مقاصد السنن الاجتماعية في بعدها العقدي والتربوي (3) مقصد إدراك حقيقة الإعجاز القرآني وصدق الرسالة المحمدية
مقاصد السنن الاجتماعية في بعدها العقدي والتربوي (3) مقصد إدراك حقيقة الإعجاز القرآني وصدق الرسالة المحمدية/ أنيسة بنعيم سحتان
مقاصد السنن الاجتماعية في بعدها العقدي والتربوي
(3) مقصد إدراك حقيقة الإعجاز القرآني
وصدق الرسالة المحمدية
أنيسة بنعيم سحتان
مقاصد السنن الاجتماعية في بعدها العقدي والتربوي(1)مقصد الوصول إلى معرفة الخالق وتحقيق التوحيد
من مقاصد سنن الله تعالى في خلقه نجد أيضا مقصد إدراك حقيقة إعجاز القرآن الكريم وهذا الأمر فيه دلالة كذلك على صدق نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وصدقه في البلاغ عن الله عز وجل، فهي تتضمن البشارة بنصر جند الرحمان على حزب الشيطان وهي سنة إلهية لا يمكن أن تتخلّف أبدا، وإن طال الزمن وتعاقبت الأمم والأجيال، وبهذا يتكامل مقصد إدراك حقيقة الإعجاز القرآني مع صدق الرسالة المحمدية.
يقول الله تبارك وتعالى: (وَإِن كُنتُمْ فِے رَيْبٖ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَيٰ عَبْدِنَا فَاتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثْلِهِۦ وَادْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ اِ۬للَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَۖ (22) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ اُ۬لنَّارَ اَ۬لتِے وَقُودُهَا اَ۬لنَّاسُ وَالْحِجَارَةُۖ أُعِدَّتْ لِلْكٰ۪فِرِينَۖ )23( ([سورة البقرة آية 22-23]. ؛ فقد ” تحدى الله عز وجل العرب الذين نزل بلغتهم أن يأتوا بسورة تماثله في البلاغة والفصاحة، ومتانة التشريع الصالح لكل زمان ومكان، ومطابقته لمكتشفات العلوم المختلفة، وإخباره بالمغيبات في الماضي والمستقبل. فإذا شك إنسان في أن القرآن ليس من كلام الله فليأت بمثله، والقرآن كلام عربي من جنس ما يتكلم به العرب في خطبهم وأشعارهم وكلامهم العادي، وهم فرسان البلاغة والفصاحة، وأعلام البيان. وإذا عجزوا عن الإتيان بمثل سورة من القرآن، وهم عاجزون إلى الأبد، فليرجعوا إلى الحق، وليؤمنوا بمحمد وبما أنزل الله عليه من القرآن، وفي ذلك وقاية لهم من النار. قال الله تعالى مبيّنا إعجاز القرآن وإثبات رسالة النّبي محمد صلى الله عليه وسلم “[1].
والقرآن الكريم في ثناياه خلاصة وعصارة السنن التي تنظم العلاقة بين المجتمعات والأمم، فمرة يذكرها صراحة، وأخرى إشارة ودلالة.. وهكذا يرى في قصص الأولين أحسن تمثيل لنهوض الأمم والحضارات وسقوطها، وربط الأسباب بالمسببات، والمقدمات بالنتائج، وكل ذلك له مقاصد وغايات، نلمسها عندما ندرك حقيقة أن هذا القرآن معجز، وأنه من عند الله تعالى، ونزداد يقينا بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
قال الباري جل جلاله في آخر سورة يوسف:( لَقَدْ كَانَ فِے قَصَصِهِمْ عِبْرَةٞ لِّأُوْلِے اِ۬لَالْبَٰبِۖ مَا كَانَ حَدِيثاٗ يُفْتَر۪يٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ اَ۬لذِے بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَےْءٖ وَهُديٗ وَرَحْمَةٗ لِّقَوْمٖ يُومِنُونَۖ) ( [سورة يوسف آية 111].
فالقرآن الكريم إذاً ” يعدّ المصدر الأول للكشف عن السنن الإلهية والاجتماعية، حيث أنه هدى ونبراسا للإنسان، ودليلا للمسلم في حياته، وطريقا له للآخرة حيث السعادة الأبدية. وهذه السنن وبمختلف مجالاتها، منها ما كشف عنه سبحانه وتعالى في كتابه، وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، ومنها ما دعا الناس إلى تلمسها والبحث عنها في الآفاق وفي أنفسهم، ثم النظر فيها وتدبرها والتفكر فيها “[2].
” القرآن الكريم هداية ربانية لجميع الناس، فمن مقاصده تربية الانسان وإصلاح أفراد البشر وجماعاتهم وأقوامهم، وإدخالهم في طور الرشد، وتحقيق اخوتهم الإنسانية ووحدتهم، وترقية عقولهم، وتزكية أنفسهم، منها ما يكفي بيانه لهم في الكتاب مرة أو مرتين أو مرارا قليلة، ومنها ما لا تحصل الغاية منه إلا بتكراره مرارا كثيرة، لأجل أن يجتث أعماق الأنفس كل ما كان فيها من آثار الوراثة والتقاليد والعادات القبيحة الضارة، ويغرس في مكانها أضدادها، ويتعاهد هذا الغرس بما ينميه حتى يؤتي أكله، ويبدو صلاحه، ويينع ثمره، ومنها يجب أن يبدأ بها كاملة، ومنها ما لا يمكن كماله إلا بالتدريج، ومنها ما لا يمكن وجوده إلا في المستقبل، فيوضع له بعض القواعد العامة، ومنها ما يكفي في الفحوى والكناية “[3].
إن العبرة من القصص القرآني لا تكاد تنقطع أو تنتهي بهلاك الأمم الذين سجل القرآن الكريم قصتهم، وستبقى هذه السنن ارفًدا من روافد الفهم والفقه، والا فما فائدة هذا القصص الخالد إذا لم ينشئ عقلا مستنبطا للقوانين والسنن، التي تحكم التجمع الإنساني، وتتحكم بقيام وسقوط الحضارات، هل هي حكايات لتجزئة الوقت أسقطها الزمن وطواها التاريخ؟ كلا ؟..فمراد الله تعالى أعلى وأعز وأكرم من أن يكون ذلك القصص منحصًرا في حكايا للترف الفكري والتفكه العلمي.[4]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:” ومن هذا الباب صارت قصص المتقدمين عبرة لنا ولولا القياس واطراد فعله وسنته لم يصح الاعتبار بها، والاعتبار إنما يكون إذا كان حكم الشيء حكم نظيره، كالأمثال المضروبة في القرآن، وهي كثير …”[5].
ولعل من أغزر موارد السنن الإلهية: القصص القرآني؛ فقد “خصص الكثير من سور القرآن الكريم للحديث عن قصص الغابرين، لينبهنا ويلفت أنظارنا إلى ما آلت إليه تلك الأمم من تغير أحوالها إيجابيا أو سلبا حين اختارت لنفسها طريقا معينا، ولينبهنا كذلك إلى أن المجتمعات البشرية محكومة بنوع من السنن والنواميس المطردة الثابتة العامة، التي تضبط حركتها وتطورها، وتحدد مصيرها في النهاية “[6].
كما ضرب لنا الأمثال التي وردت في سياق قصة، أو جاءت منفردة، مع الإلحاح على الاتعاظ بها وأخذ العبرة منها [7].
ولم يكن هذا العرض لمجرد المتعة والترف الفكري والترفيه، بل إن هذا التوجيه القرآني للفكر البشري[8] لكي يدرك أن كل ما يقع ليس صدفة؛ بل هناك نتائج مرتبطة بأسبابها، وهناك سنن تحكم التجمع البشري وسقوط الحضارات وقيامها، وهذا الطرح؛ شكل أعظم النقلات المعرفية للعقل البشري في تاريخه، وقد كان القرآن ولا يزال للمسلمين، وسيظل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، هو مفتاح الخروج من الأزمات [9].
يقول الشيخ الغزالي رحمه الله تعالى:” هذا القرآن يكلم الرجال ليعيد صياغتهم، ويكلم الأحياء ليحقق استجابتهم، ويكلم العقلاء ليوجه وعيهم، فيجعل منهم أمة تحمل رسالتها … وفعلا حملت الأمة رسالتها لأنها فهمت المقصود من إرسال المعجزة الأخيرة، وأدركت أبعادها، وتدبرت مقاصدها، معجزة إنسانية تتصل بإحياء المواهب الإنسانية، وتفجير الطاقة البشرية لهذا الخلق، وإعادة بناء وتشكيل العقل الإنساني”[10] وقال أيضا: “موضوع القرآن هو الانسان، ومحل آيات الله هو الكون، ولابد للإنسان من التدبر في القرآن، والتعرف على سنن الكون وقوانينه التي لا يتحقق بدون إدراكها تعمير الأرض …”[11]
ولقد أجمل القرآن الكلام عن الأمم، وعن السنن الإلهية، وعن آياته في السماوات والأرض وفي الآفاق والأنفس، وهو إجمال صادر عمّن أحاط بكل شيء علما، وأمرنا بالنظر والتفكّر والسير في الأرض لنفهم إجماله بالتفصيل الذي يزيدنا ارتقاء وكمالا… ولو اكتفينا من علم الكون بنظرة في ظاهره، لكنّا كمن يعتبر الكتاب بلون جلده، لا بما حواه من علم وحكمة “[12].
إن معجزة القرآن تتجلى أساسا في آياته التي لا تتبدل ولا تتغير، فإمعان النظر فيها واستحضارها من أعظم أسباب حياة القلبِ وإيمانِه وإجلالهِ للخالقِ المدبّرِ-سبحانه-ففيه تلوحُ الحكمةُ ظاهرةٌ في أمرِ تدبيرِ الكونِ ونظامِه، وأنَّه جارٍ على تلك السننِ المحْكمةِ التي لا تتغِّيرُ ولا تتبَّدلُ، فأحداثُ التاريخ ِتعيدُ نفسَها وإنْ تغيرَّ شيءٌ من صورها وملامحها، فقراءتها واستقراؤها ممّا يسقي نَبْتَ المعرفةِ ويحُيي نورَ البصيرةِ، ويقوِّي روحَ اليقينِ في وعد اللهِ ووعيدِه وقدرتِه وانتقامِه، فلا بدَّ منْ ربطِ كلِّ ما يستجدُّ منْ حدثٍ له تعلقٌ بتلك السُّننِ بسابقِه، وإلحاقِ بعضِها ببعضٍ؛ لتكون سلسلةً متّصلةً مترابطةً، تَرسُم ُمنهاجًا واضحًا – حال التعامل مع المستجدات – وتعطي تفاؤلًا وأملًا في استشراف المستقبل وما عسى أن يبذل من خلاله.[13]
وبخصوص صدق الرسالة المحمدية ” فإن نزول القرآن على سيدنا محمد بالسنن الإلهية في النفس والمجتمع والافاق واخبار الأمم السابقة والحوادث الماضية أكبر دليل على صدق نبوته ورسالته، قال الله عز وجل: (تِلْكَ مِنَ اَنۢبَآءِ اِ۬لْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَاۖ فَاصْبِرِۖ اِنَّ اَ۬لْعَٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَۖ ) [سورة هود آية 49] ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أميا لم يختلف إلى مؤدب ولا معلم، ولا فارق وطنه مدة يمكنه الانقطاع فيها إلى عالم يأخذ ذلك عنه، فإذا علم بها وتدبر العاقل من قومه ذلك علم بوحي من الله سبحانه وتعالى، فآمن به وصدقه وكان ذلك من المعجزات الدالة على صدق نبوته، وقد ينكر ويجحد حسدا وعنادا “.[14]
وكانت رسالته -صلى الله عليه وسلم- رحمة للعالمين، أنجدتهم من متاهات الحيرة والغواية، إلى منجاة الطمأنينة والهداية، قال الله تعالى:( وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا رَحْمَةٗ لِّلْعَٰلَمِينَۖ ) [سورة الأنبياء آية 106] ، ولم تكن هذه الرحمة المهداة لقوم دون قوم، أو لجنس دون آخَر، أو لزمان مستقبل ينقطع بمجيء نبي آخر، وإنما كانت رسالة محمد -صلى الله عليه وسلم- للعالمين أجمعين، وخاتمة لرسالات السماء كلها إلى آخر الزمان، قال –سبحانه:( وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيراٗ وَنَذِيراٗ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ اَ۬لنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَۖ ) [سورة سبأ آية 28]… [15]
وتجدر الإشارة أيضا إلى أن ” الله تعالى وثق العهد الفطري بجعل العقول بعد الرشد قابلة لإدراك السنن الإلهية في الخلق، ووثق العهد الديني بما أيد به الأنبياء من الآيات البينات والأحكام المحكمات، وقد وثق العهد الأول بالعهد الثاني أيضا، فمن أنكر بعثة الرسل ولم يهتد بهديهم فهو ناقض لعهد الله فاسق عن سننه في تقويم البنية البشرية وإنمائها، وإبلاغ قواها وملكاتها حد الكمال الإنساني الممكن لها “[16].
وخلاصة الكلام إن دراسة السنن الاجتماعية المبثوثة في القرآن الكريم تحقق للدارس مقصدا مهما وهو إدراك حقيقة كون هذا الكتاب المقدس معجز في لغته وفي تشريعاته وفي أخباره عن الأمم السالفة وعما ستؤول إليه الأحداث والوقائع في المستقبل، إضافة إلى التأكيد على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم باعتبار المبلغ لهذا القرآن الكريم، فهو الواسطة بين الحق والخلق.
[1] التفسير الوسيط، لوهبة الزحيلي، دار الفكر – دمشق، الطبعة الأولى – 1422 هـ ، ( 01/17 ).
[2] علم السنن الإلهية من الوعي النظري إلى التأسيس العملي، رشيد كهوس، ص 5
[3] الوحي المحمدي ثبوت النبوة بالقرآن ودعوة شعوب المدينة الى الإسلام دين الأخوة الإنسانية والسلام، للسيد محمد رشيد رضا، مؤسسة عزالدين للطباعة والنشر، الطبعة الثانية 1352 هـ، ص 191.
[4] أزمتنا الحضارية في ضوء سنن الله في الخلق، للدكتور محمد كنعان، كتاب الأمة، ط 1، المحرم 1411 هـ، مقدمة عمر عبيد حسنة، ص 13.
[5] رسالة في لفظ السنة في القرآن لابن تيمية ضمن جامع الرسائل (المجموعة 1) ت: د محمد رشاد سالم ط 2 1405هـ/ 1984م، مطبعة المدني القاهرة، ص 55.
[6] السنن الإلهية من الوعي النظري الى التأسيس العملي، رشيد كهوس، ص 30.
[7] السنن الإلهية في الأمم والأفراد في القرآن الكريم أصول وضوابط، مجدي محمد عاشور، دار السلام – القاهرة، ط1، 1413 هـ / 1993م، ص 61.
[8] تأصيل علم السنن الإلهية، راشد شهوان، ص 72. – بتصرف-.
[9] عالمية الإسلام، أنور الجندي، دار المعارف – القاهرة، سلسلة اقرأ – العدد: 426، ص 124.
[10] كيف نتعامل مع القرآن، الشيخ محمد الغزالي، ص 47.
[11] المصدر نفسه ص:47.
[12] محاسن التأويل، محمد جمال الدين القاسمي، دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة: الأولى – 1418 هـ، ( 01/206 ).
[13] السنن الإلهية في الأمم والأفراد في القرآن الكريم أصول وضوابط، مجدي محمد عاشور، ص: 94 – بتصرف -.
[14] – الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التأريخ، محمد السخاوي، مؤسسة الرسالة، ط: 1، 1408 م / 1986 هـ، ص 36.
[15] – تفسير المنار، محمد رشيد رضا ( 01/201 ). – بتصرّف -.
[16] المصدر نفسه، ( 01/203 ).