حقيقة البر وأوجهه
د.رضوان ابن شقرون
انطلاقا من قول الحق سبحانه وتعالى في سورة البقرة الآية 177: ﴿لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنِ الْبِرُّ مَنَ -امَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيئِينَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَءَاتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمُ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾.
يعتقد البعض أن البر والخير والتقوى إنما هي في أمور ظاهرية كالتوجه في الصلاة إلى جهة معينة، أو أداء طقوس تعبدية شكلية جسدية، وليس الأمر كذلك، فلقد صلى المسلمون عدة أشهر نحو المسجد الأقصى المبارك بالقدس الشريف، ثم اقتضت حكمة الله عز وجل أن تتحول القبلة إلى المسجد الحرام بمكة المكرمة، فمن اليهود من استنكر، ومن المسلمين من تعجب، فأنزل الله هذه الآية الكريمة تبين أن حقيقة البر ليست في التوجه إلى هذه الناحية أو تلك الجهة، وأن أوجه البر كثيرة، ترجع إلى ثلاث: صحةِ الاعتقاد، وإخلاصِ العبادة، وحسنِ المعاشرة:
فالبر في العقيدة: هو الإيمان الصادق بالله واليوم الآخر والملائكه والكتاب والنبيئين، مما يجب أن يترسخ في القلوب قناعةً وإخلاصاً، وينعكس أثره على المؤمن في سمته ومظهره، وفي خلقه وخصاله.
والبر في العمل نوعان: بِرٌّ في العبادة، وهو تهذيب النفس بالإخلاص في إقامه الشعائر الدينية وأدائها بما أمر الله عز وجل وكما أمر، وأداء الفرائض من صلاة وصيام وزكاة وحج على الوجه الأكمل وبقناعة ورضى؛ وبِرٌّ في السلوك اليومي، وهو حسن معاشرة الناس بأداء رسالة الوجود وأمانة المسؤولية الاجتماعية والإنسانية، بوفاء في المنشط والمكره، وصبر في السراء والضراء، واحتساب مع الأمل والرجاء، ويدخل في ذلك فعل الخيرات، ومعاملة الناس بالمكارم والفضائل والتضحيات، وتقديم العون المادي للأقارب والمساكين والفقراء، وعتق المضطرين والمفلسين، ونصرة المظلومين والمقهورين.
تلك حقيقة البر وتلك أوجهه التي يقرها الشرع ويدعو إليها كي تستقيم حياة الناس وترشد، ويسلم المجتمع ويسعد، وترقى الأمة وتهنأ؛ فالذين يتشبثون بها وهم يدركون مقاصدها من إصلاح الحال، والاستعداد للمآل، بحسن التقرب إلى الكبير المتعال، وحسن معاشرة الصحب والآل، أولئك هم الصادقون مع أنفسهم وفطرتهم، وهم المتقون، أي الذين يحمون أنفسهم من الخسران، وأهلهم من الشقاء، ومجتمعهم من التيه وأمتهم من الذل والهوان، فالبر والتقوى والعمل هي غاية الأمل والمنجاة من الزلل.