منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قاعدة “المعاملة بنقيض القصد الفاسد” عند المالكية، مفهومها وتطبيقاتها

قاعدة "المعاملة بنقيض القصد الفاسد" عند المالكية، مفهومها وتطبيقاتها

0

قاعدة “المعاملة بنقيض القصد الفاسد” عند المالكية، مفهومها وتطبيقاتها

مقدمة

تعتبر القواعد الفقهية مختصرات مضبوطة جمعت شتات الفقه ونظمت ما تفرق من فروع ومسائل في كليات جامعة، وهي تبرز عمق العقلية الفقهية عند علمائنا، قال القرافي: “وهذه القواعد مهمة في الفقه عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه، وتتضح له مناهج الفتوى، ومن أخد الفروع الجزئية دون القواعد الكلية، تناقضت عليه تلك الفروع، واضطربت واحتاج إلى حفظ جزئيات لا تتناهى، ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات وتناسب عنده ما تضارب عند غيره.”[1]

وللمالكية باع طويل وإنتاج غزير في القواعد الفقهية، ومن أهم مؤلفاتهم: “أصول الفتيا في الفقه على مذهب الإمام مالك” للخشني-361هـ- و”أنوار البروق في أنواء الفروق” المعروف بـ “الفروق” للإمام شهاب الدين القرافي-ت684هـ- و”القواعد” للمقري -ت758هـ- و”إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك” للونشريسي -ت914هـ- و”شرح المنهج المنتخب إلى قواعد المذهب” للمنجور -ت955هـ-.

والقاعدة الفقهية هي: “أمر كلي تنطبق على جزئيات كثيرة تعرف به الأحكام الشرعية لتلك الجزئيات”؛[2] وعرفها أيضا، الدكتور محمد الروكي بأنها: “حكم كلي مستند إلى دليل شرعي، مصوغ صياغة تجريدية محكمة، منطبق على جزئياته على سبيل الاطراد أو الأغلبية”[3].

أولا: مفهوم قاعدة “المعاملة بنقيض القصد الفاسد”

  • لغة

الحاصل أن المعنى من جهة اللغة: المجازاة بضد وعكس ما اعتزم وتوجه إليه.

  • اصطلاحا

حرمان المحتال على شرع الله بما يفوت عليه فعله، وليس كرها له ولكن حسما للحيل؛ ومن ثم فإن للشارع قصدا في عمل المكلف، وهو ” أن يكون قصده موافقا لقصده في التشريع…وأن لا يقصد خلاف ما قصد الشارع…”،[4] وعليه ف” من ابتغى في الشريعة ما لم توضع له، فهو مناقض لها”.[5]

“وإذا خالف المكلف ما جاء به الشرع فعمله يعتبر مناقضا لقصد الشارع، وكل عمل يناقض قصد الشارع من التشريع يعتبر باطلا، ولا يستحق القبول ولا الإثابة عليه”.[6]

والخلاصة: أن المكلف إذا فعل فعلا كان ذريعة إلى تعطيل أو نقض مقصود الشارع، فإنه يعاقب بنقيض فعله وعدم ترتيب آثار عليه، لأن تعطيل أو نقض مقصود الشارع محرم، فكانت الوسيلة المفضية إلى ذلك محرمة أيضا، لأن الشرع لا ينظر إلى تلك الوسائل مفصولة عما تفضي إليه من المقاصد، بل يحكم عليها مقرونا بغاياتها ومراد المكلف منها، ولو لم يكن حكمه عليها كذلك لفتح بابا للفوضى والفساد، ولتوصل كل مكلف إلى ما يريد إيقاعه من أنواع الظلم والعدوان بفعل أمور ظاهرها الإباحة وباطنها الحرمة”.[7]

ثانيا: صيغ القاعدة عند المالكية

لقد اتفق العلماء باختلاف مذاهبهم على الأخذ بهذه القاعدة تدليلا وتمثيلا وإن بصيغ مختلفة

  • أبو عبد الله المقري: حيث أورد في القاعدة 641: “من أصول المالكية: المعاملة بنقيض المقصود الفاسد كحرمان القاتل من الميراث..”.[8]
  • والونشريسي عبر عنها في إيضاح المسالك قائلا: ” من الأصول المعاملة بنقيض المقصود الفاسد“.[9]
  • وقد تبعهما كل من الزقاق صاحب نظم “المنهج المنتخب” وشارحه المنجور، حيث قال الزقاق:

وبنقيض القصد عاملْ إن فسد        في قاتل أو موص أو من قد قصد

  • والإمام الشاطبي في مواضع عديدة من كتابه الموافقات: “..أن يقصد توابع السبب، وهي التي تعود عليه بالمصلحة ضمنا، كالوارث يقتل الموروث ليحصل له الميراث…فتنشأ هنا قاعدة المعاملة بنقيض المقصود ويطلق الحكم باعتبارها إذ تعين ذلك القصد المفروض”،[10]
  • وفي موضع آخر ردا على من يعترض على تكليف السكران يقرر:” …ولا-أي ولا يعترض- بالسكران لقوله تعالى:” ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى”، فإنه قد أجيب عنه في أصول الفقه…لما أدخل السكر على نفسه، كان كالقاصد لرفع الأحكام التكليفية فعومل بنقيض المقصود…”[11]

 

ثالثا: تطبيقات القاعدة

  • إذا قتل الوارث مورثه عمدا وعدوانا قصد الحصول على الإرث، فإنه يحرم منه بتاتا، باتفاق العلماء، لأنه قصد إلى مناقضة قصد الشرع، فكان من مقاصد الشرع حرمانه من الإرث.[12]
  • من أوصى لوارث، أو أوصى بأكثر من الثلث، قصد الإضرار بالورثة، فإنه لا يتم له ما أراد، معاملة له بنقيض ما قصد من الإضرار.[13]
  • إذا تزوج الرجل امرأة في عدتها فإنها تحرم عليه على جهة التأبيد، معاملة له بنقيض قصده.[14]
  • إذا صار البكر ثيبا بالزنى، قصد أن لا تجبر على الزواج، فإنها تجبر عليه -رواية عن أشهب- معاملة لها بنقيض قصدها، سدا للذريعة إلى الزنى.[15]
  • الفار من الزكاة بهبة المال أو بإبدال الماشية أو بتقليص النصاب، فإنه يجب عليه أداؤها، عكس ما قصد.[16]
  • من ارتحل من بلدة وجبت فيها الدية على الجاني قبل فرضها فرارا منها، فإنه يلحقه حكمها حيثما كان، عند ابن القاسم وغيره.[17]
  • من طلق امرأته في مرض الموت يعامل بنقيض مقصوده وترثه.[18]
  • إذا نوى المسافر الإقامة لقصد الخطبة فلا تصح إمامته معاملة له بنقيض مقصوده.[19]
  • من قصد من الزوجين بردته فسخ النكاح عومل بنقيض مقصوده، ولا يفسخ، كما قال مالك.[20]
  • لو قصد المرتد بردته حرمان وارثه أنه يرثه، ويعامل المرتد بنقيض مقصوده في الإرث.[21]
  • أَنَّ مَحَلَّ كَوْنِهِ يَتَيَمَّمُ وَيَتْرُكُ الْمَاءَ لِضِيقِ الْوَقْتِ مَا لَمْ يَقْصِدْهُ اسْتِثْقَالًا لِلْمَائِيَّةِ فَيُعَامَلُ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ.[22]
  • لو أخرت الصلاة عامدة عالمة بأنه يوم حيضها لزمها القضاء.[23]

[1] الفروق، القرافي، 1/3.

[2]  تطبيقات قواعد الفقه عند المالكية، الصادق الغرياني، ص9.

[3] نظرية التقعيد الفقهي وأثرها في اختلاف الفقهاء، محمد الروكي، ص53.

[4] الموافقات، 2/251.

[5] الموافقات، 2/253

[6]  المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، يوسف حامد العالم، 2/252.

[7]  نظرية التقعيد الفقهي وأثرها في اختلاف الفقهاء، محمد الروكي، ص176.

[8]  قواعد المقري، قاعدة رقم 641.

[9] إيضاح المسالك، 315.

[10]  الموافقات، 1/193.

[11]  الموافقات، 1/107.

[12]  إيضاح المسالك، ص315.

[13]  المنهج المنتخب، 481.

[14]  إيضاح المسالك، ص320/ شرح المنهج المنتخب،483.

[15]  شرح المنهج المنخب،485.

[16] إيضاح المسالك، 316/شرح المنهج المنتخب، 483.

[17] إيضاح المسالك، 316/شرح المنهج المنتخب، 483.

[18] الفواكه الدواني، 2/258.

[19] حاشية الدسوقي على الشرح الكبير،1/377.

[20] الفواكه الدواني، 2/25.

[21] الفواكه الدواني، 2/25.

[22]  بلغة السالك، 1/125.

[23]  مواهب الجليل، 1/411.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.