الروح بين الخلق والأمر: قراءة وجودية في المفهوم القرآني
يحي عباسي بن احمد – الجزائر
الروح بين الخلق والأمر: قراءة وجودية في المفهوم القرآني
بقلم: يحي عباسي بن احمد – الجزائر
المقدمة
منذ القرون الأولى، ظلّ مفهوم الروح من أكثر المفاهيم التي أثارت جدلًا بين المفسرين والمتكلمين والفلاسفة، إذ انقسموا بين من رآها جوهرًا نورانيًا يسكن الجسد، ومن رآها جوهرًا مجردًا مستقلًا عن المادة، وبين من جعلها أصل الحياة في كل حيّ.
غير أنّ المتأمل في النصّ القرآني يجد أن “الروح” لم تُعرَّف أبدًا بهذا الشكل التشبيهيّ، بل جاءت في القرآن متحرّرةً من التحديد الميتافيزيقي، لتدلّ على أمرٍ إلهيٍّ فعّالٍ يتجاوز حدود الحسّ والعقل.
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾[1]
فالنصّ لا يقدّم تعريفًا، بل يقدّم حدًّا معرفيًّا: الروح ليست من العالم الذي ندرسه، بل من العالم الذي يأمرنا أن نكون فيه.
أولًا: الروح في القرآن – من المعنى إلى الفعل
تتعدّد مواضع ورود كلمة الروح في القرآن، لكنّها تتّحد في كونها تشير إلى فعلٍ إلهيٍّ يحوّل السكون إلى حياة، والجماد إلى وعي.
يمكن تصنيفها في أربع دلالات مترابطة:
- الروح كـ«أمرٍ إلهيٍّ»
﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾[2]
هنا الروح ليست مخلوقة على النحو الماديّ أي شكل من المادة ، بل هي من “الأمر”، أي من الفعل الإلهيّ المباشر الذي لا يمرّ بوسائط الزمن والعلل.
كما قال الرازي: «الأمر في القرآن هو الإيجاد بلا واسطةٍ ولا مهلة.»[3]
- الروح كقوّة وحيٍ وهداية
﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾[4]
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾[5]
الروح هنا قانون الإحياء المعنويّ، أي الطاقة التي تجعل الكلمة وعيًا.
فكما تنفخ النفخةُ الحياة في الجسد، ينفخ الوحيُ الحياة في الوعي.
- الروح كنفخة الحياة الأولى
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾[6]
الروح ليست جزءًا من ذات الله، بل فيضٌ من أمره ، قال الزمخشري: «من روحي، أي من أمري، لا من ذاتي، كما يقال بيت الله أي بيتي.»[7]
فالروح هنا فعل الإحياء ذاته، أي الأمر ببداية الحياة في المادة، لا كيانٌ يسكن الجسد.
- الروح كرمزٍ للتأييد والسكينة
﴿أَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾[8]
أي بالقوة الإيمانية التي تُثبّت القلوب وتمنحها طمأنينة الوعي.
في كلّ هذه المواضع، الروح ليست شيئًا، بل فِعلٌ يحدث تمامًا كما أنّ الضوء ليس كائنًا، بل نتيجة احتكاك النور بالعين.
ثانيًا: نقد الفهم التراثي للروح
لقد حمل التراث الفلسفيّ الإسلاميّ تأثيرًا يونانيًّا واضحًا، فخلط بين النفس والروح، وأدخل تصوّرات أفلاطون وأرسطو إلى المجال القرآني.
فأصبحت الروح “جوهرًا مجرّدًا”، والنفس “قوة ناطقة”، ثمّ تشكّل حولهما خطابٌ ميتافيزيقيّ يتحدث عن “صعود الأرواح” و“تنازلها”، وهو خطاب لا يجد له أصلًا صريحًا في القرآن.
قال الغزالي في الرسالة اللدنية: «الروح سرٌّ من أسرار الله تعالى، لم يُطّلع عليه نبيٌّ ولا ملك، ولا سبيل إلى إدراكه بالعقل.»[9]
لكنّ التصوف المتأخر — كما عند ابن عربي — سيعيد الاعتبار للروح كـمظهرٍ للحضور الإلهيّ في الكائن، فيقول في الفتوحات:
«الروح الإنسانيّ مظهرٌ من مظاهر الروح الكليّ الذي هو النفس الرحمانيّ.»[10]
بين الغزالي وابن عربي مسافةُ وعيٍ:
الأوّل يتوقّف عند الغيب، والثاني يحوّله إلى كشفٍ في التجربة الوجودية.
أما في القراءة القرآنية البحتة، فـ”الروح” ليست شيئًا من الإنسان، بل ما يجعل الإنسان ممكنًا.
هي الحدث الإلهيّ الدائم الذي يبقي الخلق متّصلًا بالمصدر.
ثالثًا: الروح كوعي إلهيّ في الخلق
حين يقول الله تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾[11]
فالمعنى أن الله يُفيض من أمره ما يجعل العبد يدرك لا ما يجعله فقط يعيش.
فالروح هنا قوة الإدراك الإلهيّ في الإنسان، التي تجعل من المعرفة نوعًا من المشاركة في النور، لا مجرد تحليلٍ عقلي.
- وهكذا نصل إلى تعريفٍ جديد:
الروح هي “الوعي الإلهيّ في الخلق”، أي الطاقة التي تُعيد الموجود إلى معناه الأصليّ.
هي التي تجعل الإنسان “عبدًا بين اسمين”: اسم الخلق المحدود، واسم الأمر الإلهيّ المطلق.
فكلما استيقظ الإنسان إلى أمر الله، عاد من زمن الجسد إلى لحظة الروح.
رابعًا: من «نفخ الروح» إلى «تجدّد الوعي»
قوله تعالى:﴿ فَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ﴾[12]
لا يدلّ على لحظةٍ ماضية، بل على قانونٍ مستمرّ: فالنَّفْخ فعلٌ متواصلٌ في الزمن الإلهيّ.
الخلق لا يزال يتنفّس من تلك النفخة الأولى، وكلّ وعيٍ صادقٍ بالله هو تجدّدٌ لتلك النفخة في الداخل.
ومن هنا نفهم أيضًا سرّ العلاقة بين الروح والوحي والاستغفار: كلّها ليست أفعالًا ماضية، بل حالات وعيٍ تُستعاد في الإنسان كلّما عاد إلى الله.
كما قال برغسون: “الحياة هي استمرار الخلق في الزمن.”
وكأنّ القرآن يقول الشيء ذاته بلغةٍ إلهية:
“الروح من أمر ربي” — أي أن الخلق لا يزال مأمورًا بالحياة.
خامسًا: التأمل الختاميّ – الروح كديمومة الحضور الإلهيّ
الروح ليست ما فينا، بل ما نحن فيه.
لسنا نحملها، بل نحيا بها.
هي الهواء الذي لا يُرى، لكنه يجعل الوجود ممكنًا.
كلّ لحظةٍ من الصدق هي تنفّسٌ بالروح، وكلّ غفلةٍ موتٌ صغير.
ولهذا لم يُجب القرآن عن ماهية الروح، لأنها ليست مجهولًا نظريًا، بل تجربةً وجودية.
لا تُعرف بالبرهان، بل بالحضور.
الروح هي الإشارة الدائمة إلى الله فينا، والإنسان لا يفقدها حين يموت، بل حين يكفّ عن الوعي بها.
خاتمة
يمكن القول في ضوء هذه القراءة أنّ “الروح” في القرآن ليست جوهرًا ساكنًا، بل أمرٌ فاعلٌ يجري في الخلق كما يجري النور في الفضاء.
هي كلمة الله المستمرة في الوجود، وحين يغفل الإنسان عن معناها، يفقد وعيه بعلّة وجوده.
وهكذا يُعاد المعنى إلى أصله:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾[13]
أي: لا تُسأل الروح ما هي، بل تُستدعى فيك كي تكون كما أمرك الله أن تكون.
[1] الإسراء: 85
[2] الإسراء: 85
[3] الرازي، فخر الدين محمد بن عمر. (2000). مفاتيح الغيب (التفسير الكبير) (ط. 3). (تحقيق: مجموعة من العلماء). دار إحياء التراث العربي.
[4] النحل: 2
[5] الشعراء: 193
[6] الحجر: 29
[7] الزمخشري، محمود بن عمر. 2009، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل (ط. 1). (تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض). دار الكتب العلمية.
[8] المجادلة: 22
[9] الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد. (1993). الرسالة اللدنية. (تحقيق: أحمد فؤاد الأهواني). دار إحياء الكتب العربية.
[10] ابن عربي، محيي الدين محمد بن علي. (2005). الفتوحات المكية في معرفة أسرار المالكية والملكية (ط. 2). (تحقيق: عثمان يحيى). دار الكتب العلمية.
[11] غافر: 15
[12] الحجر:29
[13] الإسراء : 85