منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

خشوع الجبل

خشوع الجبل/محمد القائم

0

خشوع الجبل

بقلم: محمد القائم

الجبل الشامخ والوتد الراسخ، جعله الله راسيا وتدا، مثبتا للأرض كي لا تميد بنا،(وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم)،ما أرحمك بنا يا رب، لك المنة والفضل، ونحمدك على برك ولطفك وتلطفك بنا، بأن سخرت لنا هذا المخلوق العظيم، الذي ضربت لنا به المثل، وجعلته متاعا لنا ولأنعامنا.

مخلوق عظيم يتفجر منه الأنهار، ويهبط منه من خشية الله، ذاك هو الجبل الذي يخشع ويتخشع، ويندك لعدم قدرته على تحمل رؤية النور الرباني لما تجلى له ربه، وصعق من هول تفتته موسى الكليم عليه السلام.

إنه الشامخ الطويل الذي يتضاءل أمامه طول ابن آدم، ولن يبلغ طوله ولو حاول المتكبر على خالقه، المعتد بجاهه وماله وسلطته وجبروته، ذاك هو الجبل العاجز رغم قوته وصلابته وعلو ارتفاعه عن تحمل ثقل الوحي(لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله)، فتحمله عنه القلب الرحيم العظيم، قلب الصادق الأمين، ولحكمة ونكتة، تقلى النبي الكريم القول الثقيل فوق جبل النور، واختار اللجوء والإيواء إلى الركن الشديد فوق جبل ثور.
نعم أخي المتدبر واختي، إنه الجبل الأواب مع النبي التواب الأواب(ياجبال أوبي معه)، ولإنابته وتأويبه أنعم الله عليه بنعم الدنيا والآخرة وبارك نسله، فهل من منيب مؤمن بربه مستجيب؟
جعلني الله وإياكم أحبتي من الأوابين المنيبين.

وما أقسى قلوبا زادت قسوتها وفاقت قسوة الحجر، تلك القلوب التي خوفها القوي العزيز بنتق الجبل، وقلعه وفصله، آية تخويف لهم، فكان رفع الجبل “الطور” فوق رؤوسهم معجزة لموسى عليه السلام، وتذكيرا لهم، فيعقبه أخذ العهد عليهم بعزيمة العمل بالتوراة، وأخذها بقوة، وتصديقا واتباعا لصاحب الرسالة والنبوة.

معذرة أيها الجبل:

(والجبال أرساها متاعا لكم ولأنعامكم)،يامتسلقا الجبل، يا متمتعا برؤية لون وشموخ الجبل، ياساكنا ومحتميا بالجبل(وتنحتون الجبال بيوتا)،(وكانوا ينحتون الجبال بيوتا آمنين)، كن كالنحل الذي اتخذ بوحي من خالقه سكنا في الجبال (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا) أشكر نعمة هذا الجبل الذي جبل على الخشية، وتعلم منه الخوف من ثقل الأمانة، والتسبيح والترديد مع الأوابين، وتفكر في كيفية رسوه ونصبه (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت..)واسجد للكبير المتعال، الذي سخر لك الغيران والكهوف كنا تأوي إليها من الشمس في شدة حر الهجير أو عند اشتداد المطر، شكرا له سبحانه (كذلك يتم نعمته عليكم)

وليحذر الذين يمكرون المكر السيء، فإنه لا يحيق إلا بأهله، ذاك المكر الكبار والفعل السوء المبيت بالغير وإضماره، لا يخفى على من له المكر جميعاً، (وقد مكروا مكرهم وعند الله مكر هم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال)، لا ولن يتعدى مكرهم مكر من سبقهم وامثالهم، وما هو بالذي تزول منه الجبال، وفي هذا تعريض بأن الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين الذين يريد المشركون- والأشد عداوة للمومنين -بهم لا يزعزهم مكرهم لأنهم كالجبال الرواسي.كما قال ابن عاشور رحمه الله.وهو مكر عظيم تكاد تخر الجبال منه هدا أو تزول منه لو كان لها أن تزول لمن قرأ اللام بالفتح فيكون الكلام إثباتا لزوال الجبال من مكرهم.وهذا من المبالغة في حصول أمر شنيع أو شديد في نوعه. والله المستعان.

حب الجبل:

صلى الله على زين الملاح، داعي الفلاح، واسوة أهل الصلاح والإصلاح، ما انتشر ضوء الصباح، وهلال الربيع في الأفق لاح. سيد الأكابر الأكارم، الذي ملأ كرمه ومجده البطاح. فسلم عليه الحجر، وبكت لفراقه جبال مكة وحنت. واشتاق لرؤيته الجبل -الصحابي الذي لايزال حيا شاهدا لجذوة شوق المحبين مذكيا -جبل نال وسام المحبة والمحبوبية، من قبلة المحبين حضرة الذات المحمدية المصطفوية (هذه طابة وهذا أحد جبل يحبنا ونحبه) حديث صحيح، فأين حبك يا ايها الصحيح الفصيح، أم لم تسمع أنين وحنين الجذع، ونداء أحد وهو بك يصيح، جد في الطلب واجتهد عمرك في التحصيل للحصول على وسامي من الأمين الناصح النصيح.

ولله در جبل الأطلس، كم حرك من مشاعر الحب، وأحيا من قيم التآزر والتضامن والإيثار الانصاري!!قل لي أيها الأطلسي بالله عليك ما السر بينك وبين من ارسى الرواسي، ألإيوائك أسود الأطلس، من حفظوا القرآن وشيدوا ومولوا لتدريس علومه عتيق المدارس ؟ أم لإيوائك العترة الطيبة تاج راسي؟ أم نلت وسام الحب مثلما نال أخوك احد من الحبيب الطبيب الآسي؟

اللهم بلطفك الخفي والجلي، تلطف بقلوب طال عليها الامد فقست، ومن عليها بشعاع من أنوار ياسين المؤيد بعلي، فتتبدد ظلماتها وتنجلي، فيفوق حبها حب الخشبي والجبلي.آمين ياحكيم يا علي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.