منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حكم بيع الذهب المصوغ إلى أجل؛ “بالتقسيط”.

الدكتور أحمد الإدريسي.

0

حكم بيع الذهب المصوغ إلى أجل؛ “بالتقسيط”.

بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي.

اختلف الفقهاء في حكم بيع الذهب المصوغ (الحلي والمجوهرات) إلى أجل، وسبب اختلافهم أن هذه المجوهرات ترددت بين أصلين: أصل كونها أثمانا، وأصل كونها زينة وعرضا. قال ابن العربي: (وإن كان حليا فقد اختلف علماؤنا فيه، هل تجري فيه أحكام الربا كلها كما تجري في الذهب والفضة أم لا؟ وهذا يستمد من بحر المقاصد، فإن كان عيناً في أصله، فأخرجه القصد والصياغة إلى باب العروض، وعضد الشرع هذا الأصل عندنا وعند الشافعي بتعيين حكم الشرع في إيجاب الزكاة فيه، فأسقطها في الحلي حين تغيرت هيئته وخرج عن الذهب والفضة في هيئتهما والمقصود بهما، وهذا الدليل لا غبار عليه)[1].

– الرأي الأول:

ذهب جمهور الفقهاء إلى القول بعدم جواز التفاضل والنسيئة في العين (الذهب والفضة) مهما اختلفت أشكالها، لأن؛ الذهب والفضة من الأموال الربوية التي لا يجوز بيعها بجنسها نسيئة لقوله صلى الله عليه وسلم: “لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا الْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُفَضِّلُوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِز”[2].

فلا يجوز بيع الذهب والفضة إلا بشرطين، وهما المثلية والقبض، ولا بد من تسليم العوضين في مجلس العقد.

– الرأي الثاني:

يجوز بيع المصوغ (الحلي والمجوهرات) من الذهب والفضة بجنسه نسيئة، وتفاضلا حيث يجعل الزائد في مقابلة الصنعة، سواء كان البيع حالا أو مؤجلا ما لم يقصد كونها ثمنا.

ومن الذين قالوا بهذا الرأي معاوية والحسن والشعبي، وإبراهيم النخعي، وابن تيمية وابن قيّم الجوزية، وبعض الحنابلة رحمهم الله، قال ابن القيم: (الحلية المباحة صارت بالصَّنعة المباحة من جنس الثياب والسلع، لا من جنس الأثمان، ولهذا لم تجب فيها الزكاة، فلا يجري الربا بينها وبين الأثمان، كما لا يجري بين الأثمان وبين سائر السلع، وإن كانت من غير جنسها، فإن هذه بالصِّناعة قد خرجت عن مقصود الأثمان وأُعدَّت للتجارة، فلا محذور في بيعها بجنسها)[3].

ولذلك تم استثناء الحلي من الزكاة حسب رأي الجمهور، لأنه من باب الصرف ولخروجها من أصل “الثَّمنية” إلى أصل “الزينة والعروض والسلع”. ولأن هذا الحلي تغيرت هيئته وخرج عن الذهب والفضة في هيئتهما والمقصود بهما.

وأجاز أغلب الفقهاء المعاصرين بيع الحلي بالنقود الورقية، وذلك لسببين:

– الأول: إذا قلنا بأن العلة في الذهب والفضة كونهما ذهبا وفضة، فتكون علة قاصرة فيهما، وهي منتفية قطعا في النقود، فجاز البيع تفاضلا ونسيئة.

– الثاني: إذا قلنا بالتسوية بين النقود الورقية والذهب والفضة بدليل علة “الثمنية” المتوفرة فيهما معا، إذ هما أثمان للسلع وقيم للمتلفات (مخزن للقيمة) فالقول بالجواز يكون بناءً على اعتبار الحلية في الحلي والمجوهرات سلعة وعرضا، وهو المرجح من حيث الدليل.

التـرجيـح:

يجوز شراء الذهب والفضة المصوغين (الحلي والمجوهرات) بالتقسيط، فيأخذ المشتري الحلي ويدفع الثمن أقساطا. كما يجوز شراء الحلي بالحلي بأن يدفع المشتري نوعا من الحلي إلى البائع (الصائغ)، بعد تقويمه، ثم يشتري منه نوعا آخر بعد تقويمه، مع زيادة الفارق في الثمن.

والدليل هو خروج الذهب والفضة المصوغين (الحلي) من أصل الثمنية وانتقالهما إلى العرض والسلع؛ بسبب ما طرأ لهما بالصنعة، مع ما في القول بالجواز من التيسير ورفع الحرج عن الناس، وتمكينهم من قضاء حاجاتهم.

وفي زماننا المعاصر أصبح التعامل بالعملات الورقية، فهي جنس آخر غير جنس الذهب والفضة، فيجوز التفاضل والنَّساء عند اختلاف الجنس، والذهب المصوغ قد خرج بصياغته عن كونه ثمنا ووسيلة للتبادل، وانتفت عنه علة النقدية التي توجب فيه شرط التماثل، فصار سلعةً من السلع التي يجوز بيعها نقدا أو إلى أجل.

والحمد لله رب العالمين.


[1] – القبس في شرح موطأ مالك بن أنس، لابن العربي. ج:3 / ص:249-250.

[2] – رواه الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري.

[3] – إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم. ج:2 / ص:241.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.