التأسيس القرآني للتعددية والعيش المشترك: قراءة تحليلية في دلالة: “لتعارفوا” من آية الحجرات
حمزة الحساني
التأسيس القرآني للتعددية والعيش المشترك: قراءة تحليلية في دلالة:
“لتعارفوا” من آية الحجرات
حمزة الحساني:
باحث في الفكر الإسلامي وحوار الأديان
ملخص البحث (Abstract)
تسعى هذه الدراسة إلى إعادة تحرير المعنى الدلالي للفظة “لتعارفوا” الواردة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13]، وذلك بتجاوز الفهم الاختزالي الذي يحصر “التعارف” في مجرد المعرفة المتبادلة بالأنساب والهُويات، نحو فهمٍ أعمق يرى في الآية تأسيسًا ربانيًا لمبدأ التعددية البنيوية وإرساءً لفلسفة العيش المشترك القائم على التواضع الجماعي على قوانين وأعراف ناظمة للاجتماع الإنساني؛ وتستند الدراسة إلى أدوات التحليل اللغوي الجذري، والسياق القرآني الداخلي (السياق القريب والبعيد)، ومقاصد الشريعة، والفلسفة السياسية المقارنة.
الكلمات المفتاحية: لتعارفوا، التعددية، العيش المشترك، العقد الاجتماعي، الأعراف الدولية، سورة الحجرات، التفسير المقاصدي.
المقدمة
- أولًا: إشكالية البحث
استقرّ في كثير من أدبيات التفسير المعاصر فهمٌ لآية الحجرات (13) يُقصر دلالة “لتعارفوا” على البعد المعرفي الإدراكي، أي أنّ الحكمة من جعل الناس شعوبًا وقبائل هي أن يعرف بعضهم بعضًا معرفةً نَسَبية أو ثقافية أو حضارية، فيقال: “جُعلتم شعوبًا وقبائل ليعرفَ بعضكم أنساب بعض فلا يُدّعى لغير أبيه”، أو “لتتعارفوا فيتعاونوا ويتحاوروا”.
وهذا الفهم — على وجاهته الجزئية — يُغفل أبعادًا دلالية جوهرية كامنة في البنية اللغوية للفظة ذاتها، وفي السياق الكلي للآية والسورة، وفي المنظومة القرآنية العامة؛ وتتمحور إشكالية هذا البحث حول السؤال المركزي التالي:
هل دلالة “لتعارفوا” مقصورة على المعرفة المتبادلة (التعرّف إلى الآخر)، أم أنها تتضمن معنى بنائيًا أعمق يتصل بوضع الأُطر التعاقدية والأعراف المشتركة التي يتواضع عليها البشر لتنظيم تعدديتهم؟
- ثانيًا: فرضية البحث
يفترض هذا البحث أنّ لفظة “لتعارفوا” — في ضوء تحليلها اللغوي الجذري، وسياقها القرآني، ومقاصدها الكلية — تحمل دلالة تأسيسية مؤسِّسية (Constitutive) لا مجرد دلالة معرفية إدراكية (Cognitive)، وأنّ المراد بها: أن يتواضع البشر — على اختلاف شعوبهم وقبائلهم — على أعرافٍ مشتركة وقوانين تأطيرية تُنظّم اجتماعهم وتحفظ تعدديتهم، وهو ما يُشكّل تأسيسًا قرآنيًا لمفهوم العقد الاجتماعي ومبدأ القانون الدولي التعاهدي.
- ثالثًا: منهج البحث
تعتمد الدراسة منهجًا تكامليًا يجمع بين:
- المنهج اللغوي التحليلي: تفكيك الجذر اللغوي ودلالاته في المعاجم والاستعمال القرآني.
- المنهج السياقي: تحليل السياق القريب (آيات سورة الحجرات) والبعيد (المنظومة القرآنية).
- المنهج المقاصدي: ربط الدلالة بكليات الشريعة ومقاصدها.
- المنهج المقارن: مقارنة المفهوم القرآني بنظريات الفلسفة السياسية الغربية.
المبحث الأول: التحليل اللغوي الجذري لـ”لتعارفوا”
- المطلب الأول: الجذر (ع ر ف) ومساحته الدلالية
إنّ اللفظة القرآنية “لتعارفوا” مشتقة من الجذر الثلاثي (ع ر ف)، وهو من أغنى الجذور العربية دلالةً وأوسعها تفرّعًا؛ والناظر في المعاجم العربية الكبرى يجد أنّ هذا الجذر لا ينحصر في معنى واحد، بل ينتظم في حقول دلالية متعددة ومتشابكة، يمكن تصنيفها كما يلي:
أ) حقل المعرفة والإدراك (العِرفان):
قال ابن فارس في مقاييس اللغة: “العين والراء والفاء أصلان صحيحان، يدلّ أحدهما على تتابع الشيء متصلًا بعضُه ببعض، والآخر على السكون والطمأنينة.” ثم قال: “من الأول: عُرْف الفرس..؛ ومنه المعرفة والعِرفان.”
والمعرفة هنا تعني: إدراك الشيء على ما هو عليه، يُقال: عَرَفه يَعرِفه عِرفانًا ومعرفةً.
ب) حقل العُرف بمعنى المتعارَف عليه (القانون العُرفي):
وهذا الحقل هو مفتاح البحث؛ فالعُرْف في اللسان العربي هو: ما تعارف عليه الناس واستقرّ بينهم وصار مألوفًا معمولًا به؛ قال الجرجاني في التعريفات: “العُرف: ما استقرّت النفوس عليه بشهادة العقول، وتلقّته الطبائع بالقَبول.” وقال الراغب الأصفهاني في المفردات: “العُرف: كل ما تعرفه النفس من الخير وتطمئنّ إليه.”
وقد ورد هذا المعنى في القرآن الكريم صراحةً في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: 199]؛ والعُرف هنا — كما قرّر المفسرون والأصوليون — ليس مجرد “معرفة”، بل هو المنظومة السلوكية والقيمية المتواضَع عليها.
ج) حقل الاعتراف (الإقرار والقبول):
يُقال: اعترف بالشيء، أي أقرّ به وقَبِله؛ وهذا الحقل يُفيد في سياقنا معنى الإقرار بالآخر والاعتراف بوجوده ومشروعية اختلافه.
د) حقل التعارف المتبادل (المفاعلة):
صيغة “تعارفوا” على وزن “تفاعلوا”، وهي صيغة تقتضي المشاركة والتبادل بين طرفين فأكثر؛ فليس المعنى أنْ يعرف طرفٌ طرفًا آخر من جانب واحد، بل أن يشترك الجميع في فعل مشترك متبادل.
- المطلب الثاني: دلالة صيغة “التفاعل” في السياق التأسيسي
إنّ صيغة “تَفاعُل” في العربية لا تُفيد مجرد المعرفة المتبادلة بالضرورة، بل تتضمن في كثير من سياقاتها معنى البناء المشترك والعمل الجماعي التوافقي؛ ولننظر في أمثلة موازية:
| الفعل | المعنى الاختزالي | المعنى البنائي الأعمق |
| تعاهدوا | عرف بعضهم عهد بعض | وضعوا عهدًا مشتركًا بينهم |
| تعاقدوا | عرف بعضهم عقد بعض | أنشؤوا عقدًا مشتركًا |
| تواصوا | أوصى بعضهم بعضًا | تبنّوا وصيّة مشتركة ملزمة |
| تشاوروا | عرف بعضهم رأي بعض | أنتجوا قرارًا مشتركًا عبر الشورى |
| تعارفوا | عرف بعضهم بعضًا | وضعوا أعرافًا مشتركة يتعايشون عليها |
فالقياس اللغوي يُرجّح أنّ “تعارفوا” لا تعني مجرد “يعرف بعضكم بعضًا”، بل: تتواضعوا على أعراف مشتركة — أي تُنشئوا معًا منظومةً من القيم والقوانين والأطر التي تنظّم تعدديتكم.
- المطلب الثالث: الفرق بين “لتَعْرِفوا” و”لتَعارَفوا“
لو أراد القرآن مجرد المعرفة الإدراكية لقال: “لتَعْرِفوا” أو “ليَعْرِفَ بعضُكم بعضًا”؛ لكنه اختار صيغة “لتعارفوا” بصيغة التفاعل، وهذا الاختيار البلاغي القرآني الدقيق يحمل دلالة مقصودة: إنّ الفعل مشترك، تبادلي، بنائي، وليس مجرد إدراك سلبي من طرف واحد.
ويُؤكّد هذا التوجّه ما ذكره الزمخشري في الكشاف حين أشار إلى أنّ التعارف يقتضي نوعًا من التآلف والتضامّ، لا مجرد التمييز بين الأنساب.
المبحث الثاني: السياق القرآني لآية الحجرات (التحليل السياقي)
- المطلب الأول: السياق القريب — سورة الحجرات بوصفها “دستورًا اجتماعيًا“
إنّ سورة الحجرات لا يمكن فهم آيةٍ منها بمعزل عن بنيتها الكلية، فهي سورة تأسيسية تشريعية بامتياز، وقد سمّاها بعض العلماء “سورة الأخلاق” و”سورة الآداب”؛ ولكنّ النظر الدقيق يكشف أنها أقرب إلى أن تكون “دستورًا اجتماعيًا” يُؤسّس لقواعد العيش المشترك على مستويات متدرّجة:
المستوى الأول (الآيات 1-5): تأسيس مبدأ الطاعة والمرجعية — ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾؛ وهذا يُؤسّس لمبدأ سيادة القانون (Rule of Law) بأنّ ثمة مرجعية عليا لا يجوز تجاوزها.
المستوى الثاني (الآية 6): تأسيس مبدأ التثبّت من المعلومة — ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾؛ وهذا يُؤسّس لمبدأ المسؤولية المعلوماتية وضبط الفضاء العام.
المستوى الثالث (الآيات 9-10): تأسيس مبدأ الإصلاح والتحكيم بين المتنازعين — ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾؛ وهذا يُؤسّس لمبدأ فضّ النزاعات بالطرق السلمية ومؤسسات التحكيم الدولي.
المستوى الرابع (الآيات 11-12): تأسيس مبدأ حماية الكرامة الإنسانية — ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ..؛ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ..؛ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾؛ وهذا يُؤسّس لمنظومة حقوق الإنسان وصون الخصوصية.
المستوى الخامس (الآية 13): وهو تتويج البناء كلّه بالتأسيس لمبدأ التعددية المُؤطَّرة — ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾.
فالآية — في سياقها — ليست آية معرفة وتعرّف، بل هي خاتمة منظومة دستورية تُقرّر أنّ التعددية البشرية (شعوبًا وقبائل) ليست عبثية ولا عقوبة، بل هي مقصودة إلهيًا والغاية منها: أن يُنشئ البشر معًا أعرافًا ومواثيق تُؤطّر تعايشهم.
- المطلب الثاني: دلالة “جَعَلْنَاكُمْ” — الفعل الإلهي التأسيسي
لفظ “جَعَلْنَاكُمْ” في الآية ليس مجرد إخبار عن واقع، بل هو فعل تكويني مقصود؛ والفرق بين “خَلَقَ” و”جَعَلَ” في الاستعمال القرآني دقيق:
- “خَلَقَ” يُشير إلى الإيجاد من عدم (وقد وردت في أول الآية: “إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى”).
- “جَعَلَ” يُشير إلى التصيير والتنظيم والتشكيل المقصود — أي أنّ التقسيم إلى شعوب وقبائل ليس عَرَضيًا بل هو تدبير إلهي حكيم له غاية.
وإذا كانت الغاية مجرد “أن يعرف بعضكم بعضًا”، لكان ذلك ثمرةً تلقائية للتنوع لا تحتاج إلى نصّ تأسيسي؛ أمّا إن كانت الغاية هي بناء منظومة تعايش، فإنّ ذلك يستحقّ هذا الإعلان الإلهي التأسيسي في سياق سورة هي بمثابة الدستور الاجتماعي.
- المطلب الثالث: دلالة الخطاب بـ”يا أيها الناس” — عالمية التأسيس
من أهمّ القرائن السياقية أنّ الآية خاطبت “الناس” وليس “المؤمنين”؛ وهذا التحوّل في الخطاب داخل السورة ذاتها بالغ الدلالة:
- الآيات السابقة خاطبت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ — وهو خطاب خاصّ بالمجتمع المسلم.
- آية 13 خاطبت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ — وهو خطاب عالمي شامل يتجاوز حدود الأمة الواحدة إلى البشرية جمعاء.
وهذا يعني أنّ المبدأ المُؤسَّس في هذه الآية ليس مبدأً داخليًا خاصًا بالمسلمين، بل هو مبدأ إنساني كوني يُخاطب الناس كافةً بوصفهم شعوبًا وقبائل متعددة مطالَبة بالتعايش وفق أعراف مشتركة.
- المطلب الرابع: دلالة “إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ” — نفي الهرمية العرقية
ذيّل الله تعالى الآية بقوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وهذا التذييل يُؤدّي وظيفتين:
الوظيفة الأولى: نفي الهرمية — فلا شعب أعلى من شعب، ولا قبيلة أفضل من قبيلة بمقتضى العرق أو النسب؛ وهذا يعني أنّ التعددية المقصودة تعددية أفقية لا عمودية — أي أنّ الشعوب والقبائل متساوية في الكرامة الأصلية.
الوظيفة الثانية: تأسيس معيار بديل — المعيار الوحيد للتفاضل هو التقوى، وهي قيمة سلوكية أخلاقية لا عرقية، مما يعني أنّ المنظومة التعاقدية المطلوبة يجب أن تقوم على القيم لا على الأعراق.
المبحث الثالث: المعنى التأسيسي لـ”لتعارفوا” — من التعرّف إلى التعاقد
- المطلب الأول: “لتعارفوا” بمعنى “لتضعوا أعرافًا مشتركة“
بناءً على ما تقدّم من التحليل اللغوي والسياقي، يمكن تحرير المعنى المقصود كما يلي:
“لتعارفوا” = لتتواضعوا على أعراف مشتركة تنظّم تعدديتكم وتحفظ تعايشكم.
وهذا المعنى يتضمن العناصر التالية:
أولًا: الاعتراف المتبادل (Recognition):
أن يعترف كل شعب وكل قبيلة بوجود الآخر ومشروعية اختلافه، وهذا هو الحدّ الأدنى من التعارف.
ثانيًا: التواضع على أعراف (Convention):
أن يشترك الجميع في وضع منظومة قيمية وقانونية يرتضونها ويلتزمون بها، وهذا هو صُلب المعنى وجوهره.
ثالثًا: التعايش المُؤطَّر (Regulated Coexistence):
أن يكون التعدد والاختلاف مُنظَّمًا لا فوضويًا، تحكمه أطر تعاقدية وليس شريعة الغاب.
- المطلب الثاني: العلاقة بين “العُرف” و”التعارف” و”المعروف” — حقل دلالي واحد
من أقوى الأدلة على هذا التوجّه أنّ القرآن الكريم استعمل مشتقات الجذر (ع ر ف) في سياقات تشريعية تنظيمية واضحة:
- ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: 199] — الأمر بالعُرف بوصفه منظومة قيمية مجتمعية.
- ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19] — المعروف هنا معيار سلوكي متعارف عليه.
- ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 241] — العرف بوصفه مرجعية تشريعية.
- ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] — العرف بوصفه ضابطًا تنظيميًا.
فالقرآن نفسه يستعمل مشتقات هذا الجذر بوصفها مرجعية تشريعية وقانونية، مما يُرجّح أنّ “لتعارفوا” تحمل هذا البُعد التنظيمي التأسيسي.
وقد قرّر الأصوليون أنّ “العُرف مُحَكَّم” — أي أنّ العرف مصدر من مصادر التشريع الإسلامي؛ والقاعدة الفقهية الكبرى: “العادة مُحكَّمة” إنما تعبّر عن هذا البعد التأسيسي للعُرف في بناء المنظومة القانونية.
- المطلب الثالث: “لتعارفوا” بوصفها تأسيسًا لمفهوم القانون الدولي
إنّ ما تُقرّره الآية — وفق هذا الفهم — يُطابق في جوهره ما وصلت إليه الإنسانية بعد قرون من المعاناة والحروب، وهو مفهوم القانون الدولي (International Law) والمواثيق والأعراف الدولية (International Conventions):
| المفهوم القرآني | المقابل المعاصر |
| “شعوبًا وقبائل” | التعددية القومية والعرقية — الدول والأمم |
| “لتعارفوا” | وضع أعراف ومواثيق دولية مشتركة |
| “إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم” | المساواة في السيادة بين الدول — لا هرمية عرقية |
| سياق سورة الحجرات | ميثاق أممي ينظّم العلاقات ويحلّ النزاعات |
ولا يعني هذا إسقاط المفاهيم المعاصرة على النصّ القرآني، بل يعني أنّ القرآن أصّل المبدأ الكلّي الذي ظلّت البشرية تتلمّسه حتى توصّلت إليه في صيغ مؤسسية حديثة.
المبحث الرابع: الشواهد القرآنية المساندة — التعددية مقصد قرآني
- المطلب الأول: آيات التعددية التكوينية
لم تأتِ آية الحجرات بدعًا من القرآن، بل هي حلقة في سلسلة متكاملة من الآيات التي تُؤسّس لمبدأ التعددية بوصفها إرادة إلهية مقصودة:
- ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: 118]
- الدلالة: التعددية والاختلاف إرادة تكوينية إلهية، وليست خللًا يجب إصلاحه.
- ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: 22]
- الدلالة: التنوع اللغوي والعرقي آية من آيات الله — أي ظاهرة إيجابية تستحقّ التأمّل والاحترام.
- ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [المائدة: 48]
الدلالة: التعددية في الشرائع والمناهج مقصودة إلهيًا والاستجابة الصحيحة لها هي التسابق في الخيرات لا التقاتل والإلغاء.
- المطلب الثاني: تجربة صحيفة المدينة — التطبيق النبوي للتعارف التعاقدي
إنّ أوّل عمل قام به النبي ﷺ بعد الهجرة إلى المدينة هو إنشاء “صحيفة المدينة” (أو الوثيقة/الدستور)، وهي عقد اجتماعي مكتوب بين مكوّنات المجتمع المدني المتعدد: المهاجرون، الأنصار (أوسهم وخزرجهم)، واليهود بقبائلهم المختلفة.
وقد نصّت الصحيفة على:
- الاعتراف بالتعدد: “وإنّ يهود بني عوف أمة مع المؤمنين…”
- المواطنة المشتركة: “وإنّهم أمة واحدة من دون الناس…”
- القوانين التأطيرية المشتركة: قواعد الدفاع المشترك، وفضّ النزاعات، والتعايش الديني.
وهذا التطبيق النبوي هو أدقّ تفسير عملي لمعنى “لتعارفوا” — فلم يكن المقصود أن يتعرّف المهاجرون على اليهود معرفةً ثقافية، بل أن يتواضعوا جميعًا على وثيقة تعاقدية تُنظّم تعددهم.
المبحث الخامس: “لتعارفوا” في ضوء الفلسفة السياسية المقارنة
- المطلب الأول: المفهوم القرآني ونظريات العقد الاجتماعي
يُلاحظ الباحث أنّ ما تُؤسّسه آية الحجرات يتقاطع — في بعض أبعاده — مع ما طرحته الفلسفة السياسية الغربية الحديثة في نظريات العقد الاجتماعي، مع فوارق جوهرية:
أ) توماس هوبز (1651): رأى أنّ الحالة الطبيعية هي “حرب الكلّ ضدّ الكلّ”، وأنّ البشر يحتاجون إلى عقد اجتماعي يتنازلون فيه عن حريتهم لسلطة مطلقة (اللفياثان)؛ الفرق: النموذج القرآني لا يفترض “حرب الكل ضد الكل” كحالة طبيعية، بل يفترض أنّ التعددية خير مقصود والتعاقد فطرة لا اضطرار.
ب) جون لوك (1689): رأى أنّ البشر في الحالة الطبيعية أحرار متساوون، والعقد الاجتماعي يهدف إلى حماية الحقوق الطبيعية؛ التقاطع: هذا أقرب إلى المفهوم القرآني الذي يُقرّ المساواة الأصلية (“من ذكر وأنثى”) ويجعل التعاقد لحماية هذه المساواة.
ج) جون رولز (1971): طرح نظرية “العدالة كإنصاف” القائمة على “حجاب الجهل” — أي أنّ القوانين العادلة هي تلك التي يختارها البشر دون أن يعرفوا موقعهم الاجتماعي؛ التقاطع: الآية تُقرّر أنّ معيار التفاضل ليس العرق أو القبيلة بل التقوى، وهو ما يُقارب مبدأ الحياد عن الموقع الاجتماعي.
- المطلب الثاني: الفرق بين التأسيس القرآني والتأسيس الوضعي
رغم التقاطعات، ثمة فوارق جوهرية بين التأسيس القرآني للتعددية والتأسيس الوضعي:
| المعيار | التأسيس القرآني | التأسيس الوضعي |
| مصدر التعددية | إرادة إلهية مقصودة (“جعلناكم”) | واقع تاريخي أو بيولوجي |
| غاية التعاقد | تحقيق مقصد إلهي (“لتعارفوا”) | تحقيق مصلحة بشرية |
| معيار التفاضل | التقوى (قيمة أخلاقية متعالية) | المواطنة / الحرية/ المنفعة |
| المرجعية العليا | الله تعالى (“إنّ أكرمكم عند الله”) | الإرادة الشعبية / الدستور |
| طبيعة الإلزام | ديني وأخلاقي ومدني | مدني وقانوني فقط |
| نظرته للاختلاف | آية ونعمة وابتلاء | واقع يجب إدارته |
وهذا يعني أنّ التأسيس القرآني يتجاوز التأسيس الوضعي من حيث إنه يمنح التعددية بُعدًا وجوديًا وقيميًا، ولا يتعامل معها بوصفها مشكلة تحتاج إلى حلّ، بل بوصفها غاية إلهية تحتاج إلى تنظيم.
المبحث السادس: الأبعاد المقاصدية لمفهوم “التعارف التأسيسي”
- المطلب الأول: “لتعارفوا” في ضوء الكليات الخمس
إنّ ربط مفهوم “التعارف” بالمعنى التأسيسي التعاقدي ينسجم مع الكليات الخمس (أو الستّ) التي قرّرها علماء المقاصد:
- حفظ الدين: التعارف التعاقدي يحمي حرية المعتقد ويمنع الإكراه — ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.
- حفظ النفس: الأعراف المشتركة تمنع القتل والعدوان بين الشعوب.
- حفظ العقل: التواضع على أعراف يتطلّب الحوار والتفكير الجماعي.
- حفظ النسل: حماية الهُويات المتعددة (شعوبًا وقبائل) من الإلغاء والذوبان القسري.
- حفظ المال: الأعراف التجارية والاقتصادية الدولية تحمي الموارد والحقوق.
- حفظ العِرض والكرامة: وهو ما أسّسته الآيات السابقة في سورة الحجرات (لا يسخر، لا تلمزوا، لا تنابزوا).
- المطلب الثاني: “لتعارفوا” ومفهوم العمران عند ابن خلدون
إنّ عبد الرحمن بن خلدون (ت 808هـ) — في مقدمته الشهيرة — حين تحدث عن “الاجتماع الإنساني” بوصفه ضرورة، وعن “العصبية” بوصفها رابطة طبيعية، وعن حاجة الاجتماع إلى “وازع” ينظّمه — إنما كان يشرح — دون تصريح — المعنى التأسيسي لآية “لتعارفوا”.
فابن خلدون يرى أنّ:
- البشر مفطورون على الاجتماع (= “خلقناكم من ذكر وأنثى”).
- هذا الاجتماع يتشكّل في وحدات متنوعة (= “شعوبًا وقبائل”).
- لا بدّ لهذا الاجتماع من وازع ونظام يحكمه (= “لتعارفوا”).
- وأنّ التفاضل ليس بالنسب بل بالفعل والعمران (≈ “إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم”).
المبحث السابع: ردّ الاعتراضات المتوقعة
- الاعتراض الأول: “هذا معنى لم يقل به المفسرون القدامى“
الجواب: أولًا — ليس شرط صحة المعنى أن يكون قد صُرّح به حرفيًا في كتب التفسير القديمة، فالقرآن “لا تنقضي عجائبه” كما ثبت في الحديث؛ ثانيًا — إنّ كثيرًا من المفسرين أشاروا إلى أبعاد من هذا المعنى وإن لم يصوغوه بهذه الصياغة المعاصرة؛ فالطبري ذكر أنّ التعارف يتضمن التآلف والتناصر، والرازي أشار إلى أنّ الحكمة هي التعاون على مصالح المعاش والمعاد، والشاطبي في الموافقات قرّر أنّ الأحكام تدور مع المصالح الكلية وأنّ العُرف أصل معتبر؛ فنحن لا نُنشئ معنىً من فراغ، بل نُعمّق معنىً موجودًا في ضوء أدوات تحليلية أكثر تطوّرًا.
- الاعتراض الثاني: “أنتم تُحمّلون اللفظ ما لا يحتمل“
الجواب: بل اللفظ يحتمل هذا المعنى بقوة بناءً على:
- الجذر اللغوي الذي يتضمن “العُرف” بمعنى المتعارف عليه.
- صيغة “التفاعل” التي تقتضي المشاركة البنائية.
- السياق التأسيسي لسورة الحجرات.
- المنظومة القرآنية الكلية في التأصيل للتعددية.
- التطبيق النبوي في صحيفة المدينة.
- واللفظ القرآني بطبيعته حمّال أوجه ومتعدد الدلالات، والمعنى المقترح لا يُلغي المعنى المعرفي بل يتضمّنه ويتجاوزه.
- الاعتراض الثالث: “هذا إسقاط لمفاهيم غربية على القرآن“
الجواب: ليس المنهج المتّبع هنا إسقاطيًا بل استنباطيًا مقارنًا؛ فنحن ننطلق من النصّ القرآني بأدواته اللغوية والسياقية ثم نُلاحظ التقاطع مع المفاهيم المعاصرة؛ والتقاطع لا يعني التبعية، بل قد يعني السبق القرآني إلى مبادئ احتاجت البشرية قرونًا للوصول إليها؛ ولو جاء مفهوم قرآني يُوافق حقيقة علمية حديثة، لما قلنا إنه “إسقاط علمي على القرآن”، بل نقول إنّ القرآن سبق إلى الحقيقة.
الخاتمة والنتائج
في ختام هذه الدراسة، يمكن تلخيص أهمّ النتائج التي توصّل إليها البحث:
أولًا: إنّ لفظة “لتعارفوا” في آية الحجرات (13) تحمل دلالة أعمق وأغنى من مجرد “المعرفة المتبادلة بالأنساب والهُويات”، وإنّ حصرها في هذا المعنى الاختزالي يُفقدها كثيرًا من طاقتها الدلالية وأبعادها التأسيسية.
ثانيًا: إنّ التحليل اللغوي للجذر (ع ر ف) يكشف عن حقل دلالي واسع يتضمن — إضافةً إلى المعرفة — مفهوم العُرف بوصفه المنظومة القيمية والقانونية المتواضَع عليها، وأنّ صيغة “تفاعُل” تقتضي البناء المشترك لا مجرد الإدراك المتبادل.
ثالثًا: إنّ السياق القرآني لسورة الحجرات يكشف عن بنية دستورية تأسيسية تتدرّج من إرساء مبدأ المرجعية العليا، مرورًا بالتثبّت المعلوماتي، وفضّ النزاعات، وحماية الكرامة، وصولًا إلى تتويج البناء بمبدأ التعددية المُؤطّرة بالأعراف المشتركة.
رابعًا: إنّ الخطاب بـ”يا أيها الناس” يمنح المبدأ المُقرَّر بُعدًا عالميًا كونيًا، وإنّ التذييل بـ”إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم” يُؤسّس لمبدأ المساواة بين الشعوب ونفي الهرمية العرقية.
خامسًا: إنّ صحيفة المدينة تُمثّل التطبيق النبوي الأمثل لمفهوم “التعارف التأسيسي”، حيث تواضعت مكوّنات مجتمعية متعددة على وثيقة تعاقدية تُنظّم تعايشها.
سادسًا: إنّ هذا الفهم يتقاطع مع — بل يسبق — ما وصلت إليه الفلسفة السياسية الحديثة في نظريات العقد الاجتماعي والقانون الدولي، مع احتفاظ النموذج القرآني بخصوصيته القيمية والوجودية.
سابعًا: إنّ الآية تُقرّر أنّ التعددية ليست مشكلة تحتاج إلى حلّ، بل هي غاية إلهية تحتاج إلى تنظيم — وأنّ هذا التنظيم يتمّ عبر الأعراف والمواثيق المشتركة التي يتواضع عليها البشر جميعًا.
التوصيات
- إعادة النظر في التناول التفسيري التقليدي للآية بما يُبرز أبعادها التأسيسية ولا يقصرها على البُعد المعرفي.
- تطوير خطاب إسلامي في العلاقات الدولية ينطلق من هذا التأسيس القرآني للتعددية والتعايش.
- إجراء دراسات مقارنة معمّقة بين مفهوم “التعارف القرآني” ونظريات العدالة الدولية المعاصرة.
- إدراج هذا الفهم في مناهج التربية الإسلامية لتعزيز قيم التعايش والانفتاح على أساس قرآني رصين.
- توظيف هذا الفهم في الحوار بين الحضارات والأديان بوصفه أرضية مشتركة قرآنية للعمل الإنساني المشترك.
ملاحظة ختامية: هذا المقال اجتهاد بحثي يطرح قراءة تحليلية مقاصدية للآية الكريمة، ولا يدّعي القطع أو إلغاء المعاني التفسيرية الأخرى، بل يسعى إلى إثراء الفهم وتوسيع أفق الدلالة القرآنية بما ينسجم مع طبيعة النصّ القرآني المعجز المتجدّد.
والله تعالى أعلم بمراده من كلامه.
قائمة المصادر والمراجع
أولًا: المصادر القرآنية والتفسيرية
- الطبري، محمد بن جرير؛ جامع البيان عن تأويل آي القرآن؛ تحقيق: أحمد شاكر؛ مؤسسة الرسالة.
- الزمخشري، محمود بن عمر؛ الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل؛ دار الكتاب العربي، بيروت.
- الرازي، فخر الدين؛ مفاتيح الغيب (التفسير الكبير)؛ دار إحياء التراث العربي.
- ابن عاشور، محمد الطاهر؛ التحرير والتنوير؛ الدار التونسية للنشر.
- سيد قطب؛ في ظلال القرآن؛ دار الشروق.
ثانيًا: المصادر اللغوية
- ابن فارس، أحمد؛ معجم مقاييس اللغة؛ تحقيق: عبد السلام هارون؛ دار الفكر.
- ابن منظور، محمد بن مكرم؛ لسان العرب؛ دار صادر، بيروت.
- الأصفهاني، الراغب؛ المفردات في غريب القرآن؛ تحقيق: صفوان داوودي؛ دار القلم.
- الجرجاني، علي بن محمد؛ التعريفات؛ دار الكتب العلمية.
ثالثًا: المصادر الأصولية والمقاصدية
- الشاطبي، إبراهيم بن موسى؛ الموافقات في أصول الشريعة؛ تحقيق: أبو عبيدة مشهور؛ دار ابن عفان.
- ابن عاشور، محمد الطاهر؛ مقاصد الشريعة الإسلامية؛ تحقيق: محمد الحبيب ابن الخوجة.
- القرافي، شهاب الدين؛ الفروق؛ عالم الكتب.
رابعًا: المصادر التاريخية والسيَرية
- ابن هشام، عبد الملك؛ السيرة النبوية؛ تحقيق: مصطفى السقا وآخرون.
- ابن خلدون، عبد الرحمن؛ المقدمة؛ تحقيق: درويش الجويدي؛ المكتبة العصرية.
خامسًا: المصادر الغربية والمقارنة
- Hobbes, Thomas؛ Leviathan؛ (1651)؛ Penguin Classics.
- Locke, John؛ Two Treatises of Government؛ (1689)؛ Cambridge University Press.
- Rawls, John؛ A Theory of Justice؛ (1971)؛ Harvard University Press.
- Taylor, Charles؛ Multiculturalism: Examining the Politics of Recognition؛ (1994)؛ Princeton University Press.
- Habermas, Jürgen؛ Between Facts and Norms؛ (1996)؛ MIT Press.