منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الموقف العثماني من المخططات والأطماع الصهيونية الاستيطانية في فلسطين خلال القرن التاسع عشر.

الموقف العثماني من المخططات والأطماع الصهيونية الاستيطانية في فلسطين خلال القرن التاسع عشر.

0

الموقف العثماني من المخططات والأطماع الصهيونية الاستيطانية في فلسطين خلال القرن التاسع عشر.

 

شهدت البلاد العثمانية تطورات مهمة خلال القرن التاسع عشر شمل عددا من المجالات الحيوية كالمواصلات والاقتصاد… مما جعلها محط أطماع النفوذ الاستعماري الامبريالي خلال هذا القرن، في نفس الاتجاه فقد نهجت هذه القوى الاستعمارية خططا لتسهيل نفوذها وسيطرتها على العالم بما فيها بلاد المشرق العربي، ومن ذلك استغلال الأقليات الدينية في المنطقة لتوسيع رقعة النفوذ من أجل الاستغلال المادي الصرف، وهي الفكرة التي انطلق منها نابليون لاستعمار مصر، وهي نفسها ستدفع القوة البريطانية لاستغلال الأقلية اليهودية في الأراضي الفلسطينية، (يذكر في عدد من المصادر أن اليهود كانت أعدادهم تتراوح بين 9700 يهودي، حسب تعبير الكيالي في كتابه الموجز في تاريخ فلسطين الحديث، ص 17؛ وذهب بعضهم إلى أن عددهم 20 ألف يهودي، يوسف الحكيم في كتابه سورية في العهد العثماني، ص 199؛ وهناك أرقام أخرى تقع بين هته النسب)؛ مما حدى بهم إلى وضع مشاريع إعمارية لليهود منها البرنامج الصادر سنة 1838م بإنشاء دولة يهودية تحت الحماية البريطانية، الأمر الذي سيلقى إقبالا واسعا من رئيس حكومتها آنذاك بالمرستون لضمان أمن المواصلات البريطانية في الطريق الشرقي، رغم أن هذه الفكرة لقيت معارضة من اليهودية اللاصهيونية، لأن الفكرة في حد ذاتها لا تنتهي بتكوين دولة يهودية في أرض فلسطين وإنما مجرد استيطان -هذه الأيديلوجية ستتغير لاحقا-. كما أن هذه الفكرة أي إنشاء دولة يهودية ستصطدم على أرض الواقع بعراقيل موضوعية رغم خروجها مباشرة بعد المؤتمر الصهيوني لسنة 1897م الداعي إلى إنشاء وطن يهودي، فمن أبرز العراقيل التي ستواجه المد الصهيوني على مستوى التنظير، لأنها على مستوى التطبيق ستعرف تجاوزات كبيرة، فمن القوانين -الصارمة – التي سنتها الدولة العثمانية آنذاك:

  • قانون يتعلق بتمليك الأراضي للأجانب.

  • وقانون إقامة اليهود بالأراضي العثمانية.

فكانت هذه بمثابة العوائق الرئيسية التي وقفت ضد المساعي اليهودية الاستيطانية، لأن القوانين الصادرة في نهاية القرن التاسع عشر تمنع الأجانب عموما واليهود على الخصوص بتملك الأراضي، ومنها مثلا القانون العثماني الصادر سنة 1898م يمنع اليهود الأجانب من دخول فلسطين دون تمييز بين جنسياتهم ما لم يدفعوا تأمينا ويقدموا تعهدا بالمغادرة خلال ثلاثين يوما. وفي عام 1899م صدرت فرمانات جديدة من السلطة العثمانية ألغت تحديد الإقامة ثلاثين يوما وسمح لهم بتمديدها لثلاثة أشهر. كما تم إصدار عدد من الفرمانات التي تعزز وقف تدفق اليهود إلى أرض فلسطين أو تحد من تنقلاتهم، إلا أن هذه القرارات والفرمانات غالبا ما كانت تواجه بالتراجع من طرف السلطان العثماني. فمن هذه الفرمانات الجزئية مثلا “تقييد دخول اليهود أرض فلسطين إلا إذا كانت مرخصة وفي أيام معدودة ولأغراض مخصوصة كالحج أو السياحة”. وبالتالي كانت في مصلحة بعض اليهود التي سهلت عليهم بمقتضاها شراء مساحات مهمة من الأراضي الفلسطينية.

وعلى ما يبدوا أن السلطان عبد الحميد الثاني اتخذ عددا من التدابير اللازمة في سبيل عدم بيع الأراضي لليهود في فلسطين، هذا الأمر سيدفع المنظمات الصهيونية إلى تكتيف جهودها بغية إبعاد السلطان عبد الحميد الثاني من الحكم، ومما يعزز هذه الفكرة ما جاء على لسان هرتزل “إني أفقد الأمل في تحقيق أماني اليهود في فلسطين، وإن اليهود لن يستطيعوا دخول الأرض الموعودة، ما دام السلطان عبد الحميد قائما في الحكم، مستمرا فيه”. (النعيمي، اليهود والدولة العثمانية، ص 158)، سيجد هذا الموقف سندا قويا حيث يتعلق الأمر بالظروف التي تمر منها الدولة العثمانية -المتمثلة في شخص السلطان عبد الحميد الثاني- حيث عرفت أزمة اقتصادية حادة سينضاف إليها الديون الأجنبية المغرقة، مما سيدفع بالإيديولوجية الصهيونية للدخول في مفاوضات مع السلطان لسداد الديون مقابل امتلاك الأراضي، لكن كان له موقف صريح وبات يردد العبارة التالية: (لا أقدر أن أبيع ولو قدما واحدا من البلاد لأنها ليست لي بل لشعبي)، كان هذا موقفا واضحا من السلطان عبد الحميد اتجاه المساومة الصهيونية من أجل بناء دولة يهودية على أراض فلسطينية، في المقابل كان له بعد آخر خفي وغير معلن اتجاه مخططات وقضايا صهيونية مهمة خلال تلك المرحلة، تمثل في موقفين بارزين:

  • موقفه الأول من الهجرة اليهودية إلى أرض فلسطين.

  • موقفه الثاني حول المشاريع اليهودية الاستيطانية في أرض فلسطين.

فلم تكن له سياسة مباشرة اتجاه هذين المخططين اليهوديين، أو في أقصى تعبير كان متحفظا، لأنه رغم علمه واطلاعه على المخطط الصهيوني بمحاولة التسلل إلى الأراضي الفلسطينية لإنشاء دولة صهيونية، لم يتخذ إجراءات واضحة ضد هذا المخطط، فرغم أن القوانين التي أصدرتها الدول العثمانية للحد من التمدد الصهيوني بكل أشكاله، لكنها في نهايتها ستكون حبرا على ورق، حيث إنها لم تمنع اليهود من تبني الإيديولوجية الصهيونية فظلت تكتف من الهجرة نحو الأراضي الفلسطينية لتنتقل بعد ذلك إلى امتلاك الأراضي ثم في مرحلة أخرى ستنتقل إلى بداية الإعمار، ومن أمثلة ذلك أن اليهود تمكنوا من تأسيس الكثير من المستعمرات ما بين عام 1890 و 1900م، رغم تشدد الدولة العثمانية في قانون منع دخول اليهود.

وتجدر الإشارة في ضوء المعطيات المتعلقة بهذه الفترة إلى أنه لا ينبغي أن نقلل من الأرقام والمعطيات، فرغم أن قراءة الأرقام قراءة أولية سواء ما تعلق منها بالهجرة أو ما تعلق بعدد المستعمرات اليهودية توحي بأنها أرقام ضعيفة، لكن الواقع يحتم قراءتها في ضوء المعطيات الخاصة لا العامة، فالأراضي التي حازتها إسرائيل في بداية تمددها ودخولها إلى الأراضي الفلسطينية في أواخر القرن التاسع عشر على عهد السلطان عبد الحميد الثاني، هي أراض قليلة مقارنة بمجموع الأراضي الفلسطينية لكنها بالنظر إلى قيمتها من الناحية الزراعية والإعمارية تشكل رقما ضخما، فإن كان الرقم انتقل من 25000 دونم (ما يعادل 25 كيلومتر مربع) إلى 420 ألف دونم (ما يعادل تقريبا 420 كيلومتر مربع) (الكيالي: تاريخ فلسطين الحديث ص 258 وما بعدها)، فهذه نسبة مائوية مرتفعة إذا قُرِن الرقم بالفترة الممتدة بين 1882و 1914م، لأنها فترة حاسمة في بداية الاستيطان اليهودي والذي سيصل حسب قرار التقسيم الصادر سنة 1947م إلى: 15261 كيلومتر مربع (أي 57.99 من المائة)، فخلال هذه الفترة كانت أغلب الأراضي تخضع لنضام الملكية المشاعية والتي كانت تشكل أكثر من 70 في المائة من مجموع الأراضي الفلسطينية، بالإضافة للأراضي الوقفية الصحيحة وغير الصحيحة، ثم ما بقي من النسبة العامة فهي الأراضي المملوكة؛ فما استولى عليه اليهود خلال نهاية القرن التاسع عشر من الأراضي المملوكة هي نسبة مهمة مقارنة بنوعية الأراضي والتقسيم العثماني لها. أما على مستوى نوعية الأراضي المستحوذة، فأغلبها تدخل ضمن الأراضي النفعية إعماريا وزراعيا، حيث شكلت نسبة مهمة من مجموع الأراضي الفلسطينية الخصبة في تكل الفترة، وهي المناطق السهلية التي تمكنت الحركة الصهيونية من إقامة المستوطنات عليها وستشكل لاحقا الأساس لتقسيم فلسطين.

أما فيما يخص مخطط الهجرة اليهودية فقد سجلت الدولة العثمانية ممثلة في السلطان عبد الحميد الثاني أول موقف رسمي من الهجرة اليهودية إلى فلسطين عام 1882م بعد تزايد أعداد المهاجرين اليهود من أوروبا الشرقية إليها، وشددت على الهجرة بإصدار عدد من الفرمانات. الأمر الذي اضطر القناصل الأجانب إلى الاحتجاج على هذه التعليمات؛ لذا كانت الحكومة العثمانية دائما تتراجع عن قرار الحظر الصادر بشأن الهجرة اليهودية إلى فلسطين، هذا الأمر سيساعد على توالي الهجرات اليهودية، والتي تضاعفت بنسب كبيرة خلال فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني، فمن خلال الإحصائيات الصادرة لسنة 1882م يمكن تسجيل زيادة نسبة اليهود من 5 بالمائة إلى 11 بالمائة من مجموع سكان فلسطين، حيث كان عدد اليهود يقارب 9700 يهودي (انظر سابقا)، وقد زاد عدد النازحين اليهود والمهجرين إلى أرض فلسطين الأولى ب 90 ألف يهودي قبيل الحرب العالمية. حسب بعض التقارير الصادرة.

الخلاصة:

تعريجا على ما سلف يمكن استخلاص النتائج البارزة التالية:

  • كانت الظروف التي تمر منها البلاد خاصة على المستوى الاقتصادي والإداري خلال حكم السلطان عبد الحميد الثاني خير معين لليهود في الهجرة إلى فلسطين وشراء الأراضي وإقامة المستعمرات.
  • إصدار الفرمانات وبعد ذلك تعديلها أو التراجع عنها أو عدم العمل بها من أبرز المشاكل التي كان يواجهها الحكام الإداريون في فلسطين، أمام الآستانة العثمانية في اسطنبول.
  • رغم أن السلطان رفض بيع الأرض أو تمليكها مباشرة ورغم رفضه الهجرة اليهودية أو محاولة الاستيطان فإنه كان يبدي استعدادات ملحوظة للتساهل مع بعض الطلبات اليهودية سواء عبر غض الطرف عن تطبيق الفرمانات في شأن هجرتهم أو عبر إصدار تشريعات تستجيب لرغباتهم أو الإذعان للضغط الغربي وخاصة الإنجليزي والأمريكي.

لقد فشلت سياسة الدولة العثمانية بصورة واضحة، على عكس ما يذهب إليه البعض الذين يصورون السلطان عبد الحميد الثاني بصورة المدافع عن فلسطين، والأدلة على ذلك تبينها الأرقام والمعطيات أو تراجع وتقليص أهمية القرارات الصادرة عن الدولة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.