تغول النيوليبرالية في النسيج الاقتصادي المغربي: مظاهره وتداعياته
تغول النيوليبرالية في النسيج الاقتصادي المغربي: مظاهره وتداعياته
تغول النيوليبرالية في النسيج الاقتصادي المغربي:
مظاهره وتداعياته
كان القرن العشرين مسرحا لعدة وقائع وتحولات دولية سياسية واقتصادية بالغة من قبيل الحربين العالميتين المدمرتين والأزمات الاقتصادية المتتالية والحرب الباردة وسيادة القطب الواحد والهيمنة الأمريكية على العالم وغزوه فكريا وسياسيا وحتى عسكريا، مما أدى إلى إعادة تشكيل الدول والمجتمعات، وصعود نظم وتهاوي أخرى، وانتشار أفكار وإيديولوجيات وتراجع أخرى…وفي الوقت الذي كان النموذج الأمريكي يغزو العالم، كان التحول داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها صوب سياسة اقتصادية تقلل من دور الدولة وتزيد من دور القطاع الخاص، وتخفض الإنفاق العام، وتعطي أفضلية لحرية السوق، والمبادرة الفردية وإضعاف اتحادات العمال…إنها بوادر النيولبرالية التي ستصبح لاحقا نظاما اقتصاديا جديدا وإيديولوجيا سياسة تستهوي مخيلة السياسيين بعد أن غدَت أداة طيعة في يد دهاقنة العالم للسيطرة على مزيد من الأقطار طوعا أو كرها من خلال مؤسسات عملاقة مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
وكما كان العالم العربي هدفا سهلا للقوى الاستعمارية أواخر القرن التاسع عشر، كذلك كان وجهة مفضلة للنيوليبرالية وهي تتلمس طريقها صوب تلبية احتياجات ومصالح تلك القوى لوضع يده على الثروات الفكرية والمادية لتلك البلدان تحت يافطات عديدة مثل التحديث والتحرر ونشر الديموقراطية والتنمية…
وبما أن المغرب اعتمد منذ الاستقلال على تقليد النظام الرأسمالي الغربي، فإن الإطار الفكري والسياسي كان مُعدا لقبول سريع بشروط النيولبرالية حتى قبل أن تتبلور في إيديولوجيا وتسود المخيلة الاجتماعية العالمية، فمنذ ثمانينات القرن الماضي طبق المغرب سياسة التقويم الهيكلي المملاة من صندوق النقد الدولي بعد ارتفاع حصيلة الدين الخارجي والعجز الحاد في الميزان التجاري.
أما في العقود الأخيرة فقد شهد المغرب تسارعا في اتخاذ قرارات سياسية ذات نزعة نيوليبرالية تخدم أجندة اللاعبين الكبار في سوق المال، ولما كان البلد يفتقر لأبسط الشروط السياسية والاجتماعية والثقافية التي يتطلبها تنزيل تلك القرارات أدى ذلك إلى انعكاسات سلبية على المجتمع المغربي وخصوصا الطبقة المتوسطة والفقيرة، وارتفعت مؤشرات البطالة، بموازاة انخفاض مؤشر التنمية، وتقهقر البلد إلى رتب متدنية في سلم الترتيب العالمي.
وفي هذ الأسطر نُذكّر بالقرارات الاقتصادية ذات النزعة النيوليبرالية مع وصف بعض التداعيات السلبية التي نتجت عنها وما زال المواطن البسيط يكتوي بلهيبها:
تحرير السوق:
منذ تسعينات القرن الماضي وقع المغرب عدة اتفاقيات للتبادل الحر مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتركيا ومصر والأردن وتونس والإمارات العربية المتحدة…وهو ما أتاح له جلب استثمارات للتصدير للأسواق الأجنبية بحكم موقعه الاستراتيجي، إلا أن هذا الانفتاح كان مصحوبا برزمة من الإجراءات غير المباشرة القاسية مثل تخفيض الأجور، ومحاصرة العمال وتقزيم حقوقهم المادية والمعنوية، ورفع الرقابة على الأسعار، ومنح الحرية الكاملة لحركة رؤوس الأموال والبضائع والخدمات الأجنبية… وهو ما ألحق أضرارا بالغة بالمواطن المغربي، وبالاقتصاد الوطني[1]، حيث أدى إلى إغراق السوق المغربية بالمنتوجات الأجنبية، وحاصر المنتوج الوطني، ودفع بكثير من المستثمرين المحليين إلى حافة الإفلاس، وأدى إلى تسريح عديد من العمال، وإن كان قد وفر للمستثمرين الأجانب جملة من المحفزات مثل وفرة اليد العاملة الرخيصة وانخفاض كلفة الإنتاج والتوزيع…
تخفيض الإنفاق العام:
في الوقت الذي نهجت الحكومات المغربية المتعاقبة منذ الاستقلال سياسة تقشفية على قطاعات الخدمات العامة وفي مقدمتها قطاع التعليم الذي اعتبر قطاعا غير منتج يثقل كاهل الدولة ولا يخرج إلا أفواجا من العاطلين…والحقيقة أن هذا التقدير دال ضعف التخطيط الاستراتيجي، ذلك أن جميع الدول التي بنت نهضتها بسواعد أبنائها جعلت التعليم رافعة للتنمية فخصصت له أضخم الميزانيات ورصدت له كل الإمكانات ووظفت مختلف الكوادر والطاقات…ولم تكن الوثائق والقوانين إلا سندا لدعامة المال، ومن هنا لم تمض إلا سنوات قليلة حتى بدأ التعليم يثمر للصالح العام، ويخرج أفواجا من العلماء والمبدعين، ويحرك عجلة الاقتصاد، ويدفع المجتمع صوب التنمية والتحديث.
ومن القطاعات التي طالتها سياسة تخفيض الإنفاق قطاع الصحة، فما زالت المستشفيات والمستوصفات الحكومية تشكو من ندرة المواد الأساسية من أدوية ومعدات…وقلة الكوادر الطبية، الأمر الذي يجعل المواطن المغربي عرضة لمعاناة مضاعفة، فتنضاف إلى آلام الأمراض آلام تأجيل المواعيد وكثرة التنقلات بين المدن والبوادي، وتردي الخدمات الطبية…
ولم تسلم جل القطاعات من هذه السياسة بما فيها تلك التي صُرح بأنها منتجة مثل الفلاحة والصناعة والخدمات والنقل والسياحة…فكلها تشكو من ضعف الإنفاق، وهذا ما يُفوت على الاقتصاد الوطني فرصا استثمارية تعود بالنفع على الصالح العام.
الخوصصة:
بموازاة تخفيض الإنفاق العام بالغت الدولة منذ 1993[2] في تشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في جميع المجالات بما فيها تلك التي تقع على عاتق الدولة عن طريق التسهيلات القانونية والضريبية…فوجد المواطن المغربي نفسه أمام مفارقة واضحة بين خدمات عامة متهالكة تدفعه دفعا نحو الارتماء في أحضان المؤسسات الخاصة…وبما أن نسبة عريضة من المغاربة تعيش الفقر فما كان عليها إلا أن تختار بين خدمات رديئة بالمرافق العمومية أو تنتقص من ذاتها انتقاصا لتحصل على بصيص من خدمات القطاع الخاص.
وتكمن خطورة تغول الخوصصة في بيع كثير من الشركات والمؤسسات الوطنية للمستثمرين الخواص ـ وكثير منهم أجانب يحولون مدخرات شركاتهم صوب بلدانهم ـ وتفويت قطاعات حيوية لهم مثل الماء والكهرباء والنظافة والصناعات، وكذا تحرير بيع المحروقات…الأمر الذي جعل منها كلها مجالات ربحية أكثر من أن تكون ضامنا للحد الأدنى من متطلبات الحياة اليومية، وهكذا وجد المواطن البسيط نفسه بين مطرقة غلاء الأسعار وسندان انخفاض القدرة الشرائية…
إن المواطن المغربي البسيط لا يهمه تجديد القوانين وتنويع الخيارات السياسية والاقتصادية، بقدر ما تهمه لقمة عيش كريم يلمسها في تعليم مجاني يحرر إرادة أبنائه ويدفعهم صوب الإبداع، وخدمات صحية تحفظ كرامته الإنسانية، ومرافق ذات حد لائق من الجودة…وفي غياب ذلك تبقى القوانين والاختيارات مجرد لعبة خطرة يقودها الكبار ويصطلي بنارها الصغار.
[1]وهذا ما أقرت به مؤسسات حكومية مغربية كالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في تقاريره السنوية، تقرير 2014 مثلا.
[2] أصدرت حكومة عز الدين العراقي القانون رقم 39.89 سنة 1990 الذي نص على تحويل منشآت عامة إلى القطاع الخاص بعد خطاب الملك الراحل الحسن الثاني، ليتم الشروع في تنزل بنود هذا القانون سنة 1993.