منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مقاصد السنن الاجتماعية في بعدها العقدي والتربوي (4) مقصد تزكية النفس البشرية وتربيتها

أنيسة بنعيم سحتان

0

مقاصد السنن الاجتماعية في بعدها العقدي والتربوي

(4) مقصد تزكية النفس البشرية وتربيتها

أنيسة بنعيم سحتان

مقاصد السنن الاجتماعية في بعدها العقدي والتربوي(1)مقصد الوصول إلى معرفة الخالق وتحقيق التوحيد

مقاصد السنن الاجتماعية في بعدها العقدي والتربوي(2) مقصد السعي لنيل الفوز الدنيوي والأخروي/ أنيسة بنعيم سحتان

مقاصد السنن الاجتماعية في بعدها العقدي والتربوي (3) مقصد إدراك حقيقة الإعجاز القرآني وصدق الرسالة المحمدية

من مقاصد السنن الاجتماعية في حياة الفرد والمجتمع أيضا؛ مقصد التربية والتربية على الأخلاق النبيلة والقيم الفاضلة، فإن ” الناظر في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة يجد نصوص الوحي كلها تدعو إلى تزكية وتربية الانسان، فالقرآن الكريم كتاب تربية وتعليم لا كتاب تعليم فقط، فلا يكفي أن يذكر فيه مسألة مرة واحدة واضحة تامة كالمعهود في متون الفنون وكتب القوانين، وقد بين الله تعالى ذلك بقوله في موضوع البعثة المحمدية  ( يُسَبِّحُ لِلهِ مَا فِے اِ۬لسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِے اِ۬لَارْضِ اِ۬لْمَلِكِ اِ۬لْقُدُّوسِ اِ۬لْعَزِيزِ اِ۬لْحَكِيمِۖ (1) هُوَ اَ۬لذِے بَعَثَ فِے اِ۬لُامِّيِّـۧنَ رَسُولاٗ مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمُۥٓ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ اُ۬لْكِتَٰبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِے ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ)2 [سورة الجمعة آية 1-2]، فآياته المتلوة هي سور القرآن، المرشدة إلى سننه في الاكوان، والتزكية هي التربية بالعمل وحسن الاسوة، والكتاب هو الكتابة التي تخرج العرب من أميتهم، والحكمة هي العلوم النافعة الباعثة على الاعمال الصالحة، وما يسمى في عرف شعوب الحضارة بالفلسفة، فجميع مقاصد القرآن وبيان السنة له تدور على هذه الأقطاب الثلاثة “.[1]

فالتربية والتزكية هما أساس المقاصد التربوية للسنن الإلهية، ويترجمان في الواقع على شكل أخلاق فاضلة، والأخلاق ” ليست – كما يظن البعض – شيئا ثانويا في هذا الدين، وليست محصورة في نطاق معين من نطاقات السلوك البشري، إنما هي الترجمة العملية للاعتقاد الصحيح، لأن الإيمان ليس مشاعر مكنونة في داخل الضمير فحسب؛ إنما هو عمل سلوكي ظاهر كذلك “[2].

فمقصد السنن الإلهية الأخلاقي المتمثل في التزكية والتربية يهدف ” إلى إيجاد مجتمعات نظيفة خالية من مظاهر التلوث، أيا كان هذا التلوث، أخلاقيا أم سياسيا أم اقتصاديا… فإذا ما سعت المجتمعات إلى ذلك. فإن الله يرفع من شأنها ويعليها، وإذا ما انتكست تلك المجتمعات في حمأة التلوث فإن ذلك يقودها إلى التخلف والانحدار الحضاري، والعذاب الإلهي ”[3].

فالحكمة من بيان هذه السنن الإلهية والحث على اكتشافها واستنباط مقاصدها ثم تسخيرها؛ هدايةُ الإنسانية إلى صلاحها، وإثارة الخير في نفوسها؛ ولأجل تهذيبها وإصلاح أخلاقها وأمرها بعث الله تعالى نبيّه صلى الله عليه وسلّم، يقول الحق تبارك وتعالى: (هُوَ اَ۬لذِے بَعَثَ فِے اِ۬لُامِّيِّـۧنَ رَسُولاٗ مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمُۥٓ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ اُ۬لْكِتَٰبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِے ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ) [سورة الجمعة آية 2]

قال سيد قطب في قوله سبحانه:  (وَيُزَكِّيهِمْ) ” وإنها لتزكية وإنه لتطهير ذلك الذي كان يأخذهم به الرسول صلى الله عليه وسلم تطهير للضمير والشعور، وتطهير للعمل والسلوك، وتطهير للحياة الزوجية، وتطهير للحياة الاجتماعية. تطهير ترتفع به النفوس من عقائد الشرك إلى عقيدة التوحيد، ومن التصورات الباطلة إلى الاعتقاد الصحيح، ومن الأساطير الغامضة إلى اليقين الواضح. وترتفع به من رجس الفوضى الأخلاقية إلى نظافة الخلق الإيماني. ومن دنس الربا والسحت إلى طهارة الكسب الحلال.. إنها تزكية شاملة للفرد والجماعة ولحياة السريرة وحياة الواقع. تزكية ترتفع بالإنسان وتصوراته عن الحياة كلها وعن نفسه ونشأته إلى آفاق النور التي يتصل فيها بربه، ويتعامل مع الملأ الأعلى، ويحسب في شعوره وعمله حساب ذلك الملأ العلوي الكريم “[4].

وغاية المرام في هذا المقام: إن صلاح المجتمعات والأمم والحضارات متوقف على صلاح الأفراد، وذلك بالتنشئة على الأخلاق الفاضلة، وتربية النفوس وتزكيتها، ولن يتحقق هذا الصلاح إلا بالسير على أنوار السنن الإلهية؛ ويكون ذلك بفهم مقاصدها ومراميها.


[1]  الوحي المحمدي، محمد رشيد رضا، ص: 192.

[2] السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث، دار المعرفة، ط: 7، السنة: 1429ه-2008. ، ص: 114.- بتصرّف -.

[3] من سنن القرآن المؤسس للنهوض الحضاري، عبدالمجيد الغيلي، ص: 113.

[4]  في ظلال القرآن، سيد قطب، ( 06/356 ).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.