن دكاكين علماء القيروان كانت تغلق احتجاجاً على مرور مواكب الخلافة الفاطمية ترفعاً عن مداهنتهم [4].
المقاومة المسلحة والمواجهة: تجلت الذروة في فتوى ومشاركة الإمام أبي بكر بن خيرات، والشيخ أبو الفضل مَشال، والفقيه أبو العرب بن تميم في حركة “أبي يزيد مخلد بن كيداد” سنة 332 هـ ضد الخليفة الفاطمي القائم بأمر الله. ورغم الخلاف العقدي بين المالكية وأبي يزيد (الذي كان خارجياً إباضياً)، إلا أن علماء القيروان اعتبروا دفع الظلم الفاطمي والانحراف العقدي أولى الواجبات، فخرج الفقهاء بأسلحتهم ومصاحفهم، واستشهد في المعارك الكبرى خيرة علماء القيروان [5].
هذا النضال القيرواني المستميت أدى في النهاية إلى الحفاظ على الهوية السنية لبلاد المغرب العربي، وهيأ الأرضية لاحقاً لثورة المعز بن باديس الصنهاجي (440 هـ) الذي أعلن قطيعة تامة مع الفاطميين والعودة للخلافة العباسية بضغط وتوجيه مباشر من فقهاء القيروان بقيادة الإمام أبي عمران الفاسي [6].
المحور الثاني: علماء شنقيط (موريتانيا) وحراسة الهوية .
انتقلت الروح الإصلاحية لمدرسة القيروان عبر المحاور التجارية والدعوية جنوباً، لتستقر في روع المجتمع الشنقيطي. وقد تميز المجال الموريتاني قديماً بغياب سلطة مركزية موحدة، مما خلق بيئة ساد فيها ما يُعرف في الأدبيات التاريخية بـ”البلاد السائبة”، حيث تحكمت القبائل المسلحة (المغافرة أو بني حسان) في مقدرات المجتمع، ونشأ انحراف سياسي واجتماعي تمثل في فرض الإتاوات والجور على الضعفاء (الزوايا واللحمة). وهنا برز دور العلماء كقادة للتغيير وبناة لمؤسسات بديلة للسلطة الغائبة أو المنحرفة.
1. حركة الإمام ناصر الدين وثورة “شرببه”1674-1677م
تمثل حركة “شرببه” التي قادها الفقيه المصلح أوبك بن أبهم (المعروف بالإمام ناصر الدين) الذروة النضالية لعلماء الشنقيط ضد الانحراف السياسي والاجتماعي. انطلقت الحركة من تشخيص دقيق للواقع: السلطة الحسانية تمارس الجور والنهب، والشرع معطل، والعدل الاجتماعي مفقود.
أعلن الإمام ناصر الدين إقامة نظام سياسي شرعي (إمامة) يهدف إلى رفع الظلم الاجتماعي وإلغاء الغرامات غير الشرعية عن الفلاحين والفقراء، وتأمين الطرق التجارية ومكافحة السلب والنهب، وإصلاح المنظومة السلوكية والدينية للمجتمع. وقد خاض حرباً مريرة دامت ثلاث سنوات ضد إمارات بني حسان المسلحة، ورغم استشهاده وانكسار الحركة عسكرياً، إلا أنها أحدثت تحولاً بنيوياً في المجتمع الموريتاني؛ حيث رسخت مكانة “العالِم” كمرجعية عليا قادرة على تحدي السلطة الجائرة [7].
2. الفتاوى الشنقيطية في مواجهة “السيبة” والانحراف الاجتماعي .
تواصل النضال العلمي الشنقيطي عبر القرنين الثامن عشر والتاسع عشر من خلال ترسانة من الفتاوى والرسائل الفقهية التي واجهت الانحرافات السياسية والاجتماعية. برز في هذا الصدد علماء أفذاذ مثل الشيخ سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم والشيخ محمد مامي، والشيخ سيدي المختار الكنتي.
ركزت جهودهم على نقد “البلاد السائبة” ومحاولة ابتكار منصب “الإمام الشرعي” المقيد بالشورى لإنهاء الفوضى الاستبدادية للقبائل المحاربة. كما حاربوا بضراوة النزعات العصبية والطبقية مؤكدين على وحدة الأمة الإسلامية والمساواة الشرعية، ومحرمين الأموال التي تؤخذ بالقوة تحت مسميات “الغفر” أو “المغرم” الفوقية [8].
المحور الثالث: علماء السودان الغربي (مالي والسنغال) وإصلاح الحكم .
إذا كانت الحواضر الشنقيطية قد مثلت الجسر الفكري، فإن بلاد السودان الغربي (إمبراطوريات مالي وسنغاي وحواضر السنغال) كانت الميدان الأرحب لتطبيق النظريات الإصلاحية، حيث اصطدم العلماء مباشرة مع سلاطين يخلطون بين الأحكام الشرعية والموروثات الوثنية أو الاستبداد السياسي.
1. مدرسة تمبكتو (مالي) ومواجهة انحراف السلاطين.
تحولت مدينة تمبكتو في ظل إمبراطورية سنغاي إلى عاصمة علمية كبرى، وتميز علماؤها (وخاصة أسرة “آقيت” الصنهاجية) بصلابة نادرة أمام الحكام. يتجلى ذلك في الصدام التاريخي بين الفقيه القاضي محمود بن عمر (ت 955 هـ) والسلطان الأسكيا الحاج محمد وأخلافه، حيث كان القاضي يرفض الرضوخ لأوامر السلطان، ويطلق سراح المعتقلين سياسياً إذا لم تثبت إدانتهم شرعاً، متكئاً على هيبة العلم والالتفاف الشعبي حوله [9].
كذلك وقف الشيخ أحمد بابا التمبكتي (ت 1036 هـ) بقلمه ولسانه ضد استرقاق المسلمين في تلك الحروب الأهلية التوسعية، وصنف رسالته الشهيرة “معراج الصعود” لتفكيك الممارسات السياسية والاجتماعية المنحرفة التي تشرعن الاستعباد الجائر بدافع الطمع المالي للسلاطين وعمالهم [10].
2. الحركات التجديدية في السنغال وفوتاتورو: نقد السلطة والعمالة للاستعمار
شهد المجال السنغالي (وخاصة مناطق الفوتا وجولوف) في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تحولاً جذرياً بقيادة الفقهاء الإيجابيين، حيث كان الحكام التقليديون يمارسون تجارة الرقيق مع الأوروبيين ويفرضون ضرائب باهظة على الرعايا.
حركة التورودو الإصلاحية (1776م):
قاد الفقيه سليمان بال، ومن بعده عبد القادر كان، ثورة عارمة في الفوتا (شمال السنغال) أطاحت بحكم سلالة دنيانك المستبدة. أسس العلماء “إمامة الفوتا” كأول جمهورية إسلامية دستورية في المنطقة، وكان من أول قراراتها منع تجارة الرقيق تماماً، وتحريم نهب القرى، وفرض التعليم الإلزامي [11].
الحاج عمر الفوتي (ت 1864م):
يمثل الذروة في التلاحم بين العلم والعمل. تلقى علومه في الفوتا والأزهر والحجاز، وعاد برؤية إصلاحية شاملة. وجه نقداً لاذعاً للحكام المسلمين المهادنين للتغلغل الاستعماري الفرنسي والمنحرفين عن جادة الشريعة، وأسس دولة إصلاحية كبرى امتدت من السنغال إلى مالي، معتبراً أن إصلاح الداخل واقتلاع الفساد السياسي والاجتماعي هو الشرط الأساسي لمواجهة الهجمة الخارجية [12].
المحور الرابع: الأبعاد المنهجية والاجتماعية للمقاومة العلمية .
من خلال استقراء المسارات التاريخية من القيروان إلى تمبكتو، يمكن استخلاص نظرية متكاملة لـ”فقه المقاومة والاحتساب” عند علماء هذه الربوع، وتتلخص أبعادها في الآتي:
الاستقلالية المالية والاقتصادية:
اعتمد العلماء على التجارة الذاتية أو على نظام الأوقاف المستقلة، ترفعاً عن أموال السلطان المنحرف وحفاظاً على جرأة الفتوى والقضاء .
التدرج في وسائل الاحتساب:
تبدأ المنهجية بالنصيحة والوعظ، وتمر بالمقاطعة المدنية، وتصل إلى الثورة والعمل المسلح كخيار ضروري عند تعطيل أركان الدين كلياً .
العمق الاجتماعي:
تحوّل العلم إلى مظلة كبرى لحماية الرعايا والضعفاء من المكوس الجائرة والاستعباد غير الشرعي .
خاتمة البحث:
يمتلك الفقه المالكي في إفريقيا حيوية حركية وإصلاحية عالية دحضت دعاوى جموده.
وجود ترابط عضوي وسَفر للمناهج التغييرية من القيروان إلى الشنقيط والسودان الغربي.
تمثيل العلماء للقوة التوازنية العادلة الساهرة على الأمن الاجتماعي والديني في غياب أو انحراف الدولة.
المصادر والمراجع
[1] المالكي، أبو بكر عبد الله بن محمد. رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية. تحقيق بشير البكوش. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1994م، ج 1، ص 285.
[2] القاضي عياض بن موسى السبتي. ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك. تحقيق سعيد أحمد أعراب. الرباط: مطبوعات وزارة الأوقاف المغربية، 1983م، ج 4، ص 62-64.
[3] الدباغ، عبد الرحمن بن محمد. معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان. تونس: المكتبة العتيقة، 1968م، ج 2، ص 110.
[4] ابن عذاري المراكشي. البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب. بيروت: دار الثقافة، 1983م، ج 1، ص 156.
[5] ابن خلدون، عبد الرحمن. تاريخ ابن خلدون (كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر). بيروت: دار الفكر، 2000م، ج 4، ص 44.
[6] السلاوي، أحمد بن خالد. الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى. الدار البيضاء: دار الكتاب، 1997م، ج 1، ص 212.
[7] ولد السعد، محمد المختار. حركة الإمام ناصر الدين (شرببه): سياقها التاريخي وأبعادها الفكرية والاجتماعية. نواكشوط: دار الأمان، 2005م، ص 88-92.
[8] سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم الشنقيطي. نشر البنود على مراقي السعود. المغرب: مطبعة فضالة، د.ت، ج 2، ص 145.
[9] البرتلي، الطالب محمد بن أبي بكر. فتح الشكور في معرفة أعيان علماء التكرور. تحقيق محمد إبراهيم الكتاني. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1981م، ص 54-56.
[10] أحمد بابا التمبكتي. معراج الصعود إلى نيل حكم مجلوب السود. تحقيق محمد ناصر الدين. الرباط: منشورات معهد الدراسات الإفريقية، 2000م، ص 32-35.