منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حجات الفاروق عمر رضي الله عنه ||سلسلة حج الصالحين

يعقوب زروق

0

حجات الفاروق عمر رضي الله عنه ||سلسلة حج الصالحين.

بقلم: يعقوب زروق

مقدمة:

أفتتح الحديث عن حجات الفاروق عمر -رضي الله عنه- بهذا الحديث؛ لما فيه من دروس المحبة والأدب.

عن عمر -رضي الله عنه- قال: «استأذنت النبي ﷺ في العمرة، فأذن لي وقال: لا تنسنا يا أخي من دعائك، أو قال: أشركنا يا أخي في دعائك. كلمة ما أحب أن لي بها ما طلعت عليه الشمس».[1]

هذا الحديث يدل على أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- اعتمر في حياة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غير العمرات التي اعتمرها معه -صلى الله عليه وسلم-. واعتمر -رضي الله عنه- في خلافته ثلاث مرات: عمرة سنة سبع عشرة، وعمرة سنة إحدى وعشرين، وعمرة سنة اثنتين وعشرين، وكلها في رجب.

والثابت عنه كذلك أنه كان يحب إفراد الحج، وأن يعتمر في غير أشهر الحج؛ حتى لا يهجر البيت في العام كله.

عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال عمر رضي الله عنه: «افصلوا بين حجتكم وعمرتكم؛ اجعلوا الحج في أشهر الحج، واجعلوا العمرة في غير أشهر الحج، أتم لحجكم وعمرتكم[2]».

أولا: حجاته رضي الله عنه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم:

  • حجته الأولى مع أبي بكر -رضي الله عنه- في السنة التاسعة للهجرة في حياة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وفيها كان يساعد أبا بكر -رضي الله عنه-.
  • حجته مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع في السنة العاشرة للهجرة. وقد كان -رضي الله عنه- ملازما للنبي -صلى الله عليه وسلم- في هذه الحجة قريبا منه كعادته، يفسح له الطريق ويحميه من الزحام؛ فهو وزيره الثاني وصاحبه.

وفيها استشعر بفراسته المعهودة دنو أجل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين نزلت هذه الآية بعرفات: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3]، والتي نزلت عشية يوم عرفة؛ فبكى -رضي الله عنه-. فقيل: ما يبكيك؟ فقال: «إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان».[3]

ثانيا: حجاته في خلافة أبي بكر رضي الله عنه:

  • حجته في السنة الحادية عشرة للهجرة، وفيها جعله أبو بكر -رضي الله عنه- أميرا على الناس في الحج؛ حيث لم يحج أبو بكر -رضي الله عنه- هذا العام.
  • حجته مع أبي بكر في السنة الثانية عشرة للهجرة، وهذه هي الحجة الأخيرة لأبي بكر -رضي الله عنه-. وفيها ولاه أبو بكر -رضي الله عنه- القضاء وفصل الخصومات بالموسم.

ثالثا: حجاته رضي الله عنه في خلافته:

فلما تولى الخلافة -رضي الله عنه- بعد أبي بكر -رضي الله عنه-، حج كل سنة من سنوات خلافته عدا السنة الأولى؛ فقد استخلف على الحج عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه-.

قال ابن سعد: «واستعمل عمر على الحج بالناس أول سنة استخلف، وهي سنة ثلاث عشرة، عبد الرحمن بن عوف، فحج بالناس تلك السنة، ثم لم يزل عمر بن الخطاب يحج بالناس في كل سنة خلافته كلها، فحج بهم عشر سنين ولاء».[4]

  • حجة وداعه رضي الله عنه:

وهي أشهر حجاته، كانت في سنة ثلاث وعشرين للهجرة، حيث استشهد بعد عودته منها. وتميزت بحدثين مهمين:

  • حج أمهات المؤمنين رضي الله عنهن: فقد كان لا يسمح لهن بالحج في خلافته إلا في هذه السنة، وخرج بنفسه معهن لحمايتهن ورعايتهن، وجعل عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنهما- في مقدمة ومؤخرة الركب لحرمتهن؛ فكان مشهدا مهيبا مؤثرا.
  • دعاؤه الشهير بعد نهاية المناسك:

عن سعيد بن المسيب قال: «لما صدر عمر من منى، أناخ بالأبطح، ثم كوم كومة من البطحاء، ثم ألقى نفسه عليه، فلزق بثوبه، واستلقى، ومد يده إلى السماء، فقال: اللهم ضعفت قوتي، وكبرت سني، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط. ثم قدم المدينة فخطب فقال: يا أيها الناس، إني قد سننت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتكم على واضحة؛ إلا أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا». قال سعيد: «فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل عمر -رضي الله عنه-».[5]

رابعا: الدور السياسي والرقابي:

وقد كان -رضي الله عنه- في حجه، بالإضافة إلى إقامته الحج والمناسك للناس وتعليمهم أمور دينهم بخطبه وتوجيهاته، فإنه كان كذلك يتخذ من الحج فرصة لأداء أدوار سياسية وإدارية وتدبيرية شاملة؛ يسأل الوفود عن حال الولاة، ويعاقب ويعزل، ويتفقد شؤون الرعية بصرامته المعهودة ورحمته المشهودة -رضي الله عنه-.

كان يجمع ولاة الأمصار: مصر، والشام، والكوفة، والبصرة وغيرها، في موسم الحج كل عام، ويخطب في الناس يعلمهم حقوقهم على ولاتهم من مثل هذه الخطبة:

عن أبي فراس قال: خطبنا عمر بن الخطاب، فقال في خطبته: «أيها الناس، إني لم أبعث إليكم عمالي ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن بعثتهم ليعلموكم دينكم وسنتكم، فمن فعل به غير ذلك فليرفعه إلي لأقصه منه؛ ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تمنعوههم فتكفروهم، ولا تجمروهم فتفتنوهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم».[6]


الهوامش:

[1]  – أخرجه أبو داود (1498)، والترمذي (3562)، وابن ماجه (2894).

[2]  – علاء الدين علي بن حسام الدين ابن قاضي خان القادري الشاذلي الهندي (ت 975هـ)، كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال.( 12945).

[3]  – أبو الفداء، إسماعيل بن كثير ( 774). السيرة النبوية. ج 4. ص 427

[4]  – محمد بن سعد بن منيع الهاشمي البصري المعروف بابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 3، ص 283.

[5]  – أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني( 852 ). المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية. (3897 )

[6]  – أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي. ( 458 ). السنن الكبرى. (17906 )

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.